وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

الدين قبيل آدم


آدم صاحب أول نبوة اكتملت في الأرض، وهو أبو البشر الحاضرين، كان أول من استقام على التوحيد، في جملة أحواله، وكان دين التوحيد قد أوحي إليه من الله بواسطة جبريل.. ولم تكن تلك أول مرة يتصل فيها جبريل بالبشر ليوحي إليهم، فقد كانت له اتصالات بتجارب الأوادم الفاشلة، التي سبقت التجربة الناجحة بآدم أبي البشر الحاضرين..
إن ظهور آدم النبي.. آدم الخليفة، آدم أبي البشر الحاضرين، لم يؤرخ ظهور العقل البشري، وإنما يؤرخ مرحلة من مراحل سير العقل البشري إلى النضج.. ولقد ظهر العقل البشري قبل آدم هذا بزمن طويل.. والعقل البشري هو الروح الإلهي الذي نفخه الله في البنية البشرية، فأصبحت، بفضله، مشدودة إلى الله، بعد أن كانت، قبلا، مشدودة إلى الأرض بحكم الجبلة.. وعن نفخ الروح الإلهي في البشر قال تعالى: ((وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً، من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين))..
إن من أهم العبارات التي حوتها هاتان الآيتان الكريمتان عبارة ((فإذا سويته))، فإنها تشير إلى استعداد المكان لنفخ الروح الإلهي، فيه، وهذا الاستعداد قد استغرق زمناً هو من الطول بحيث يخطؤه التصور.. ويكفي أن نستحضر في عقولنا أن الله سبحانه وتعالى، سماه ((حيناً من الدهر)).. قال تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟)).. فإن استعداد الانسان لنفخ الروح الإلهي استغرق المرحلة الأولى، من مراحل النشأة، واستغرق المرحلة الثانية، واستغرق، من المرحلة الثالثة، طورا كبيرا.. ولم يكن نفخ الروح الإلهي في آدم الخليفة وحده، وإنما هو سار في جميع ذراري الوجود مسرى الأرواح في الأجساد، ولكنه في الانسان زاد في المقدار، وفي آدم الخليفة اطرد ازدياده أكثر من ذي قبل، حتى رفعه إلى درجة النبوة، والخلافة، وحفظه فيهما.. ونفخ هذا الروح في الانسان، قبل آدم أبي البشر، كان من قبيل إعداد المكان، في آدم، لنفخ الروح الذي به النبوة، والخلافة.. وعند نفخ الروح الإلهي في الانسان، السابق لآدم، وقع تمييزه على الحيوان، ووقع عليه بذلك تكليف العبادة، في مستوياتها البسيطة، وكانت من ثم بداية الدين.. ولم يكن لهذا الدين رسل غير بدائه العقول.. وكان وثنياً، تعددياً، ولكنه كان بداية الدين.. بداية الإسلام.. ولما جاء عهد الرسل، الذي انفرع بظهور آدم أبي البشر، لم تكن الحكمة من وراء إرسال الرسل أن يخبروا الناس بأن لهم خالقا، فإن ذلك قد سبقتهم عليه رسل العقول، وإنما كانت الحكمة من إرسالهم تعليم الناس طريق معرفة خالقهم…
وفي مرحلة التطور العضوي الصرف أعد الله الانسان إعداداً خاصا، فهو لم يجعله قوياً، قوة جسدية، تغنيه عن الحيلة في حل المشاكل التي تعترضه، في البيئة التي أوجده فيها، ولم يجعله رخواً، خائرا، لا يقوى على النهوض في وجه التحدي المعقول، وإنما جعله وسطاً، ذا قوة لا تغني عن اصطناع الحيلة، ولا تعجز عن تنفيذ خطة الحيلة، في كثير من الأوقات.. ومن هذا الوزن الحكيم برز العقل، وأصبح الانسان يحتال بعقله، وينفذ بعضله، وقوة تركيبه البدني.. وبهذه الممارسة دخلت مرحلة التطور العضوي - العقلي في المسرح..
وخلق الله آدم على صورته، تبارك، وتعالى، وخلق الكون كله على صورة آدم.. وخلق الله آدم له، تبارك وتعالى، وخلق الكون كله لآدم، ونفخ الله روحه في آدم، ونفخ روح آدم في الكون.. وكان نفخ روح الله في آدم في قمة، ونفخه في الكون في قاعدة.. والنفخ كله مستمر، ولكنه يتصعد في طريق لولبي، يدور على نفسه دورة كاملة كلما رقى سبع درجات من درجات تصعيده، وتعلو نقطة نهاية الدورة فوق نقطة بدايتها سمتاً، به تكون قفزة في الترقي نحو الله.. ويدور هذا الطريق اللولبي حول مركز ينضم نحوه كلما صعد درجة.. فإذا ما انتهت دورة هذا النفخ في الدرجة السابعة، بدأت من جديد، واتخذت درجة النهاية هذه نقطة بداية للدورة الجديدة، وهكذا دواليك، إلى نهاية السرمد - وليس للسرمد نهاية- فيكون، بذلك، النفخ غير متناه..
