وثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد .. وإنما هي تقع في مرحلتين .. نفذت منهما المرحلة الأولى ، ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها .. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية ، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير ، وكراهية الفساد ، ولكنها لم تكن تملك ، مع إرادة التغيير ، فكرة التغيير ، حتى تستطيع أن تبني الصلاح ، بعد إزالة الفساد .. من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد ، وأمكن للأحزاب السلفية أن تفرق الشعب ، وأن تضلل سعيه ، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد ، مع مضي الزمن .

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)


الحزب الجمهوري يرسل
خطابا لجمال عبد الناصر

الشيوعية الدولية - إضعاف الغرب

ولقد جاز تضليل الشيوعية الدولية على كثير من قادة الشرق وما مؤتمر باندونق الذي عقد بأندونيسيا وضم زعماء الدول الآسيوية والأفريقية وتبنى شعارات الشيوعية الدولية إلا مثل واضح لهذا التضليل . ثم تلاه تضليل آخر أمعن في الغباء والغفلة من سابقه .. وذلك في مؤتمر الشعوب الآسيوية والأفريقية الذي عقد بالقاهرة في أواخر العام المنصرم واشتركت فيه روسيا الشيوعية وتبنى شعارات الشيوعية الدولية مثل "محاربة الأحلاف العسكرية" وما إليها ثم لم يتورع من التحدث عن الحياد بين الكتلتين الشرقية والغربية أي بين روسيا وأمريكا .. ولكن هذا التضليل قد جاز على الثورة المصرية أضعاف ما جاز على غيرها حتى لقد أصبحت الشيوعية الدولية مختفية وراء مطامع الثورة ومطامحها اختفاء تاما تستخدمها في تضليل العرب وفي إضعاف الغرب وذلك يخدم أغراض الشيوعية الدولية من وجهين:

1) إضعاف الغرب


إن الشيوعية مذهبية ذات مطمح عالمي ولا يحول بينها وبين بسط سلطانها على
العالم غير مناهضة الدول الغربية لها وهي تسعى جاهدة لبسط سلطانها على هذا الكوكب الذي نعيش فيه بكل الأساليب ومع أن أسلوبها التقليدي والأساسي هو الثورة والعنف والحرب إلا أنها لا ترى في الوقت الحاضر أن الحرب مأمونة العواقب مضمونة النتائج وذلك لتوازن القوى القائم بينها وبين الدول الغربية وهي لذلك تقسم برنامجها لغزو العالم وإخضاعه إلى مرحلتين … فأما المرحلة الأولى فغرضها إخلال توازن القوى وترجيح كفتها هي على كفة الدول الغربية وأما المرحلة الثانية فغرضها إنهاء العمل بتنفيذ المؤامرة الكبرى المدبرة لاغتيال حرية البشرية وهي تبدأ حين يصبح ، بفضل نجاح المرحلة الأولى ، واضحا جليا أن المغامرة المسلحة ضد الدول الغربية ستنتهي بهزيمة الغرب من غير أن تخرج الشيوعية الدولية منها محطمة تحطيما يعجزها عن الإنتشاء بنتائج النصر..
وما المرحلة الأولى لإخلال التوازن إلا (الحرب الباردة) وسلاحها الدجل والخداع وتضليل الشعوب واستغلال عواطفها نحو السلام وخوفها من الحروب وإلا الإرجاف وتشويه الحقائق ورشوة الكتاب والعلماء أو إرهابهم وشراء الصحف والسيطرة على المطابع وتبني التكتلات الإقليمية وإطارة الشعارات البراقة المحبوكة المسبوكة التي تخدع السطحيين المتحذلقين أنصاف المثقفين فيظنون أنهم حين يرددون هذه العبارات في الكتابة وفي النقاش إنما يدخلون في زمرة المثقفين المفكرين الأحرار هكذا يستعيضون عن التفكير السليم الحر الذي يعوزهم بالعبارات الجوفاء التي يأخذونها تلقينا ممن يظنونهم سادتهم وأساتذتهم ويظلون يرددونها في الصحف والأحاديث حتى تشيع بين طبقات الشعب وتعمل عملها في التضليل المنظم.

