وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

وحدة البنية البشرية


إن القلوب حرم آمن من الخوف لأنها بيت الله، وقد أسلفنا في ذلك القول، ونحب أن نقول أن هذا ينطبق على جميع القلوب، حتى قلب المادة غير العضوية وهي ما نسميها اصطلاحا ((ميتة))..
وعن سلامة القلوب في أصل التكوين قال المعصوم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه))..
وفي ذلك قال تعالى عن اليهود: ((وقالوا قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم، فقليلا ما يؤمنون)) وقال عنهم أيضا: ((فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف.. بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا)) .. قال هناك ((فقليلا ما يؤمنون)) وقال هنا ((فلا يؤمنون إلا قليلا)) وذلك أن الكافر لا يكون بغير إيمان إطلاقا، فإن في قلبه الحقيقة - في عقله الباطن الحقيقة- ولكن بينها وبين عقله الواعي حجب كثيفة وهذه الحجب هي التي عبر عنها، تبارك وتعالى، حين قال: ((كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا، إنهم عن ربهم، يومئذ، لمحجوبون)) والرين هو الصدأ والدنس والطبع.. وذلك كله قد كان بسبب الكبت الذي جرى منذ نشأة المجتمع البشري، والذي لا يزال يجري، وهو قد قام في ظل الأوهام، والخرافات، والأباطيل، التي صحبت علمنا بالله، وبحقائق الأشياء، وبما يكون عليه الواجب علينا نحو أنفسنا، ونحو الله، ونحو الجماعة.. وهذه هي المرحلة التي أسميناها مرحلة الجسد والعقل المتنازعين، والتي ستعقبها، بعون الله وبتوفيقه، مرحلة الجسد والعقل المتسقين..
ولما كانت القلوب، في سويداواتها، قد جعلها الله حرما آمنا فإن منطقة الكبت لا تقع فيها، وإنما تقع في ((الخرطوم))، في ((المقرن)) في ((البرزخ)) الذي يقوم عند مجمع بحري العقل الواعي، والعقل الباطن.. قال تعالى في ذلك، ((مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان)).. وهذا ((الخرطوم)) هو موطن الإنسان في الإنسان - هو موطن الإنسان الكامل، في الإنسان الذي هو مشروعه المستمر التكوين- وكما أن طريق التكوين، والتطوير، لولبي، فكذلك الكبت فإنه لولبي.. هو لولب يدور حول مركز..
والإنسان الكامل يجيء من التقاء موسى العقل، بخضر القلب على شرط أن يجد موسى مع الخضر الصبر، والثبات.. ولقد قص الله علينا عن موسى الشريعة، وخضر الحقيقة، حيث لم يستطع موسى مع الخضر صبرا: ((وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، أو أمضي حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت!! وما أنسانيه إلا الشيطان، أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر.. عجبا!! * قال ذلك ما كنا نبغ، فارتدا على آثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنا، آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني، مما علمت رشدا؟ * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟)) ولم يصبر موسى.. وإنما هو لم يصبر لأنه صاحب شريعة، وكان على الحق غيورا.. ولو قد عمل بشريعته هذه حتى بلغ حقيقة كحقيقة الخضر لصبر معه.. والمحاولة هنا، عندنا نحن، هي أن تقوى، بالعبادة، عقولنا حتى تساير، في المطالع، قلوبنا، من غير أن تزعجها، أو أن تعجلها، فنعيش مستنيرين، ومنورين، في أفقي مشارقنا، ومغاربنا، بقمر شريعتنا، وشمس حقيقتنا، والمسافة بينهما محفوظة، في غير إخلال: ((لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار.. وكل في فلك يسبحون)).
