وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

العقل الواعي والعقل الباطن


قلنا أن العقل هو الروح الإلهي المنفوخ في البنية البشرية، وقلنا أن النفخ يعني الاستيلاء الإرادي القاهر على العناصر، والأحياء.. وهو، في مرحلة الأحياء، إنما كان بإغراء العداوة بين الأحياء فيما بينهم، وبينهم وبين جميع العناصر التي تزخر بها البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها.. وهذا التعميم يخضع لبعض الاستثناء.. فإن هناك بعض القوى، وبعض العناصر، أمكن وضعها في جانب الصداقة، ومع ذلك، فإن جانبها لم يكن مأمونا، كل الأمان، والخوف من تصرفاتها، وبدواتها، لم يزل موجودا، مما جعل الخوف هو العنصر الغالب في مشاعر الأحياء.. وفي الحق، إن الخوف ( القهر) هو الذي استل المادة العضوية من المادة غير العضوية، فبرزت بذلك الحياة.. ثم إن الخوف هو السوط الذي حشد الأحياء في زحمة سباق التطور.. فالحياة مولودة في مهد الخوف.. ومكتنفة بالخوف في جميع مدارجها.. ولولا بوارق الأمان، الفينة بعد الفينة، ولولا لوائح اللطف، الفينة بعد الفينة، ولولا غواشي الغفلة، في أغلب الأحيان، لاجتاح الخوف الحياة، ولقطع نياطها.. ولا يزال الخوف، إلى الآن، هو الأصل في سوق الحياة إلى كمالها في جانب الله.. قال تعالى في ذلك: ((وإن من قرية إلا نحن مهلكوها، قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا * وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون.. وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا * وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس.. وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس.. والشجرة الملعونة في القرآن.. ونخوفهم، فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا)).. اعتبر قوله تعالى: ((وما نرسل بالآيات إلا تخويفا)) وقوله تعالى: ((ونخوفهم)).. ثم اقرأ قوله تعالى: ((يأيها الناس اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)).. أو اقرأ قوله تعالى: ((فكيف تتقون، إن كفرتم، يوما يجعل الولدان شيبا، * السماء منفطر به؟ كان وعده مفعولا.)).. وخير حالات المؤمن أن يعمل الطاعات وقلبه خائف من لقاء ربه، قال تعالى: ((والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)).. وخير حالات الخوف أن يكون موزوناً بالرجاء، فلا يستبد فيتداعى إلى اليأس، ولا يضعف فيتداعى إلى الغفلة.. وفي وزن الخوف والرجاء قال تعالى: ((أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه.. إن عذاب ربك كان محذورا)) وقال أيضا: ((أمن هو قانت، آناء الليل، ساجدا وقائما، يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه؟ قل هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب.)) فهذه الحالة هي من حالات العلم بالله.. والحكمة وراء الخوف، والتخويف، إنما هي سوق الناس إلى الله حين يظهر عجزهم عن النهوض بأعباء حياتهم: اقرأ صورة لكل الذي ذكرنا، في الآيات، البينات، التاليات: ((وإنك لتدعوهم إلى سراط مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن السراط لناكبون * ولو رحمناهم، وكشفنا ما بهم من ضر، للجوا في طغيانهم يعمهون * ولقد أخذناهم بالعذاب، فما استكانوا لربهم، وما يتضرعون * حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب، شديد إذا هم فيه مبلسون * وهو الذي أنشأ لكم السمع، والأبصار، والأفئدة. قليلا ما تشكرون * وهو الذي ذرأكم في الأرض، وإليه تحشرون * وهو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل، والنهار. أفلا تعقلون)).. هذه جميعها صور للخوف، والتخويف بالعذاب في الدنيا، وبوعيد العذاب في الساعة، وفي الأخرى.. وهذا في الإسلام، وفي القرآن، وهو لم يجيء إلا مؤخرا، وبعد أن لطف حس الناس، وأصبحوا يزدجرون بأقل مزدجر!! ولقد ذكرنا، تبارك وتعالى، في هذا السياق الرهيب، بالسمع، والأبصار، والأفئدة، فقال: ((وهو الذي أنشأ لكم السمع، والأبصار، والأفئدة. قليلا ما تشكرون)) وفيه إشارة إلى أنه تعالى إنما أنشأها بالعذاب، وبالخوف من العذاب، وبالتخويف منه، كل على كل مستوى، من مستويات الحياة.
