في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الحزب الجمهوري يرسل
خطابا لجمال عبد الناصر

تأميم قناة السويس


فقد كنا أول من عارض تأميم الثورة لقناة السويس وذلك غداة تأميمها ولم يكن اعتراضنا منصبا على التأميم في حد ذاته بقدر ما كان منصبا على الطريقة التي جرى بها التأميم . ذلك بأنا كنا موقنين بأن الثورة قد تطرفت في التحدي حتى تجاوزت القصد وأنها لن تأمن عواقب هذا التطرف مما قد يضطرها الى التماس الحماية عند الشيوعية الدولية فتقع بذلك في الفخ الذي نصبوه لها عندما سلحوها فوق حاجتها مما أغراها بالتحدي وأضراها بالمناجزة ومناها بالغلبة وأعجلها عن اصطناع الأناة وبعد النظر ولقد يعلم أقل الناس ذكاء أن قناة السويس ذات أهمية بالغة للدول الغربية وأن لها فيها حقا أيسر ما يقال عنه أنه حق مكتسب يصعب عليها جدا أن تقابل ضياعه من بين يديها بعدم اكتراث أو حتى بصبر وتحمل يضاف الى هذا أن التأميم قد جرى بطريقة فيها من التحدي والتحقير ما نال من هيبة هذه الدول أبلغ النيل مما حملها على ارتكاب ما ارتكبت من حماقة في حق مصر ولم يكن المكسب وراء كل هذه الفصول للغرب ولا لمصر إنما كان للشيوعية الدولية وحدها ولقد يظن بعض قصار النظر أن مصر قد خرجت من هذه المعركة ظافرة بتمصير القناة ولو نظر هؤلاء إلى أبعد من أنوفهم لعلموا أن مصر قد وضعت بفعلتها تلك قناتها ونفسها والدول العربية بل والإنسانية جمعاء في خطر عظيم من جراء سيطرة الشيوعية الدولية ويقول قصار النظر هؤلاء أن روسيا لا تتوجه بعداوتها إلا صوب الدول الغربية وأنها لا مطمع لها فينا نحن الدول الصغيرة ولا هي ترمي من وراء مساعدتنا إلا إلى هزيمة الدول الاستعمارية وتحرير الشعوب المستعمرة واستقرار السلام العالمي لخير الإنسانية أولا وأخيرا وهم يستدلون على زعمهم هذا المأفون بأن روسيا لا تطلب منا أن نكون شيوعيين بل ان الشيوعيين المصريين ليطاردون دون هوادة وانهم ليساقون إلى السجون من غير أن تحرك روسيا ساكنا لمساعدتهم أو للشفاعة لهم عند الحكومة المصرية .. ولست أدري كيف يحق لمن يتورط في مثل هذه الأفكار الضحلة أن يتولى أمور الناس أو حتى أن يدلي فيها برأي مكتوب أو رأي مذاع!!
حقا إنا لنعيش اليوم في عهد مفتون قد طففت فيه موازين القيم فأرتفع خفاف الأحلام في كل مكان يوجهون مصائر الشعوب وأصبح بذلك الطريق معدا أمام الشيوعية الدولية لتكيد كيدها وتنفث سمومها.
وقد كنا نريد للثورة أن تسلك بالتأميم سبيلا يستخلص لمصر حقوقها في أرضها من غير أن يعطي الفرصة للشيوعية الدولية أن تظهر بمظهر المدافع عن المستضعفين المغلوبين مما خدع العرب عنها ومكن لها في ديارهم تمكينا . ولقد كان هذا السبيل ممكنا وميسورا . وهو سبيل معروف لدى الثورة وليس غريبا عليها وقد سلكته مرة ودافعت عن سلوكه وقتلت من عارضوها في ذلك كل مقتل .. ولكن قد كان ذلك قبل أن يكيد الشيوعيون كيدهم ويغدقوا على الثورة من السلاح والعتاد والعطف ما أنساها نفسها وغرّها عن حقيقتها وأعجلها عن اصطناع الأناة وأغراها بمواقف المسرحيات والبطولات شأن كل الدكتاتوريات.