الأحلاف العسكرية


ومن هذه الشعارات الخادعة الجوفاء (محاربة الأحلاف العسكرية) ونحن نذكرها هنا على سبيل المثال لأنها وثيقة الصلة بما نحن بصدده من انحراف الثورة المصرية.. فما هي الأحلاف العسكرية وما سبب اهتمام الشيوعية الدولية بمحاربتها؟؟
الأحلاف العسكرية أحلاف دفاعية أقامتها الدول الغربية في نطاق مضروب حول الشيوعية الدولية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي مثل حلف شمال الأطلسي وحلف بغداد وحلف جنوب شرقي آسيا . والغرض منها تطويق الشيوعية الدولية ومنعها من الزحف والتوسع وتذكيرها على الدوام بأنها ان أقدمت على صراع مسلح فإنها لا تضمن عواقبه واضطرارها إلى قصر نشاطها العدواني ضد الإنسانية جميعها على الحرب الباردة .. وتشترك في هذه الأحلاف مع الدول الغربية دول تقوم على خط النار وتهددها الشيوعية الدولية تهديدا مباشرا كالباكستان وايران وتركيا والعراق مثلا وغرضها من ذلك حماية نفسها من الشيوعية والحيلولة دون المؤامرة الكبرى التي تدبرها لاغتيال حرية الإنسانية جميعها .. وواضح من ثم اهتمام الشيوعية الدولية بتجنيد كل مكرها لمحاربة الأحلاف العسكرية لأنها تضايقها وتعوق زحفها ولأنها تقف بينها وبين بسط نفوذها على العالم ولأنها تهددها باستمرار ولأنها تمنعها من إخلال توازن القوى الذي تكرس له اهتماما بالغا في المرحلة الأولى من مراحل غزو العالم كما أسلفنا القول .. ولقد نجحت الشيوعية الدولية في استخدام مؤتمر باندونق ومؤتمر الشعوب الآسيوية الأفريقية في التشهير بالأحلاف العسكرية وتشويهها وتبغيضها إلى الشعوب وفي دمغ العاملين اليها من الساسة بالخيانة والمروق مما أخاف منها وأضعف الإتجاه إليها..
ولكن الشيوعية نالت نجاحا أكبر باستخدام الثورة المصرية في تحطيم حلف بغداد تحطيما يكاد يكون تاما ، وحلف بغداد أهم حلقة في سلسلة الأحلاف التي تطوق الشيوعية وتوقف زحفها وبتحطيمه يتم توهين السلسلة كلها وتفتح ثغرة في الدرع الواقي للشرق الأوسط من تسلل الشيوعية وإفسادها ولا تحتاج أهمية الشرق الأوسط الى توكيد..
ثم قل لنا بربك أليس من الغفلة وأفن الرأي أن نهاجم نحن في مصر أو في السودان بلدا كالباكستان مثلا لدخولها في حلف بغداد وهي تعيش بين عداوتين : الشيوعية من الشمال والهند من الجنوب ؟ أليس معنى خروجها من حلف بغداد خضوعها للضغط الشيوعي والضغط الهندي ؟؟ وما يقال عن الباكستان يقال عن رصيفاتها ايران والعراق وتركيا على تفاوت في ذلك طفيف . ومن من الناس ينسى اعتداء روسيا عقب الحرب الأخيرة على المقاطعة الشمالية من ايران ثم لم تخرج منها إلا بعد تهديد الدول الغربية باستخدام القوة ضدها؟
إن هذه الدول وساستها الذين يصمدون أمام زحف الشيوعية الدولية ويضطرون في سبيل ذلك إلى التعاون مع الغرب اضطرارا لا اختيارا على قاعدة تفضيل أخف الضررين والذين تصفهم أنت ورجالك وإذاعتك وصحافتك بالخيانة والمروق والتبعية للغرب وتحرض عليهم شعوبهم التي أخذت بنصيبك الوافر في تضليلها . ان هؤلاء الساسة يا سيدي يعرفون عن حقائق الصراع العالمي أكثر مما تعرف ويملكون من الشجاعة ما لا تملك ولقد استشهد منهم من استشهد وستلقى الله وفي يديك من دمائهم أغلال وسينصفهم التاريخ ويخلد استقالتهم واستشهادهم في سبيل الحق وفي مقاومة الفساد والدجل .. ولئن ذكر التاريخ ضغطهم على شعوبهم وكبتهم لها فسيذكر أنك كنت السبب بإثارتك لتلك الشعوب وتضليلك إياها وتحريضها على الثورة بحكامها والإنتفاض عليهم.
وأنا زعيم بأن التاريخ لن ينسى موقفا لفاضل الجمالي بمؤتمر باندونق حاول أن يذكر فيه المؤتمرين حين ورد ذكر الاستعمار في الأجندة بأن هناك استعمارين : استعمارا غربيا واستعمارا شيوعيا فانبرى له نهرو واتهمه بأنه لم يجئ للمؤتمر إلا ليخدم أغراض أسياده الإنجليز تلك الأغراض التي يرى نهرو كما ترى أنت أن حكومة نوري السعيد كانت توظف نفسها لخدمتها وكذلك ضاعت صيحة الحق في خضم الباطل.
كما قلنا فقد استخدمت الشيوعية الدولية ولا تزال تستخدم الثورة المصرية لتبلغ بالمرحلة الأولى - مرحلة الحرب الباردة - غايتها وهي إخلال توازن القوى وقد أحرزت منذ تأميم قناة السويس والى اليوم نجاحا كبيرا في هذا المضمار وإذا اطردت الأمور على هذا النحو الذي نرى اليوم فان كفة الشيوعية الدولية سترجح بكفة الديمقراطية الغربية وسيجئ عند ذلك دور المرحلة الثانية من مراحل الغزو العالمي الذي تبيته الشيوعية الدولية وهذه المرحلة الثانية كما أسلفنا القول هي مرحلة "الحرب الساخنة" وستثير الشيوعية بها حربا طاحنة تهزم فيها الدول الغربية وتصبح سيدة العالم - لا قضى الله ولا قدر - ويومها ستفقد مصر قناتها ونفسها كما قلنا آنفا وستكون بعملها غير المسئول في الوقت الحاضر شؤما لا على العرب وحدهم وإنما على الإنسانية جمعاء ثم إن قادة الشيوعية يومئذ لن ينظروا في وجه جمال عبد الناصر نفسه مرتين.
هذا ما كان من استخدام الشيوعية الدولية للثورة المصرية في إضعاف الدول الغربية أما استخدامها إياها في تضليل العرب فذلك أنكى وأمر وسنرى .