وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

العقل الواعي، وكيف نشأ؟


نشأ العقل الواعي على مرحلتين: مرحلة قانون الغابة، ومرحلة قانون العدل..
فأما مرحلة قانون الغابة فقد تحدثنا عن طرف منها في حديثنا عن الخوف، وسنكتفي بما قد جرى ذكره.. لا سيما وأن هذه المقدمة قد طالت، وهي، على كل حال، ليست مكانا للاستقصاء والتفصيل..
وأما مرحلة قانون العدل فإنها تؤرخ بدء العقل البشري، وبدء المجتمع البشري.. وبدء الدين.. وبدء العرف الذي هو أصل القوانين جميعها..
لقد قلنا أن الله تبارك وتعالى قد جعل سلالة الإنسان وسطا، فهو لم يجعله قويا يستغني عن الحيلة بقوة عضلاته في حل مشاكله، وهو لم يجعله ضعيفا، رخوا، لا ينهض لأي من أعدائه وقلنا أنه، تبارك وتعالى، بهذه الحكمة، الحكيمة، قد هداه طريق ((الفكر والعمل)) معا.. فهو يفكر، وينفذ، وبذلك أصبح طريق تطوره يختلف، في ظاهره، عن طريق تطور الحيوانات، والحشرات الأخرى.. وهو، في مراحله الباكرة، قد اهتدى إلى الدين، وإلى المجتمع، وهذان أمران ليس هناك ما هو أعظم منهما نفعا.. وقد اتفق لنا أن تحدثنا عن نشأة المجتمع، في كتابنا: ((الرسالة الثانية من الإسلام)) فليراجعه من شاء من القراء الكرام..
وفي مرحلة قانون الغابة كان الخوف مسيطرا على المسرح، سيطرة تامة.. فليس هناك غير الصيد والصياد.. والصياد نفسه هو صيد لصياد أكبر منه.. وقد رسخت هذه الفترة الخوف في نفس الإنسان، واضطرته ليبحث عن الأمان في الكثرة التي من فصيلته، والتي من فصيلة الحيوانات المستضعفة التي تكون، في الغالب الأعم، فريسة لذوات المخالب الحمر، والأنياب الزرق.. وكذلك أنشأ المجتمع، وألف الحيوان الأليف.. وقد اقتضت معيشته في الجماعة أن يتنازل، طائعا، أو مكرها، عن قسط كبير من حريته.. ذلك بأنك لا تستطيع أن تعيش في أية جماعة بشرية بغير أن تراعي حدودا معينة، تقيد تصرفاتك بفعل ما لا ينضر به الآخرون.. ومن هذه الحدود المعينة نشأ القانون فيما بعد.. وأغلب الظن أن أول هذه الحدود انصب على تنظيم الغريزة الجنسية.. ذلك بأن الغيرة الجنسية أمر مشترك بين الحيوان والإنسان.. وقل أن تجد حيوانا، أو طائرا، لا يغار على أنثاه.. وقد دخلت هذه الصفة الحميدة مع الإنسان عهد كرامته الجديد..
ونعتقد أن ثاني هذه الحدود انصب على رعاية الملكية الخاصة، وحمايتها..
وبفضل حماية الزوجة، وحماية الملكية الخاصة، أصبح المجتمع البشري ممكنا..
ولم يكن الأمر بهذا اليسر.. فقد كان من أصعب الأشياء على الإنسان البدائي أن يقيد نفسه، ويسيطر على نزواته.. وكان من أصعب الأشياء، أيضا، على المجتمع أن ينفذ العقوبة على المخالف لقواعد السلوك، وللعرف الذي درجت الأجيال على رعايته..
ونشأت فكرة الآلهة، وفكرة الدين، في مطلع هذه المرحلة.. ومع فكرة الدين نشأت العقيدة في الحياة الأخرى، بصورة من الصور، وما يجري فيها من خوف، أو أمن، ينبني على فعل الخير - رعاية العرف- أو فعل الشر - مخالفة العرف- في هذه الحياة..
