في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الحزب الجمهوري يرسل
خطابا لجمال عبد الناصر

2) تضليل العرب


أول ما تجب الإشارة إليه أن العرب لم يكونوا شيئا مذكورا قبل الإسلام وأنهم لم يدخلوا التاريخ إلا بعد أن أكرمهم الله عز وجل بالإسلام وعلمهم أن "العنصرية" هوس باطل وقال لهم ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) وأمر نبيهم أن يوضح لهم ذلك فقال ((ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى)) .. لقد كان كل هذا في القرن السابع الميلادي ونحن اليوم في القرن العشرين تقوم بيننا دعوة منكرة تئد تعاليمنا الإنسانية السامية وتضع في رؤوسنا وقلوبنا نعرة جاهلية رجعية متخلفة تحرر من سيطرتها من هم دوننا منذ القرن التاسع عشر ولم يعد لها مكان في عالم اليوم إلا عند قصار الأحلام غلف القلوب .. ومن عجب ان بعض المفكرين يظنون أن دعوة القومية العربية ليست عنصرية وإنما هي رابطة لغة وحضارة وثقافة .. فهل علم هؤلاء أن الإسلام هو الذي أعطى العرب بعد أن كانوا قبائل وبطونا وحدة المصير ووحدة اللغة وأنه هو الذي أعطاهم الحضارة والثقافة؟ هل علم هؤلاء أن القومية العربية نتيجة من نتائج صقل الفلسفة الإسلامية للعنصرية العربية وأن هذه الفلسفة الإسلامية لا تزال قادرة على صقل العنصريات المختلفات في النوع البشري كما تصقل النار الحديد فتزيل صدأه وخبثه وتظهر أصالته وفضائله ومميزاته ؟ هل علم هؤلاء أن الانصراف عن الفلسفة الإسلامية والدعوة إلى القومية العربية انصراف عن الجوهر إلى العرض وعن الأصل إلى الفرع واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير!
وشئ آخر هام هو أن هذا الكوكب الذي نعيش فيه قد أخذ يتأهب ليصبح موطنا موحدا لبشرية واحدة على اختلاف عنصرياتها وألوان بشراتها وتباين لغاتها وأن هذا العصر عصر فلسفات اجتماعيات ومذاهب علمية في السياسة والاقتصاد وليس عصر عنصريات أو قوميات أو إقليميات ولن تنتصر في الغد الا الفلسفات والمذهبيات ، لا العنصريات ولا القوميات ولا الإقليميات ولقد فطنت الشيوعية الدولية إلى ذلك الرأي وذهل عنه المسلمون وهم أهله فإذا لج بالمسلمين هذه الذهول - لا قضى الله ولا قدر - فان الجو سيخلو للشيوعية لتعيش في الأرض الفساد ولترجع بالإنسانية إلى العهود المظلمة التي خلفتها وراءها منذ مئات القرون .. وهذه الثورة المصرية هداها الله وألزمها الصواب تعمل جاهدة لتسيير العرب في الركب المهيض الخاسر - ركب القومية العربية - وهي تتآمر عن غير وعي منها مع الشيوعية الدولية في انقلابات عسكريات تحقق مطامحها هي المؤقتة في السيطرة على العرب وتحقق مطامع الشيوعية العتيدة في اغتيال حريات البشرية بما في ذلك المصريين أنفسهم.

الحياد الإيجابي:


