ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




حقوق المرأة في:-
١) الدين ٢) الشريعة ٣) الفقه

تطوير شريعة الاحوال الشخصية هو الحل!!

تطوير شريعة الاحوال الشخصية هو الحل!!


إن الحل الوحيد، الذي ليس دونه حل لقضية المرأة، والذي تجد فيه المرأة كل عزتها، وكرامتها، يكون في تطوير التشريع الإسلامي.. والتطوير يعنى أن ننتقل من نص، في القرآن، كان معمولا به في القرن السابع، لأنه كان مناسبا لحالة ذلك المجتمع فنظمه على قدر طاقته، وعلى قدر حاجته.. ننتقل الى نص في القرآن، لم يقم عليه التشريع، لأنه كان أكبر من حاجة المجتمع، وأكبر من طاقته أيضا.. ولكنه على قدر حاجة، وطاقة، مجتمع القرن العشرين..
والسبب في هذه المطالبة لتطوير التشريع، هو أن هذا المجتمع – مجتمع القرن العشرين – قد تطور تطورا هائلا، في فترة الأربعة عشر قرنا، منذ نزول القرآن والى يومنا هذا.. هناك تطور كبير في المجتمع كله، وفى وضع المرأة بصورة خاصة.. فالمرأة التي كانت قليلة التجربة، والخبرة بالحياة من حولها، والتى ينفق الرجل عليها، ويحميها، أصبحت، اليوم، مساوية للرجل، من حيث أداء الواجبات.. هي قد خرجت، وشاركت المجتمع في كل نشاطاته، فصارت قاضية، ومهندسة، وطبيبة، ووزيرة.. ومن هنا، فإن إدراكها للحياة من حولها قد أصبح كإدراك الرجل له.. بإختصار شديد، المرأة عندنا الآن تقوم بنفس الواجبات التي يقوم بها الرجل نحو المجتمع، ولذلك فمن الظلم الذي يأباه الله أن نطبق على هذه المرأة، نفس القوانين التي طبقت على المرأة في القرن السابع.. فإننا بهذا الصنيع كأنما نقول إن المجتمع، وبعد مرور أربعة عشر قرنا، لم يحدث فيه أى تطور.. وهذا ما يأباه الدين، ويرفضه الواقع المعاش..
وتطوير التشريع هذا، هو ما جاء به الأستاذ محمود محمد طه، وما ظللنا ندعو له نحن الجمهوريين باستمرار.. وتطوير وضع المرأة، هو شغلنا الشاغل.. نحن ندعو المجتمع كله، والمرأة بصورة خاصة، ان تطالب بالرجوع للأخذ من أصول القرآن، من الآيات المكية، التي كانت منسوخة بالآيات المدنية... لان الآيات المكية هي التي يرضاها الله لنا الآن ولا يرضى لنا سواها.. لان مرضاته انما هي في تكريم الانسان، واعزازه، وتحريره، وفى هذه الآيات نجد كل الكرامة والعزة، والحرية للرجال وللنساء على سواء.. لكن مجتمع القرن السابع لم يستطعها، ولذلك فقد نسخت في حقه.. والغرض من هذا النسخ تأخير العمل بها الى ان يجئ المجتمع الذي يحتاج اليها، ويطيقها، فيطبقها.. وقد جاء الآن، في تقديرنا، وهذا ما من أجله ندعو لما ندعو اليه.. فالسبب في الدعوة الى هذا التطوير، اذن، ان وضع المرأة عندنا قد تغير من مستوى القصور الذي كان عليه، الى مستوى هي فيه رشيدة.. ومن هنا، وجب أن يقوم القانون على تقرير مبدأ المسئولية.. فالمرأة مسئولة أمام القانون، كما الرجل مسئول.. وعندنا، في الدين، ان المرأة مسئولة مسئولية تامة أمام الله.. فلا يقوم بتحمل هذه المسئولية عنها ابوها، أو أخوها، أو زوجها.. ولكنها، في الشريعة، ناقصة المسئولية، لقيام وصاية الرجل عليها.. ولذلك فإننا ندعو أن يتطور القانون من مستوى الوصاية، الى مستوى المسئولية.. فتكون، في هذا القانون، المرأة مسئولة أمام المجتمع، كالرجل تماما.. وتقوم الآية ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة)) وهذه الآية تعنى أنه كلما تطورت المرأة في المجتمع، واصبحت تقوم بواجبات كثيرة، وجب على المجتمع أن يعطيها حقوقا مساوية لواجباتها هذه.. الحقوق مساوية للواجبات.. ((وللرجال عليهن درجة)) ينبغي ألا تفهم أن لكل رجل درجة على أية امرأة.. فإن هذا الفهم يرفضه العقل، ويكذبه الواقع المعاش.. فإن كثيرا من النساء، أفضل من كثير من الرجال. ويجب أن لا تفهم هذه الدرجة على أنها تمييز أمام القانون وانما هي تعنى أن في قمة تطور هرم الكمال البشرى رجلا، تليه زوجته، يليها بعد ذلك عدد من النساء والرجال يتفاوتون في درجات القرب من الله..
وعلى هذه الآية يجب أن تنبني جميع القوانين الأخرى.. فالمرأة في هذا المستوى، تكون حرة في اختيار زوجها، ولها حق الطلاق بالأصالة، كما لزوجها، متى ما رأت أن الحياة بينهما قد استحالت.. وفى هذا القانون، فكما أن المرأة كلها تكون لزوجها فانه يكون كله لها، بلا تعدد زوجات عليها.. قال تعالى ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة)) وقال في آية أخرى ((ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)).. ومن هنا يتضح لنا أن مراد الله في أصل الدين، هو المرأة الواحدة للرجل الواحد.. لأنه قد قرر أن الرجل لا يمكنه العدل بين النساء ولو حرص على ذلك.. هذا بالاضافة الى أن العدل المادي الذي، الى جانب أسباب أخرى، قد أباح التعدد في الماضي قد تغيرت صورته للعدل المعنوي.. فالعدل في القرن السابع فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل المادي – في الكساء والسكن والغذاء وما الى ذلك.. وفى ذلك فقد قال المعصوم (اللهم هذا عدلي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك) هذا العدل المادي قد تغير في مجتمعنا الحاضر الى العدل المعنوي، لأن المرأة في هذا المجتمع، أصبحت، وهي تصبح، كل صبح جديد، قادرة على الانفاق على نفسها ولذلك فإنها تطالب بالعدل في ميل القلوب.. وهذا ما لا يستطيعه أحد بين أثنين (فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملك). ومن هنا وجب أن يكون الزوج كله لزوجته كلها، من غير أن تشاركها فيه زوجة أخرى..
فالمرأة في هذا القانون، تكون مكافئة لزوجها تماما.. ولذلك فهو لا يدفع مهرا عليها، لأن المهر انما يمثل عهد هوان المرأة، وقصورها عندما كان الرجل قيم عليها.. فهو يمثل طرفا من إنفاق الرجل عليها، والانفاق سبب من أسباب القوامة.. والمهر زيادة على هذا، انما يمثل ثمن شراء المرأة، عندما كانت تزوج عن طريق السبي، أو الخطف، أو الشراء.. ولذلك فالمرأة، في هذا التشريع كريمة، وليس لها ثمن مادي يمكن أن يدفع عليها، لأنها لا تقيّم بثمن.. فهى مساوية للرجل، ومهرها رجلها، كما سلفت الاشارة، فإنه قد قيل إن زوجها لها كما هي كلها له..
وبالغائنا للمهر المادى هذا، فإننا نكون قد دخلنا في الدين أكثر، وتخلقنا بأخلاق النبي الكريم لأنه قد رغب في المهر القليل، وفى بعض عقوداته جعل المهر مهرا معنويا، فزوج لبعض أصحابه بآيات من القرآن.. وتزوج هو من دون مهر، السيدة صفية، وجعل مهرها عتقها.. ومن هنا يظهر لنا أن الحرية يمكن أن تكون مهرا للمرأة.. وهي على التحقيق أغلى مهرا لها.. وهذا ماندعو له نحن – حرية المرأة وكرامتها هي المهر الوحيد للمرأة..