ووصفت الآلهة بكل الصفات التي تجعلها رهيبة، وتجعلها قادرة، وتجعلها مطلعة على أفعال الإنسان .. وقسمت إلى من يصادق، ويعين، ويرعى من يفعل الخير، فيطعمه من جوع، ويؤمنه من الخوف.. وإلى من يستحوذ على من يفعل الشر، فيخذله، ويسلمه إلى متاهات الظلام المخوف..
وكانت عقوبات القتل الذريع توقع على أقل مخالفة من مخالفات العرف المرعي، ولم يكن الفرد مهماً في بدء المجتمع، وإنما كانت الأهمية، كلها، للمجتمع.. وذلك، في وقته، قد كان أمرا حكيما، غاية الحكمة، لأمرين، أولهما: أن المجتمع، يومئذ، قد كان ناشئا، وحديثا، فهو قد كان في أشد الحاجة إلى تمام الرعاية لقواعد نشأته.. وثانيهما: أن الفرد البشري قد كان حيواني النزعة، غليظا كثيفا، يحتاج العنف العنيف، لتقوى سيطرته على نزواته، وبدواته..
فكأن العرف الأول، بغير تدبير واع من آباء الأسر - وهم قد كانوا نواة الحكومة الأولى- قد حكيما، موزوناً، يرعى مصلحة الفرد، ويرعى مصلحة الجماعة، في آن معا.. وفي هذا تظهر حكمة الحكيم الذي سير الحياة في العهود السحيقة، من بؤرة هوانها، وذلها، إلى منازل شرفها، وعزها..
وقد كان الفرد البشري، حتى في هذه المرحلة، يعيش وسط الخوف.. بيد أن أمرا هاما قد طرأ على حياته، وهو أنه قد أصبح يستطيع أن يعيش في أمن، بالقدر الذي يتفق مع تلك الفترة الرهيبة، إذا ما أخلص للجماعة، واجتنب مخالفة العرف الذي ترعاه.. ليس فقط يعيش في أمن.. بل إنه لينعم بصداقة الآلهة، وصداقة الأرواح الخيرة، التي ترف بأجنحتها عليه، وصداقة الخيرين من أبناء، وبنات، الأسر التي تكون الجماعة..
وهكذا، بدافع من الرهبة والرغبة، أخذ يبرز الذكاء الذي يميز بين ما يليق، وما لا يليق، وأخذت تبرز الإرادة التي تروض الشهوة الفطرية، لتسوقها في طريق الواجب.. وذلك برفض اللذة العاجلة، إيثاراً للذة الآجلة، التي قد تكون في كنف الآلهة، في هذه الحياة، أو في الحياة المقبلة بعد الموت، أو قد تكون في رضا الجماعة، وتقديرها، وثنائها المستطاب..
فمن الاحتكاك بين اللذة الحاضرة، والواجب المرعي برز الذكاء للتمييز، وبرزت الإرادة للتنفيذ.. وهذه هي بداية العقل البشري، لأن به دخلت القيمة في وجود الإنسان، ولأن به تجدد اعتبار المستقبل، وبدأ جولان الخيال في شعابه، وانسراحه في غيوبه.. وبهذا المستوى من العقل البشري بدأ الدين الخاص، وأخذ يستصفى من الدين العام، كما تستصفي حرارة الشمس ماء الأنهار العذب من مياه البحر الملح.