ومنطقة الكبت، في صدر كل منا، عبارة عن سجن رهيب.. أشد رهبة من سجن ((الباستيل)) المشهور.. وهو سجن مظلم، لا يصل إليه النور، ولا الهواء.. وقل أن تصل إليه، من الخارج، الأصوات.. وقد زج في هذا السجن بأبرياء، ومظاليم، وأحرار، بغير محاكمة وقام على أبوابه سجانون عتاة، أشداء، أرهبوا السجناء، وأذلوهم، واضطروهم إلى الطاعة، ففقدوا الحرية، وفقد بعضهم الحركة.. ولكنهم لا يزالون، جميعهم، أحياء يتطلعون ليوم الإنعتاق، وأمامهم إحدى خطتين: إما أن يثوروا بالسجانين والحراس، ويقتحموا أبواب السجن، فتسيل بهم الشوارع سيلا بشريا مجتاحا، أو أن يجدوا العدل منا، والإنصاف، والتفهم العميق.. وفي سبيل هذا التفهم برزت في أروبا، وفي أمريكا، أساليب من الحياة، والفكر، كأساليب ((الهيبيز)) وأساليب ((اللامعقول))، ولكنها أساليب تدل على الحيرة، وعلى القلق، وعلى الجهل بأصل المشكلة.. ومع ذلك فإنها تملك فضيلة الاعتراف بهذه المأساة، في حياتنا، التي تحاول الكثرة الغالبة تجاهلها.. ومن أجل ذلك فإنا لا نعتبر حركات الشباب، التي تتجه اتجاه ((الهيبيز)) علامة مرض، وإنما هي عندنا علامة صحة.. وهذا هو الذي جعلنا نجزم بأنا نعيش الآن في أخريات أيام مرحلة التطور العضوي - العقلي..
ومن أجل تفهم هذه المأساة لا بد من تعمق أصولها، وهي أصول بدأت منذ فجر العقل البشري.. وقد كان الخوف، والجهل مسيطرين على قضاة وسجاني هؤلاء البؤساء.. ونحن لا نستطيع أن نعيد الحرية لهؤلاء المظاليم إلا إذا كنا، قضاة وسجانين، متحررين من الخوف، ومتحررين من الجهل.. ولا يحررنا من كل أولئك إلا العلم بالأشياء على ما هي عليه في الحقيقة.. وأول ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الناس قد خلقوا ليكونوا أحرارا.. ولا يذهلننا عن هذه الحقيقة كون الناس قد خلقوا ضعافا.. فإن هذه مرحلة، وهم، في هذه المرحلة، قد باعوا حريتهم، وقد أنى لهم الآن أن يستردوها بالعمل الجماعي، وبالعمل الفردي..
وأول ما يمكن أن يقدمه لنا العمل الجماعي تنظيم الجماعة وفق قانون العدل، بدلا من قانون الغابة، حتى نحارب الخوف فلا نضطر إلى زيادة السجناء ((الكبت)) بغير موجب.. وقانون العدل يقول أنه ليس هناك قوي، وضعيف، وإنما هناك محق ومبطل.. والمحق يصله حقه وإن كان عاجزا، والمبطل ينال منه سلطان العدل، وإن كان متجبرا كفارا..
ومن أجل محاربة الخوف فإن قانون العدل يقول: إن الناس أشراك في خيرات الأرض، وأشراك في تولي السلطة - الاشتراكية والديمقراطية- وفي بنتهما - العدالة الاجتماعية-
وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة.. وستجدون هذا مفصلا في هذا الكتاب الذي نعيد تقديمه إليكم بهذه المقدمة الطويلة، المستفيضة..
إن التحلي ((بأدب الوقت)) يوصل إلى ذات الله، ويوصل بفضل الله، إلى توحيد الذات البشرية، وذلك بحل العقد النفسية التي قسمت شخصيتنا، وأورثتنا الشذوذ في جميع صوره، وجميع مستوياته.. وهو أيضا - التحلي ((بأدب الوقت)) - يفتتح العهد الجديد- عهد المرحلة الرابعة من مراحل نشأة الإنسان - وهي مرحلة التطور العقلي الصرف، الذي تحدثنا عنه آنفا، ووعدنا بالعودة إليه.. بيد أنا لا نملك في هذا المقام في أمره تطويلا.. وإنما نكتفي بما ورد في شأنه في مقامه من هذه المقدمة..

خاتمــة:


أما بعد فإن هذه المقدمة قد استفاضت، وكان همي دائما، وأنا أسير في شعابها، كفكفة أطرافها.. ولكن موضوعها طويل بطبعه، وسنفرد له مؤلفا مستقلا باسم ((الاسلام علم نفس)) وبالله التوفيق.. وعليه التكلان..
ومهما يكن من الأمر، فإن الله، تبارك وتعالى، قد أظفرنا من هذه المقدمة بما نريد.. وإني لأرجو أن ينفع الله بها الناس، فيقبلوا على قراءة ((رسالة الصلاة)) وهم ينتظرون من وراء صلاتهم، فائدة حاضرة، وعاجلة، فإن آجلا لا يبدأ عاجله اليوم ليس بمرجو..