وعن نفخ الروح الإلهي في البنية البشرية بهذه الأطوار السبعة يحدثنا تبارك وتعالى فيقول: ((لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله، أحسن الخالقين))..
وعن نفخ الروح، في بنية الكون، بهذه الأطوار السبعة أيضا يحدثنا، تبارك وتعالى، فيقول: ((إن ربكم الله الذي خلق السموات، والأرض، في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار، يطلبه حثيثا، والشمس، والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره، ألا له الخلق، والأمر، تبارك الله، رب العالمين)).
وهو عندما قال: ((ثم استوى على العرش)) إنما ذكر الطور السابع من أطوار النفخ..
السلالة ما استل من الشيء، وهو ما استخرج برفق، وفي أناة، وهو الخلاصة.. وهي أيضا تعني النسل، وتعني الولد.. تقول: هو سلالة طيبة، أو تقول: هو من سلالة طيبة.. ولقد استغرق استلال هذه السلالة من الطين زمنا سحيقا، كما أسلفنا إلى ذلك الإشارة..
وبعد إتمام استلال هذه السلالة، واستعداد المحل لنفخ الروح الإلهي - وذلك بظهور الحيوانات العليا- ظهر، بفضل الله، الإنسان. واستمر تناسله، وزيادته، من يومئذ، بالتقاء ذكره بأنثاه، وأصبحت ((النطفة الأمشاج)) هنا، تعني ماء الرجل المخلوط، في الرحم، ببويضة المرأة.. فذلك قوله ((ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)).. وقوله ((ثم أنشأناه خلقا آخر))، بعد أن ذكر أطوار التكوين المختلفة في الرحم، يعني ظهور النشأة السوية التي يختلف فيها الإنسان عن الحيوان، ظاهرا وباطناً.. وظهور هذه النشأة إنما يكون بقفزة تمثل حصيلة التنقل في المراقي التي استجمعت في الأطوار الستة السابقة، كما سلفت إلى ذلك الإشارة.. وفي جميع هذه الأطوار، النفخ الإلهي مستمر، لا يتوقف، ولن يتوقف، يد الدهر..
وعن نفخ الروح في بنية الكون في الأيام السبعة، تحدثنا التوراة أيضا فتقول: ((فأكملت السموات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه.. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً)) ووصف الله هنا بالحاجة للراحة، بعد العمل، ضرب من تصوره على صورتنا.. وتلك مرحلة ضرورية، من مراحل تطور معرف الإنسان بالله، وهي مرحلة تعتبر كاملة إذا ما قورنت بالمراحل التي سبقتها، وإنما يظهر نقصها عند مقارنتها بالصور اللاحقة، من صور المعرفة بالله، وذلك حين تقدم الفكر البشري، وارتقى..
وفي هذا الباب يجيء تعبير القرآن، في الرد على تعبير التوراة، فيقول جل من قائل: ((ولقد خلقنا السموات والأرض، وما بينهما، في ستة أيام، وما مسنا من لغوب)) وهذا بالطبع تصور بالله أليق، وأدخل في المعرفة، من تعبير التوراة.. ومع ذلك فإن عبارة التوراة: ((فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل)) ليست عبثا.. وهي قد جاءت في مقابلة ((ثم استوى على العرش)) من عبارة القرآن.. وفي مقابلة ((ثم أنشأناه خلقا آخر)) من عبارة القرآن أيضا.. وكل هذه العبارات، على تفاوت، تشير إلى تتويج الخليقة، بعد الطور السادس، بظهور الخليفة - الانسان الكامل- وبظهور الانسان الكامل تنتهي المعاناة، وينتهي الشقاء، وتتم الطمأنينة بالقرب وبالسلام..
وليست أيام الله كأيامنا، وإنما هي أطوار تجلياته، وظهوره لخلقه، بخلقه.. أعني ظهور أمره (والأمر باطن)، في خلقه (والخلق ظاهر)، لخلقه، وهم أصحاب العقول - البشر- وهو، تبارك وتعالى، يعني هذا حين قال، من الآية السابقة: ((ثم استوى على العرش، يغشي الليل النهار، يطلبه حثيثا، والشمس، والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره، ألا له الخلق، والأمر، تبارك الله، رب العالمين)).. فالعرش يعني المخلوقات، بما فيها الأرواح المشرقة، اللطيفة، وهو عالم الخلق، وقد عبر عنه بالليل والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم.. وأشار بالليل والنهار إلى الأرض، ( كما أشار بهما إلى الحركة، وإلى الزمن)، لأنهما من أوضاعها من الشمس.. وعبارة ((ثم استوى على العرش)) تشير إلى استيلاء القهر الإرادي على نواصي المخلوقات.. وقد أبان ذلك بقوله ((مسخرات بأمره)) وذلك عالم الأمر.. والأمر مستول على الخلق.. ولله، تبارك وتعالى، الخلق والأمر..