لقد قلنا، آنفا، أن الروح الإلهي المنفوخ في البنية البشرية هو العقل.. وقلنا أن الله نفخه فيه بوسيلة الخوف الذي نتج عن إغراء العداوة بين الأحياء فيما بينهم، وبين الأحياء والعناصر التي تزخر بها البيئة الطبيعية التي أوجد الله فيها الحياة.. ونقول الآن أن مرحلة بروز العقل البشري، في البشر، تؤرخ تحولا جوهريا في طريقة نفخ الروح الإلهي، وذلك أن الطريق قد انفتح أمام الإنسان، بفضل الله، ثم بفضل العلم، ليكون بمفازة من عذاب الخوف إن هو اتبع الواجب الذي ترسمه الحكمة.. وذلك بمراغمة هوى نفسه.. وهو لم يترك في حيرة من أمر الواجب.. فقد تولى الله هدايته، فأرسل رسل الأنوار - الملائكة- لتمد بدائه العقول، التي نشأت في الظلام، بأسباب القدرة على صحة الإدراك.. وهو تبارك وتعالى يقول: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) والرسل الأولى رسل العناصر التي أبرزت، بالخوف، الجسد من القلب.. ثم أبرزت، بالخوف أيضا، الحواس من الجسد.. ثم أبرزت بالخوف أيضا، العقل من الحواس.. والرسل الثانية رسل العقول إلى كل فرد بشري.. والرسل الثالثة رسل عقول الحكماء، والأذكياء، والمجربين، إلى عقول أهل الغرارة والسذاجة.. والرسل الرابعة رسل الملائكة الأطهار، تتصل بالبشر المؤهلين، لتسوقهم، ولتسوق بهم، إلى طريق الحكمة، والصلاح، الذي به يكون العتق من الخوف، ومن الضلال الذي يوجب الخوف.. قال تعالى: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون)) والرسل الخامسة، إذن، رسل البشر المكرمين، إلى بقية البشر المكلفين.. يأتونهم ببينات السماء، عن طرائق الوحي الأمين.. والرسل السادسة رسل العقول المرتاضة بأدب الحق، وبأدب الحقيقة، إلى القلوب التي وسعت كل شيء، لأنها بيت المطلق.. والرسل السابعة رسل هذه القلوب.. إلى هذه القلوب منها وإليها، بغير واسطة فما في الكون إلا إياها..
ومرحلة قانون العدل لا تزال سارية، وهي لا تزال تدال، بمحض الفضل، على مرحلة قانون الغابة.. فهما، إنما تقتسمان النفوذ، اليوم، وستكون الدولة لقانون العدل، يوم ينتصر الإنسان على الخوف، ويسلم من القسمة، ويحقق وحدة ذاته..
لقد قلنا إن الإنسان بفعل الخوف، وبفعل الرجاء، قد بدأ يسيطر على نزواته، وبدواته، وأخذ يروض شهواته بعقله، حتى لا يأذن بالحركة للشهوة التي توقعه في غضب الآلهة، وغضب الجماعة، وتوجب عقوبتهما، عاجلا أو آجلا..
ومن هذه السيطرة نشأ الكبت، وانقسمت الشخصية.. واليوم، فإن من الكبت الذي نعانيه ما هو نصيب أحدنا من التراث البشري في التاريخ الطويل، ومنه ما هو كسبه الخاص، أثناء ممارسته حياته في بيئته الطبيعية والاجتماعية، في عمره هذا القصير..
والذي أوجب الكبت، في الماضي، ولا يزال يوجبه، هو تصور الجماعة، وتصور الفرد، للواجب عرفا، وشرعا.. وفي يوم الناس هذا وبعد أن قطعت البشرية كل هذا العمر الطويل، فإن هذا التصور لا يزال غبيا، وجاهلا، وبعيدا عن الحكمة.. فما ظنك به يوم بدأ الكبت في صدر أول فرد بشري؟؟
والكبت مرحلة هامة، من مرحلتي سيرنا نحو الكمال، وهو، من ثم، ليس شرا، وإنما يجيء الشر من إقامتنا عليه، وقعودنا عن السعي إلى التخلص منه.. ولما كان الكبت نتيجة للخوف، فإن التخلص منه لا يتم إلا بالتخلص من الخوف، وبالتخلص من الخوف ندخل المرحلة الثانية، والأخيرة، من مرحلتي سيرنا إلى الكمال..