ولقد قال: ((قليلا ما تشكرون)) ونحن إنما نفهم هذا القول فهما جيدا إذا تذكرنا قوله تعالى: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما)).. فكأنه قال: إن الحكمة وراء العذاب أن الله يريد به أن يمخض، من كثافتكم، الرقائق التي بها يظهر شبهكم إياه، فتكونوا شاكرين وعالمين، كما هو شاكر وعليم.. ثم إن الله، تبارك وتعالى، يقول، في الآيات السابقات: ((وهو الذي ذرأكم في الأرض، وإليه تحشرون)).. ذرأكم بثكم، وشتتكم، كما تشتت البذرة ((وإليه تحشرون)) تجمعون، وتساقون، وتزفون.. وإنما يكون حشرنا إليه بتقريب صفاتنا من صفاته، وذلك باستخراج لطائفنا من كثائفنا بالعذاب، وبالخوف، وبالتخويف من العذاب.. ثم إنه قال، وههنا ملاك الأمر، قال: ((وهو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل، والنهار. أفلا تعقلون)).. ((يحيي ويميت)) إشارة إلى قهر الحياة.. و ((اختلاف الليل والنهار)) إشارة إلى قهر العناصر.. ومن قهر العناصر برزت الحياة.. ومن قهر الحياة برزت العقول.. ولذلك قال تعالى: ((أفلا تعقلون)).. ومن جراء القهر ولد الخوف، ومن جراء الخوف ولدت الحياة، وسارت محفوزة في المراقي، سمتا فوق سمت، إلى أن بلغت مرتبة ظهور العقل البشري في أعلى الحيوانات.. وهي لا تزال تطرد، تطلب كمالات العقل والقلب..
فالعقل هو الروح الإلهي المنفوخ في الإنسان، والخوف هو وسيط النفخ، وصراع العناصر المختلفة، التي تزخر بها البيئة الطبيعية، هو العامل المباشر، والله من وراء كل أولئك محيط.. وهذا النفخ مستمر، وهو سرمدي، ويأخذ في اللطف كلما برزت لطائف الحياة من كثائفها، وكان لها السلطان.. وسيجيء يوم يبدل الله فيه الخوف أمناً، والحرب سلاماً، والعداوة محبة.. ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما؟)).
وأين نفخ الروح الإلهي؟ هل نفخ في الأجساد؟ أم هل نفخ في العقول؟ لا هنا لا هناك.. فليس الجسد مكان النفخ، وإنما هو نتيجة النفخ.. ومثل ذلك يقال عن العقل.. فليس الدماغ، وهو عضو العقل، مكان النفخ، وإنما هو نتيجة النفخ.. فالنفخ متقدم عليهما، كما يتقدم السبب النتيجة..
فأين كان النفخ إذن؟
الجواب، في القلب!! وما هو القلب؟ هو ذات الحي!! هو الحي بالأصالة، حين لا يكون الجسد، ولا الدماغ، حيين إلا بالحوالة..
هو الحي الذي أعطى الجسد والدماغ الحياة، وهو ليس خادمهما، وإنما هو سيدهما.. وقد أخطأ علم الطب الحديث - علم وظائف الأعضاء- حين ظنه مجرد مضخة للدم.. والأمر كما هو عليه في الدين.. ففي الحديث: ((ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائره.. ألا وهي القلب)) وليس المقصود بالفساد هنا الفساد الحسي الذي ينتج عنه الموت الحسي، فحسب، وإنما المقصود الفساد المعنوي الذي ينتج عنه الموت المعنوي - الكفر-
وفي القرآن التركيز كله على القلب، ولا يجيء ذكر العقل - الدماغ والجسد- إلا في المكان الثاني.. قال تعالى ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد)) فالذكرى في المكان الأول لصاحب القلب الذكي، ((لمن كان له قلب)) وجاء به على التنكير ليفيد التعظيم.. فإن لم يكن، فلصاحب العقل الواعي: ((أو ألقى السمع، وهو شهيد)).. ((ألقى السمع)) يعني أعار الأذن، وتلك إشارة إلى العضو المحسوس، وهي، من ثم، إشارة إلى الجسد.. ((وهو شهيد)) يعني غير شارد الذهن وقت الاستماع، وتلك إشارة إلى حصر القوى التي تعمل في الدماغ - إلى العقل- والآيات التي تركز على القلب في المكان الأول، مستفيضة في القرآن، ونحن لا نستطيع، كما أننا لا نحتاج، إلى متابعتها هنا، فليراجعها من شاء في مظانها.. وإنما نريد هنا أن نورد ثلاث آيات، هن آية في الدلالة على المكانة التي يحتلها قلب الإنسان، من الإنسان .. قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل: ((ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال، ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم)) ففي آخر المطاف لا منجاة من عذاب الخزي، ولا من خزي العذاب، إلا بسلامة القلب..
