((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




عُلماء!! بِزَعْمِهِم..
الكتاب الأوّل

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
((ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب، وهو يُدعى إلى الإسلام؟؟ والله لا يهدي القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره، ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحق، ليُظهره على الدين كله، ولو كره المشركون..))
صدق الله العظيم


المقدمة:


بتاريخ ٣/١/١٩٧٦، رفع نفر من المشايخ، طاب لهم أن يُسمُّوا أنفسهم "علماء السودان"، مذكرة للسيّد رئيس الجمهورية، يطالبون فيها، إلى جانب تحريم نشاط الجمهوريين، ومصادرة كتبهم، بإنزال أقصى العقوبات عليهم. ثم لم يكتف محررو المذكرة بتوجيهها للسيّد رئيس الجمهورية، على نحو ما تقتضي اللياقة، وأن ينتظروا حتى يسمعوا منه، وإنّما ذهبوا في إرسال صور منها إلى السادة: رئيس مجلس الأمن القومي، مدير الأمن العام، مدير الأمن القومي، رئيس المحكمة العليا، نائب رئيس المحكمة العليا، وزير الداخلية، محافظ الخرطوم، مفتي جمهورية السودان، مدير البوليس، رئيس مجلس الشعب، ثم رئيس لجنة الأعضاء بمجلس الشعب، ثم إبراهيم علي التوم بمجلس الشعب.. هذا بالإضافة إلى تلاوتها على الجمهور بالمساجد وفي محاولة ساذجة لإثارة الفتن من حولها.
والمذكرة في جملتها وفي تفصيلها، قد اتجهت إلى تحريف أفكارنا، وبصورة مؤسفة، حيث قامت على الكذب والنقل المخل، وعلى التشويه المُتعَمَّد، وسوء التخريج، يضاف إلى ذلك ما اشتملت عليه من تركيز على إثارة الفتنة، وإباحة الدماء، من غير ورع، أو تقية، وعلى نحو يوقع كل الموقعين عليها تحت طائلة القانون، ومع أنّنا لسنا الآن بصدد شيء من حقوقنا القانونية، بقدر ما نحن مجتهدون لكشف الجهالة، ورقَّة الدين، التي طفحت بها تلك المذكّرة العجيبة، ومن غير أن تراعي أدنى حرمة، أو اعتبار، للمسئولية، ولمقاييس الأخلاق العامة..
ومن ناحيتنا، فإنَّا لم نعبأ، ولن نعبأ، بما اشتملت عليه من تهديد ساذج، أهدرت به دماءنا، واستهدفت به حياتنا، بفضل يقيننا أنّ الله معنا، ولثقتنا في شعبنا الذي عرفنا في مواطن البأس، ومن خلال معاملتنا إيّاه على كافة المستويات..
إنّ الشعب السوداني قد تعلَّم من تجاربه كثيراً، فلم يعد فريسة "لرجال الدين" على ما كان عليه الحال في الماضي. ولكن "رجال الدين"، وكما هي العادة دائما لا يعرفون عن مجريات الأمور شيئاً..
ونحن هنا نرى أهمية خاصة لنشر نص تلك المذكّرة كما خرجت من أصحابها المشايخ بعد الإنتهاء من هذه المقدّمة مباشرة، وقبل أن نشرع في تعقّبها، ومتابعة نصوصها، خلال عرضنا ونقاشنا لما انطوت عليه من مكر سيء، ومن خبث، ومن تحريض، حتى يقف شعبنا المرزوء بهؤلاء الأشياخ على مزيد من الحقائق عن أخلاق، وطبيعة، من يتصدّون لتعليمه دينه فيحذر مكرهم، ويتجنّب إضلالهم..
إنّنا نعتبر هذه المذكرة هدية طيّبة ساقها الله إلينا، لندلِّل بها للشعب عن مدى التخلّف الفكري، والتحجُّر الديني، الذي مُنِي به هؤلاء الأشياخ الذين يلتحفون قداسة الدين، بغير دين، ولا ورع..

المؤامرة من جديد


إنّ هذه المحاولة الخاسرة، وكما يعلم القراء، ليست الأولى، ولكنّا نرجو أن تكون الأخيرة، بفضل الله، ثم بفضل يقظة، ووعي شعبنا المتزايد، حتى لا تتكرر بنا المهازل الساقطة كما جرى الأمر في محكمة الردّة الشهيرة.. ثم نحب أن نذكر هنا أنّ هذه الوجوه التي وقّعت على هذه المذكّرة، كما سترون، هي نفسها الوجوه التي صنعت مؤامرة محكمة الردّة في نوفمبر عام ١٩٦٨م.. وهي أيضاً ذات الوجوه التي عملت، وسعت إلى فرض مؤامرة الدستور الإسلامي المزيّف في عام ١٩٦٩م.. ونسجّل هنا، للتاريخ وللأجيال، أنّ كثيراً من هذه الوجوه قد سعت مراراً لحل الحزب الجمهوري في الماضي، كما تسعى اليوم لتحريم "الدعوة الإسلامية الجديدة"، ومصادرة كتبها، وتهديد أتباعها.. ولكن وبحمد الله، وتوفيقه، قد عادت عليهم كل محاولاتهم الفجّة بالخزي، والخسران المبين.. إذ نصر الله جنده، وهزم الأحزاب وحده.. وهو المسئول اليوم أن يصل عادته فيحفظ دينه، ويرعى جنده، من كيد الكائدين، وعبث العابثين، والمكابرين.. إنه نعم المولى، ونعم النصير..

دعوة للحوار


ونحن برغم محاولات هؤلاء الاشياخ المتكرّرة في استعداء السلطة، واستعداء الشعب علينا، لا ننطوي على حقد أو مرارة من آثار رد الفعل، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، ولذا فنحن لا نستعدي عليهم أحداً ولكنّنا نرى أنّه من حقّنا، ومن واجبنا، أن نطالب السلطة، كما نطالب الشعب، بتضييق فرص المراوغة عليهم، وذلك بفتح منابر عامة للحوار بيننا وبينهم حتى يشيع الوعي في صفوف الشعب، بما يتيح من فرص توفّر المعلومات الوافية، التي هي وحدها الوسيلة الواسلة لقطع دابر الفتن، وتنظيف جيوب الجهل والتخلّف من وجه الحياة في بلادنا.. إنّ هذا مطلب عادل، يجد سنده، ودعمه، في أخلاق شعبنا المحب للدين، حتى يتحصّن بالوعي، فلا يُؤخذ على غرّة.. فعلى المثقّفين عامة تقع مسئولية هذا الأمر الجلل، بالعمل على إنجاحه، والتبصير به، حتى يصبح مطلباً شعبياً عاماً يفرض أهمّيّته ويلح في الاستجابة إليه..

كما وعدنا القرّاء في مقدّمة كتابنا هذا، فها نحن نثبت فيما يلي نص مذكّرة من أسموا أنفسهم بـ "علماء السودان".. ونحن إذ ننشر نص هذه المذكّرة نرجو أن يقف القرّاء على حقيقة هؤلاء العلماء المزعومين! وليشهدوا بعد ذلك حكمنا عليهم، وعلى مذكّرتهم المتهالكة.. "وما ظلمونا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" صدق الله العظيم..