ولا يكون التخلص من الخوف إلا بالعلم - إلا بمعرفة الأشياء على ما هي عليه في الحقيقة المستورة عنا بأستار الغيب - فإنا لو اطلعنا على الغيب لهزمنا الخوف، قال تعالى عن جن سليمان: ((فلما قضينا عليه الموت، ما دلهم على موته إلا دابة الأرض، تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)).. وقال تعالى عن لسان حبيبه: ((قل لا أملك لنفسي نفعا، ولا ضرا، إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء إن أنا إلا نذير، وبشير، لقوم يؤمنون)) والغيب هو الله.. والله تبارك وتعالى، يعني هذا حين قال: ((قل لا يعلم، من في السموات، والأرض، الغيب، إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون)) وجاءت عبارة: ((وما يشعرون)) هنا لتشير إلى أن حياتنا ناقصة، لنقص علمنا، ذلك النقص الذي سلط علينا الخوف. وقد حجر الخوف بعضنا ليكون درعا لباقينا، وقل بذلك شعورنا.. ونحن ننتظر أن يبعث، بالعلم، البعض الذي أماته الخوف منا.. وذلك أمر محقق، ولكننا نجهل ميقاته.. وجاء باسم الاستفهام ((أيان)) ليشير إلى الزمان الذي فيه البعث.. ((يبعثون))، وهذه عبارة تشير إلى أننا أموات بسبب الجهل، وننتظر البعث بالعلم.. ولقد قلنا أن العلم الذي به الحياة إنما هو إدراك الأشياء كما هي في الحقيقة.. والحقيقة هي الله أيضا.. فالحقيقة، والغيب هما العلم المطلق وهو فينا، في حالة كمون، ولا يفتر منا إلا في المكان، والزمان.. والذي نحققه من المطلق، في الزمان والمكان، هو العلم النسبي - هو الحق- والحق هو وجه الأشياء الذي يلي الحقيقة.. ونحن لا نستطيع أن نحقق من المطلق شيئا إلا إذا تحلينا بما يسمى ((أدب الوقت)).. وأدب الوقت هو الحضور في اللحظة الحاضرة، من لحظات الزمان.. ذلك بأن اللحظة الحاضرة هي أصل الزمان، وهي وسط بين طرفين، كليهما وهم، وكليهما، في حكم الحقيقة، باطل.. وهما لا يجدان تبريرهما إلا في الحكمة التي تقوم وراء خلق الأزواج، قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين)).. هذه هي الحكمة في خلق ((الزوجين)).. ((لعلكم تذكرون)) ومعناها لعلكم تتعلمون.. لأن عقولنا لا تدرك الأشياء إلا بأضدادها.. وهذا ما عنيناه بقولنا، آنفا، أن العقل هو قوة الإدراك الشفعي..
ثم قال ((ففروا إلى الله)).. فروا من الضدين، كليهما، إلى من لا ضد له..
ولنعد للزمان، فقد قلنا أن اللحظة الحاضرة هي أصله، وقلنا أن هذه اللحظة الحاضرة هي وسط بين طرفين كليهما وهم.. ونقول هنا أن هذين الطرفين هما الماضي والمستقبل.. فليس الماضي زمنا، ولا المستقبل زمنا، باعتبار الحقيقة، وإنما هما زمانان باعتبار الحكمة. والشيء الذي هو زمن، باعتبار الحقيقة، إنما هو اللحظة الحاضرة، وهذه اللحظة الحاضرة تدق، حتى لتكاد أن تخرج عن الزمن، فإذا خرجت عن الزمن، التقت بالإطلاق، فكانت إياه.. وهذا حديث يحتاج إلى شرح لا نجد له الوقت، ولا الحيز، هنا، وقد نعود إليه مرة أخرى..
