لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




أسس دستور السودان

الفصل الحادي عشر والفصل الثاني عشر

الفصل الحادي عشر
حكومة المدينة


ولكل مدينة أيضا دستور مكتوب، تكون به الحقوق الأساسية، ولا يشذ عن دستور الحكومة المركزية، وإنما يُعنى بالمسائل المحلية الخاصة بكل مدينة والحق أن تسميته بالدستور فيها شيء من التجوّز، سببها حرصنا على تنسيق الأجهزة بين قاعدة الهرم والقمة والمحافظة على وحدة التسمية، ووحدة التربية السياسية، وإلا فهو أقرب إلى برنامج تطوير منه إلى دستور، وسيكون دستور المدينة مصدر سلطات حكومتها، وبمقتضاه ينتخب مجلس المدينة التشريعي، الذي سيضع من القوانين ما يكفل تطوير المدينة من جميع الوجوه حتى يجد فيها المواطن كل ما يحتاجه من وسائل التقدم والحياة السعيدة الكاملة. وبموجب هذا الدستور ينتخب المواطنون البالغون الثامنة عشرة من رجال ونساء محافظ المدينة، كما انتخبوا مجلسها التشريعي، وللحاكم أن يعين مساعديه الرئيسيين الذين يكونون مسئولين أمامه عن تنفيذ منهاجه لترقية المدينة، كما يكون هو مسئولا أمام سكان المدينة الذين إنتخبوه، ويعتبر محافظ المدينة مساعدا لحاكم المقاطعة، ويتوخي فيه، وفي معاونيه أن يكونوا، بقدر المستطاع، إمتدادا لمهام الرجال المركزيين في التعليم، وفي الصحة، وفي التجارة، والصناعة إلخ إلخ، ويكون هَم حكومة المدينة تنوير الشعب وتعليمه ورفع مستواه وإشراكه في أعمال الحكومة، بنشر القرارات، وعلنية القضاء، والتشريع، وبإستعمال جميع وسائل التثقيف، وخاصة السينما، وبنشر أندية الصبيان، ودُور المرشدات ومنظمات الكشافة وبإقامة إتحادات الشبان والشابات، وبتطويع جميع هذه المنظمات لنشر الثقافة، وبث روح الخدمة، حتى تُحظى جميع مرافق المدينة بالترقية والتجديد المطرد. وعلي حكومة كل مدينة تنظيم وسائل ربط القرى التي حولها بها وإيجاد علائق ثقافية وفنية وتجارية معها، ومع المدن الأخري البعيدة أو القريبة. وللمدينة محاكم يرشح المحافظ قضاتها، ويعينهم رئيس الجمهورية، بالتشاور مع رئيس القضاء، وللمدن الكبري محاكم عليا تشرف على قضائها وتستأنف أحكامها لمحكمة المقاطعة العليا.

الفصل الثاني عشر
حكومة القرية


على نفس نظام المدينة، يكون للقرية دستور مكتوب، ويكون مصدر سلطات حكومة القرية، التي تتكون من مجلس تشريعي منتخب ومجلس تنفيذي منتخب، ومن محكمة قرية، وتحاول القرية تطبيق الديمقراطية المباشرة لسهولة ذلك في مجتمعها الصغير، حيث يمكنها أن تشرك المواطنين جميعهم في جميع الاجراءات التي تتخذ في التشريع، وفي التنفيذ، بطريق مباشر تقريبا. كما تحاول المساواة التامة بين الرجال والنساء، في حق الترشيح، وحق الإنتخاب، ويكون هم حكومة القرية النهوض بمجموعتها بكل الوسائل وبأقل التكاليف فتستعمل مسجد القرية كمصلى، وكمحكمة للقرية، وقاعة محاضرات، وكقاعة إجتماعات للمجلس التشريعي، الذي ربما لا ينعقد إلا مرة في العام. وفي القرية يطبق التعليم المختلط، وفي جميع المراحل، وتستعمل بناية المدرسة ليلا لتعليم الكبار، وتعمل القرية كما تعمل المدينة، في تنظيم هيئات الشبان والشابات، والكشافة، والمرشدات، وتطوعها لخدمة القرية، في جميع الوجوه كما تعمل في تشجيع المنافسة في الرياضة، والعلم، والفن، بينها وبين القرى المجاورة. وتُعنى حكومة القرية - شيخ القرية - بحفظ سجل المواليد، والأموات والزيجات إلخ إلخ، ويكون شيخها منتخبا بواسطة السكان البالغين من العمر الثامنة عشرة من رجال ونساء، ويعين الشيخ معاونيه ويتوخي فيهم، حيث كان ذلك ممكنا ونافعا، أن يكونوا إمتدادا لمهام الرجال المركزيين في التعليم والصحة والزراعة إلخ إلخ. وحكومة القرية، أو قل الشيخ مسئول عن تنظيم قريته في التخطيط والبناء، حتى تصبح قرية نموذجية حيث جميع مرافقها موضوع وضعا هندسيا، والحكومة المركزية مسئولة دائما أن تمد يد المعونة الفنية الضرورية لذلك. ولكل قرية محكمة تفض النزاع، وتستأنف أحكامها إلى محكمة المدينة العليا، وقد يكون لبعض القرى كما للمدن، نظام بوليس بسيط يعين على حفظ الأمن ويكون خاضعا للشيخ، والقرى تكون تابعة للمدن المجاورة لها، ويكون هناك مجلس مختلط من سكان المدينة وسكان القرى التي تتبعها ينسق الأعمال المشتركة بين المدينة وريفها. وينص دستور المدينة على تكوين هذا المجلس، وعلي إختصاصاته التي من أهمها رفع مستوى الريف، حتى يجد فيه سكانه ما يغريهم بالإقامة فيه ويصرفهم عن النزوح إلى المدن بالشكل الذي نراه اليوم، فإننا نهدف إلى إقامة ديمقراطية المدن الصغيرة والأرياف العامرة، لا إلى ديمقراطية المدن الكبيرة، والأرياف الخربة الخالية من السكان.