وهل يزيد في توكيد كرامة القلب لو قلنا أن لكل مخلوق قلبا، وليس لكل مخلوق عقل؟؟ فإنه لم يعرف شيء من الكائنات، مهما صغر حجمه، وخف وزنه، ليس له قلب.. ومع القلب الجسد، فإنهما كأن قد نشآ في وقت واحد.. فالجسد بيت القلب، وهو من ثم صنوه، وزوجه، وهو المعني بقوله تعالى: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون)).. فالإشارة في ((من أنفسهم)) إلى القلب والجسد.. وفي حين أن الجسد بيت القلب، فإن القلب بيت الرب.. وهو، من ثم، زوج الرب.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ((ومما لا يعلمون))
والحواس إنما هي نوافذ البيت التي تدخل النور، والهواء الطلق للساكن، وبها، ومنها، يطل الساكن، أيضا، على العوالم الخارجية.. والعقل، وهو أمير الحواس، إنما هو ((ديدبان)) القلب، وحارسه الأمين، يؤذنه بقرب الخطر، ويدفع عنه الخطر، حيث أمكن..
والقلب هو بيت الله، هو الحرم الآمن، الذي قال تعالى عنه: ((ليكفروا بما آتيناهم، وليتمتعوا، فسوف يعلمون * أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا، ويتخطف الناس من حولهم؟ أفبالباطل يؤمنون، وبنعمة الله يكفرون؟)) فالكعبة، في مكة، هي بيت الله، في ظاهر الشرع، والقلب، في الصدر، هو بيت الله، في الحقيقة.. وقد جعل الله بيتيه آمنين من الخوف.. قال تعالى، في حق قريش: ((لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)) فالقلب، في سويدائه، حرم آمن من الخوف، ولا يلم الخوف إلا بحواشيه، فذلك قوله: ((أنا جعلنا حرما آمنا، ويتخطف الناس من حولهم)).. ولقد سبق لنا أن قررنا أن الله، تبارك وتعالى، قد نفخ الروح الإلهي بوسيلة الخوف.. وقررنا أن مكان نفخ الروح الإلهي إنما هو القلب.. وقررنا، فيما سلف، أن القلب حرم آمن من الخوف.. ولذلك فقد فداه الله بالجسد، وجعله على حواشيه، ليكون له ردءاً، ودرعا، من الخوف، وهذا هو السبب في نشوء الجسد في وقت يكاد يكون واحداً مع وقت نشوء القلب.. ثم لحق بهما العقل، ليكون عونا على الانتصار على الخوف.. وحين يتم الانتصار على الخوف، بفضل الله، ثم بفضل العقل، يصبح نفخ الروح الإلهي في القلب البشري بوسيلة اللطف، بالأمن، وبالسلام، وبالمحبة.. فما دام النفخ من الخارج فإنه بوسيلة الخوف الذي تسلطه العناصر الخارجية، وسيجيء وقت يصير فيه النفخ من الداخل، ويومئذ يكون الخوف قد انهزم، وإلى الأبد.. والله، تبارك وتعالى، يقول، في أمر النفخ، في مرحلتيه: ((سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)).. ((سنريهم آياتنا في الآفاق)) إشارة إلى نفخ العناصر بالقهر الإرادي في الجسد.. قوله: ((وفي أنفسهم)) إشارة إلى نفخ العناصر بوسيلة الخوف، في الجسد، وفي الدماغ، أو قل العقل،.. قوله: ((حتى يتبين لهم أنه الحق)) يعني حتى يصل بهم الإدراك إلى استيقان التوحيد، ويومئذ ينهزم الخوف، ويجيء دور الأمن، والسلام.. وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: ((أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟))..
والقلب عضو يعمل فيه الفؤاد، والفؤاد هو قوة الإدراك الوتري.. والجسد والدماغ عضوان يعمل فيهما العقل، والعقل هو قوة الإدراك الشفعي.. وفي مرحلة الإدراك الشفعي يكون النفخ من الخارج، والخوف هنا حاضر..
وفي مرحلة الإدراك الوتري يكون النفخ من الداخل،.. ((أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)).. ههنا مقام نفخ الذات في الذات.. نفخ الذات الإلهية في القلب البشري.. وليس للخوف ههنا مجال..
وفي الإدراك الوتري ينقطع التعدد ولا يبقى غير الوحدة.. فالمدرك، والإدراك، والشيء المدرك، جميعها شيء واحد، ولذلك فإن القلب هو عين الفؤاد..
ما هو العقل الباطن؟ هو القلب، وهو قوة الإدراك الوتري.. ما هو العقل الواعي؟ هو العقل، وهو قوة الإدراك الشفعي..