ويهمنا هنا عبارة ((أدب الوقت)) التي أشرنا إليها آنفا.. فإن أدب الوقت هو الحضور مع اللحظة الحاضرة، لأن فيها ذات الله.. فما هي في الماضي، ولا هي في المستقبل.. واللحظة الحاضرة تمثل القلب، والماضي والمستقبل يمثلان الدماغ.. كل منهما يمثل نصفا.. كل منهما يمثل جناحا من جناحي الطائر - طائر الزمان- والفضل في بروز الجسد أولا، ثم العقل ثانيا، من القلب، يرجع إلى الله، ثم إلى المستقبل والماضي.. ذلك بأن الخوف أزعجنا عن العيش في اللحظة الحاضرة، وشدنا إلى المستقبل، وهو بنفس القدر، ولنفس السبب، شدنا إلى الماضي، فأصبحت حياتنا ((أرجوحة)) بين الماضي والمستقبل، فنحن لا ننتظر في اللحظة الحاضرة، إلا ريثما نتحول منها.. ونحن، في أثناء مرورنا باللحظة الحاضرة، إنما نتلقى الحياة التي نطيقها، ولولا أنا مشدودون إلى الماضي والمستقبل، فلا نلبث، في اللحظة الحاضرة، إلا ريثما نتحول، لاحترقت حياتنا، هذه الناقصة، ذلك بأن اللحظة الحاضرة، حين تتناهى، فيها الحياة المطلقة، ونحن بعد، لم يستعد المكان فينا ليتلقى من المطلق إلا بالقدر القليل جداً، وهو قدر يزيد، بمحض الفضل، كل حين..
والماضي، والمستقبل حجابان يحولان بيننا وبين اللحظة الحاضرة، فلا نعيش فيها إلا بالقدر الذي تطيقه حياتنا الناقصة، والتي تسير إلى الكمال، كل حين، ولكن ((بقدر معلوم)) وأصحابنا الصوفية يقولون ((الحجاب رحمة)).. وهم إنما يعنونه في هذا المقام بالذات.. فإن التعرض لتجلي الحقيقة الكبرى على أوان ناقصة يحصل منه ((السحق)) وهو ذهاب العقل، وإذا ذهب العقل فقد انقطعت الزيادة..
وإلى هذين الحجابين، في المكان الأول، الإشارة بقوله تعالى: ((سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل، وسارب بالنهار * له معقبات، من بين يديه، ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال)) عنى بقوله ((من أسر القول)) المادة غير العضوية، وعنى بقوله ((ومن جهر به)) المادة العضوية، وهي تشمل جميع درجات الأحياء. قوله ((له معقبات)) يعني حجبا.. ((يحفظونه من أمر الله)) يعني من التجلي الوتري، فلا ينمحق تحت هيبته.. قوله تعالى: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) يعني، فيما يعني، لا يتجلى تجليا وتريا على مكان قبل استعداد ذلك المكان لتلقي الأمر الجلل.. وهو، تقدست أسماؤه، فيما هو دون التجلي الوتري، لم ينزل كلامه على حبيبه إلا بعد أن أعد المكان بطول التحنث.. ثم قال، زيادة في ذلك: ((يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه، أو انقص منه قليلا * أو زد عليه.. ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا))..
وعندما طلب موسى رفع هذه الحجب قبل أن يستعد المكان منه للتجلي الوتري لم يجب، بمحض الرحمة، إلى طلبه.. قال تعالى في ذلك: ((ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال رب!! أرني، أنظر إليك!! قال: لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال: سبحانك!! تبت إليك، وأنا أول المؤمنين * قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي، وبكلامي، فخذ ما آتيتك، وكن من الشاكرين)).. وهذا ليس نهيا لموسى عن طلب الزيادة، ولكن توجيه له ليطلب الزيادة بالعمل بالشريعة، ليستعد المكان منه للتلقي، فيجيء الفيض من الله.. لأن استعداد المكان إنما هو سؤال بلسان الحال، والدعاء بلسان الحال لا تتأخر الإجابة عليه، ولا الاستجابة له، والله، تبارك وتعالى، يقول: ((أدعوني استجب لكم)).
وقد فدى الله موسى بالجبل، وجعله له عبرة، ومن خلال العبرة تم التجلي لموسى ولكنه لم يكن تجليا وتريا لأن الجبل قد جعل واسطة فيه..