هذا مثل واحد من أمثال التضليل (المفلسف الذي) تقوم به الثورة المصرية لمصلحة الشيوعية الدولية .. وهناك مثل آخر وهو دعوة الحياد الإيجابي الذي تتمّدح به الثورة المصرية في كل مناسبة داخلية أو خارجية مع أنها ليست محايدة وليست إيجابية .. هي ليست محايدة لأنها تسير في ركب الشيوعية وتعتمد عليها في الدفاع عن نفسها أمام العداوات الكثيرة التي صنعتها بيديها . وهي ليست إيجابية لأنها تضرب ذات اليمين وذات الشمال بغير فلسفة ولا مذهبية وقد رأينا ذلك في جميع تصرفاتها . وليس هناك تلبيس على العقول وتضليل للأفكار أبلغ من تزييف الحقائق وتسمية الأشياء بغير أسمائها.
وليس بصالح عندنا في الدفاع عن سياسة الثورة المصرية اجترار العبارات التقليدية كمحاربة الاستعمار مثلا ، ذلك بأن الثورة لا تعرف الاستعمار إلا على انه غربي مع ان أقل الناس ذكاء يدرك أن الغرب مستعمر وأن الشيوعية مستعمرة مع فارق في ذلك كبير ، فالاستعمار الغربي أسلوب عتيق مكشوف قد خلفه الزمن وتفطنت لألاعيبه الشعوب وهزمه سير التطور وأما الاستعمار الشيوعي فأسلوب محدث معمى لا تدركه إلا عقول المثقفين لأنه يقوم على مذهبية منظمة يجهلها جل الناس جهلا تاما وقد طوع الجهل به للشعوب أن تأوي إلى كنفه وتحتمي به من الاستعمار الغربي وهي لا تدري أنها إنما تستجير من الرمضاء بالنار.
أما بعد فهذا قليل من كثير يمكن أن نسوقه إليك أيها الأخ الفاضل وهو قول لم نرد به إلى إحراجك ولا إلى إعناتك وإنما أردنا به إلى خيرك وخيرنا وخير الإنسانية جميعها ثم اننا مازلنا نرى رأينا الأول في كتابنا الذي شيعناه لكم في أغسطس سنة 1952 وذلك حيث قلنا (وأنت لن تصلح مصر أو تدفع عنها الفساد إلا إذا رددتها إلى أصول الأخلاق حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيبا) ونحب أن نحذرك من التورط في خطأ كبير تورط فيه كثير من المفكرين الاجتماعيين وهو اعتبار الرخاء المادي بالتوسع الزراعي والصناعي بديلا عن الحرية الفردية .. ويطيب لنا أن نؤكد لك أنه ليس لك من سبيل إلا سبيل الإسلام ثم إنا نرجو أن نقترح عليك الآتي :-

    1) أن تترك التدخل في شئون البلاد العربية - التدخل بجميع صوره - الإذاعة والصحف والرشوة - وذلك لأنه ليس لديك ما تعطيه أيا من هذه الدول وما تزيدها بتدخلك في شئونها غير تخسير.
    2) أن تنفض يدك فورا من الدعوة الباطلة - دعوة القومية العربية - وأن ترجع بشعبك إلى الإسلام رجوعا واعيا وأن تحاول بعث المعاني الإنسانية الرفيعة التي يذخر بها القرآن وأن تصلح بها قومك أولا وهذا ما عنيناه برد قومك إلى أصول الأخلاق حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيبا.
    3) أن تصحح رأيك في الحياد الإيجابي … فانك لن تستطيع الحياد إذا أسرفت في عداوة فريق من الفريقين ، فان الإسراف لا يورث الاعتدال . فأنت لا تجني من الشوك العنب .. وانك لن تستطيع أن تكون (إيجابيا) في حيادك إلا إذا كنت تمتلك الفلسفة الإيجابية وما نرى لك من فلسفة بازاء الرأسمالية والشيوعية غير الإسلام.
    4) فإذا ما أرحت الدول العربية من تدخلك في شئونها ومن دجل دعوة القومية العربية فسيكون على كل دولة عربية داخل حدودها - ولا يعني هذا عدم التعاون المتكافل - إن تبعث الإسلام من جديد وأن تطبق مذهبيته التي تحقق التوفيق بين الاشتراكية والديمقراطية أي بين العدالة الاجتماعية والحرية الفردية فإذا ما استطاعت أي من الدول العربية أن تخلق من نفسها نموذجا صالحا للدولة الإسلامية التي تحل مشاكل سكانها على هدى أهدى من الشيوعية ومن الديمقراطية الرأسمالية فان الدول العربية ستحذو حذوها وسيتم اتحاد العرب تحت راية القرآن وسيكونون باتحادهم ومذهبيتهم الكتلة الثالثة التي تنهض بين الشيوعية والرأسمالية وسيقلد نموذجهم سائر دول العالم وهكذا ينفضون من حول الشيوعية والرأسمالية وتقوم الحكومة الفدرالية العالمية على مذهبية تتمم النقص في الشيوعية والرأسمالية وذلك بتحقيق التوفيق بين العدالة الاجتماعية والحرية الفردية وهكذا يحل في الأرض السلام والرخاء.
    5) ريثما تبرز الكتلة الثالثة في الحيز العملي لابد من فترة من السلام وليس في طوق الإنسانية في عهدها الحاضر تحقيق سلام غير هذا السلام المحموم غير الطبيعي الذي يقوم على توازن القوى ولذلك فلابد من اجتناب أي عمل يخل هذا التوازن حتى ولو كان عائدا ببعض الكسب المحلي على الدولة التي تمارسه .

هذا ما اتسع الوقت لتوجيهه إليك وإنا لنرجو لنا ولك من الله التوفيق والهداية.

((الحزب الجمهوري - الخرطوم))