وهذا الاستيلاء هو نفخ الروح الإلهي في الكون، وقد وقع على سبع درجات، عبر عنها بسبعة أيام..
ثم إن الله، تبارك وتعالى، سخر الكون لنفخ الروح الإلهي في الانسان، وذلك بإغراء العداوة بين الأحياء فيما بينهم، من طرف، وبين الأحياء والعناصر الأخرى، من طرف آخر.. فقال ((إن من أزواجكم، وأولادكم، عدوا لكم، فاحذروهم)).. وقال ((إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوا)) وكذلك خلق الانسان وسط العداوات.. لقد ((خلقنا الانسان في كبد)) ثم كان عليه أن يسعى للمصالحة، والمسالمة، والمحبة.. من أجل حياته.
ولما كان الانسان الأول قد وجد نفسه، في البيئة الطبيعية التي خلقه الله فيها، محاطا بالعداوات من جميع أقطاره، ولما كان الله قد سواه وسطا، فلا هو بالقوي، الذي يستغني بقوة عضلاته عن استعمال حيلته، في حل مشاكله، ولا هو بالضعيف، الرخو، الخائر، الذي لا ينهض لأي مستوى، من مستويات تحدي الأعداء فإنه قد سار في طريق ((الفكر والعمل))، من أجل الاحتفاظ بحياته وقد هداه الله بعقله، وقلبه، إلى تقسيم القوى التي تحيط به، إلى: أصدقاء، وإلى أعداء.. ثم قسم الأعداء إلى أعداء يطيقهم، وتنالهم قدرته.. وإلى أعداء يفوقون طوقه، ويعجزون قدرته.. وكذلك قسم الأصدقاء إلى: أصدقاء يبادلهم وداً، بود، وخدمة، بخدمة، وإلى أصدقاء يغمرونه بألطاف النعم، ويغدقون عليه أصناف البر، وهو عاجز عن مكافأتهم على صنيعهم هذا به، لأنهم أقوياء، وهو ضعيف، ولأنهم أغنياء، وهو فقير، وقد زادت قوتهم، واستغناؤهم، عن حدود تصوره، فلزم العجز، واستشعر الشكر.. ولقد هدته هذه النظرة طريقه في الحياة: فأما الأعداء الذين يطيقهم، وتنالهم قدرته، مثل الحيوان المفترس، والإنسان العدو، فقد عمد في أمرهم، إلى المنازلة، والمصاولة، والمراوغة، فاتخذ، من أجل ذلك، الآلة، يمد بها قوته، ويعوض بها عن الأنياب، والمخالب، التي لم تعد من طبيعة تكوينه، كما لجأ إلى الحيلة، فاتخذ المساكن فوق الأشجار، وفي الكهوف، وعلى قنن الجبال.. ومن محاولاته في هذا الاتجاه نشأ العلم التجريبي الذي وصل، في القرن العشرين، إلى فلق الذرة..
وأما الأصدقاء الذين استطاع أن يبادلهم نفعاً، بنفع، ومعاملة، بمعاملة، فقد هدته صداقتهم إلى العيش معهم في جماعات أكبر من تلك التي يعيش فيها الحيوان، مما ساق إلى التفكير في رعاية مصالح الآخرين.. وبدأ، بهذا الاتجاه، نظام المجتمع، وتأدى ذلك إلى نشأة العرف، والعادة، والتقليد، التي هي مقدمات القوانين والتشاريع..
وأما الأصدقاء الكبار، والأعداء الكبار، فقد هدته حيلته إلى التزلف إليهم، بتقريب القرابين، وبإظهار الخضوع، وبالتمليق.. فأما الأصدقاء فبدافع من الرجاء، وأما الأعداء فبدافع من الخوف.. وبدأت، من يومئذ، مراسيم العبادة.. ونشأ، من يومئذ، الدين..
لعمري!! ليس الأمر بهذا اليسر.. ولكن هذه مجرد العبارة، وهي عبارة قد اضطررنا إلى الإيجاز فيها، أشد الإيجاز.. وهي، من أجل ذلك، ولغير ذلك أيضا، عبارة جانبية، ومعممة، ومخلة بالصورة.. وعذرنا أنا لا نملك في المقام الحاضر خيراً منها..