ولكن كيف يُمَرِّن الإنسان نفسه بطريقة منظمة على أن يحيا دائما في حالة من الوعي الداخلي واليقظة وضبط النفس؟؟ الجواب قريب: ((أن يقلِّد محمّداً فى منهاج حياته تقليداً واعياً مع الثقة التامّة بأنّه قد أسلم نفسه إلى إرادة هادية ومهتدية، تجعل حياته مطابقة لروح القرآن وشخصيّته متأثّرة بشخصية أعظم رجل وتعيد وحدة الفكر والعمل فى وجوده ووعيه كليهما، وتخلق من ذاته المادية وذاته الروحية كلاً واحداً متسقاً قادراً على التوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى الحياة

كتاب (قل هذه سبيلي)


النائب العام والتدخل
في قضية بورتسودان

المقدّمة

بسـم اللّه الرحمـن الرحـيم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ، لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)
صدق اللّه العظيم


المقدّمة


نما إلى علمنا أن النائب العـام قد كلّف وكيل نيابة البحر الأحمـر بتمثيل الإتهـام في قضية بورتسودان الشهيرة المقامة ضد الأسـتاذ محمود محمد طه وعدد من الأخوان الجمهوريين، كما أنه قد طلب منه إضـافة مادتين جديدتين للبلاغ موضوع القضية، والمادتان هما "105، 106" من قـانون عقوبات السودان..
تنص المادة "105" على ما يأتي: "كل من يقوم، أو يشرع في القيام بأي فعل يؤدي، أو يٌحتمل أن يؤدي، إلى إثارة معارضة غير مشروعة للحكومة، أو لإثارة شعور الكراهية، أو الاحتقار ضد الدولة، أو ضد اي من مؤسساتها الدستورية، أو هيئاتها الإدارية، أو الأجهزة السياسية في الدولة، يعاقب بالسجن مدّة لا تتجاوز ثلاث سنوات، أو بالغرامة، او بالعقوبتين معاً"..
شرح رقم (1) "النقد الموّجه للحكومة، أو التعبير عن عدم الموافقة على عمل من أعمالها، أو سياستها، لا يٌعد جريمة بموجب هذه المادة، إذا كان بحسـن نيّة وبأسلوب معتدل"..
شرح رقم (2) "يعد جريمة، طبقاً لهذه المادة، تحريض أي شخص، أو الشروع في تحريضه، لأن يعارض الحكومة بالعنف أو بأي طريق آخر، غير مشروع، في اي عمل، أو سياسة لها، أو ايّة هيئة من الهيئات الدستورية، أو الإدارية، أو الأجهزة السياسية المسندة إليها سلطات تشريعية، أو تنفيذية، أو سياسية، أو أن يتعرَض للحكومة، أو رئيسها، أو هيئاتها أو أجهزتها، باي إهانة، أو سب، أو أن يطبع، أو يوزّع، أو يحتفظ، بأي كتابة ترمي إلى شيء مما ذٌكر".
أما المادة "106" فإن نصها هو الآتي: - "من عمل على إثارة الكراهية، أو الاحتقار، ضد أية طائفة من الناس في السـودان بكيفية تعرّض الأمن العـام للخطر، يعاقب بالسجن مدّة لا تتجاوز سنتين، أو بالغرامة، أو بالعقوبتين معاً"..
والجدير بالذكر أن المحاكمة تحت هاتين المادتين تقتضي إذناً خـاصاً من السيّد رئيس الجمهورية، أو من يفوّضه، كنص المادة (131) من قانون الإجراءآت الجنائية..
إن تدخّل النائب العام بهذه الصورة، وفي هذه المرحلة من سير القضية، وبعد قفل قضيّة الإتهـام، أدخل قضية بورتسودان في منعطف جديد، أعطاها بعداً سياسياً جديداً..
ولقد قررنا أن نواجهه في مستواه، كما قررنا أيضاً إطلاع شعبنا الكريم على تفاصيل التطورات الجديدة بادئين بهذا المنشور القصير..
إننا بنشرنا لهذه التفاصيل إنما نبتغي خلق رأى عام مستنير يأتمر بحكم القانون الصحيح، وينأى عن مباذل الهوى، ومزالق الغرض.. ولذلك فإننا سنطرح على شعبنا، في هذا الكتيُب الأبعاد الحقيقية للموقف الجديد عن طريق الدراسة العلمية، والموضوعية، مسترشدين بالحوار الهادي الذي نرجو أن تصحح تحت ظله جميع الأخطاء..
إن عمل النائب العام، وإن كان قد إتخذ طابع الإجراءآت القضائية الرسمية، إلا أنّه ينطوي على معاني سياسية لا نظنها تفوت على فطنة القارئ، وذلك للأسباب الآتية: -
أولاً: إن تمثيل ديوان النائب العام للإتهام يضع الدولة في موقف المدافع عن القضاء الشرعي، ونحن نري القضاء الشرعي ليس جهازاً قضائياً في لغة القانون، وإنما هو جهاز سياسي وضع نفسه في خدمة الدعوة الدينية السلفية، والأحزاب الطائفية، على طول المدى.. ونحن الجمهوريون لنا منه موقف عتيد، وقديم.. وتاريخ صراعنا معه بدأ منذ فجر الحركة الوطنية.. على هذا الأساس فإن إدخال الدولة كطرف في النزاع بحجّة أن القضاء الشرعي مؤسسة دستورية، أو أي سبب آخر، يضع الدولة كمدافع عن الدعوة السلفية..
ثانياً: ان أخذ الإذن للمحاكمة من رئيس الجمهورية، وإن كان أمراَ إجرائياً، وشكلياً، إلا أنه، وفي هذا المقام بالذات، يمكن أن يُستغل، وأن يُفسّر بأن السلطة في قمتها، تقف ضد الفكر الجمهوري في قمته..
ثالثاً: إن إختيار المادتين الجديدتين يضيّق فرص الدفاع أمام الجمهوريين، هذا إن لم نقل إنه يجعل الإفلات من الإدانة أمراً مستحيلاً..
هذا الوضع يصّور السلطة، والتي يراد لها أن تمثل الاتهام، كصاحبة غرض في إدانة الجمهوريين، وفي حسم الصراع الفكري عن طريق المحاكم..
رابعا: أن هذا العمل فيه محاولة جديدة لإعطاء محكمة الردة صفة الشرعية، وذلك بإدانة الذين يهاجمونها.. فإن جاز هذا الأمر فإن الدعوة السلفية تكون قد حققت حلماً ظلّ يراودها وقد فشلت في تحقيقه حتى في عهد الأحزاب الطائفية..
إننا لانحتاج في هذه العجالة أن نوّكد أن محكمة الردة عمل مرفوض شكلاً، وموضوعاً، من الناحية الدستورية، ومن الناحية القانونية.. ومع هذه العيوب الظاهرة فإن الوضع الجديد سيكسبها صفة القانونية التي هي أبعد ما تكون عنها..
لكل هذه الإعتبارات فإننا نضع الحقائق بين يدي شعبنا الكريم حتى تهزم المحاولة الجديدة في مهدها، وقبل فوات الأوان، وعلى اللّه قصد السبيل..