((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




عُلماء!! بِزَعْمِهِم..
الكتاب الأوّل

الإسْلام والإيمان

الإسْلام والإيمان


جاء في مذكّرة الأشياخ الذين يصرّون تسمية أنفسهم بعلماء السودان عن الأستاذ محمود محمّد طه أنّه يدّعي
((أنّ الأمّة، من عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وإلى يومنا هذا ليست مسلمة، وإنّما الأمّة المسلمة هي: "محمود محمّد طه وأتباعه" فيقول في رسالة الصلاة صفحة ٢٤: (إنّ المجتمع المسلم حقاً لم يدخل في الوجود بعد وسيجيء في مستقبل الأيّام القريبة إن شاء الله) الخ.. ويقول في الرسالة الثانية من الإسلام صفحة ١١ (وأمّا أمّة البعث الأول أمّة الرسالة الأولى ـ اسمها المؤمنون لدى الدقّة وإنّما أخذت اسم المسلمين الذي يطلق عليها عادة من الإسلام الأوّل وليس على التحقيق من الإسلام الأخير. وأنت حين تقرأ قوله تعالى: "إنّ الدين عند الله الإٍسلام" يجب أن تفهم أنّ المقصود الإسلام الأخير وليس على التحقيق الإسلام الأوّل لأنّ الإسلام الأوّل ليست به عبرة" انتهى.))

((وانتهى)) هذه من وضع المشايخ، أمّا قولنا الذي نقلوا عنه فإنّه لم ينته، بل إنّ انتهاءه بهذه الصورة بتر متعمَّد لتضليل القارئ، وهذه صفة من صفاتهم، عرفناها عنهم وعلى طول المدى، ويخفون بها عجزهم عن مواجهة الحقيقة، ويقصـدون بها الفتنة، والوقيعة بيننا وبين الشعب.. ولكن خاب فألهم، فإنّ الكذّاب ملحوق، ومفضوح، حالاً، أو مآلاً.. وهم لو واصلوا النقل لما استطاعوا أن يوهموا أحداً، من القرّاء، ولكن لرغبة عندهم في الكيد والإضلال قد بتروا الحديث وكتبوا بعده (انتهى)، ليخرّجوا عليه تخريجاتهم الكاذبة.. اقرأوا جميعاً، مرّة ثانية ما قاله الأستاذ في هذه الفقرة من "الرسالة الثانية" الطبعة الرابعة صفحة ١٠٨: -
((وأمّة البعث الأوّل - أمّة الرسالة الأولى - اسمها المؤمنون، لدى الدقّة، وإنّما أخذت اسم المسلمين، الذي ينطلق عليها عادة، من الإسلام الأوّل، وليس، على التحقيق، من الإسلام الأخير. وأنت حين تقرأ قوله تعالى (إنّ الدين عند الله الإسلام) يجب أن تفهم أنّ المقصود الإسلام الأخير، وليس على التحقيق، الإسلام الأوّل، ذلك بأنّ الإسلام الأوّل ليست به عبرة، وإنّما كان الإسلام الذي عصم الرقاب من السيف، وقد حسب في حظيرته رجال أكل النفاق قلوبهم، وانطوت ضلوعهم على بغض النبي وأصحابه - ثم لم تفر ضلوعهم عن خبئها، وذلك لأن المعصوم قد قال (أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أنّ لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا، عصموا منّي دماءهم، وأموالهم، إلا بحقّها، وأمرهم إلى الله) ))

وقد ورد في كتاب رسالة الصلاة صفحة ٦٨ في هذا المعنى من الأستاذ ما نصّه:
((أوّلها أنّ الإسلام بداية ونهاية، وهو في البداية أقل من مرتبة الإيمان، ومقتضاه قولك: لا إله إلا الله محمّد رسول الله وعملك بالجوارح فيما أمرت بالعمل فيه من عبادات، ومن معاملات، وآية الإسلام الذي هو بداية من كتاب الله: (قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا!! ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم) )).
((والإسلام الذي هو نهاية، أعلى من مرتبة الإيمان، ومعناه الاستسلام والانقياد الواعي الراضي بالإرادة الإلهية، وآيته من كتاب الله: (ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتّبع ملّة إبراهيم حنيفا واتّخذ الله إبراهيم خليلا؟) وروح هذه الآية في عبارة (وهو محسن) لأنّ العناصر كلها مسلمة وجهها لله، ولكنّها غير واعية، والمسلم هو الذي يكون في تمام استسلامه لله كالعناصر الصماء في عدم اعتراضه على الله، ثم هو واع وراض ومختار لهذا الاستسلام، ومن ههنا قيل أنّ العبودية أن تكون بين يدي الله كالميّت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف شاء، من غير اعتراض منه، ولقد أسلفنا الإشارة إلى ذلك.))
((وثانيها أنّ مجتمع البعث الأول اسمه الخاص به (المؤمنون)، عندما يوضع بإزاء المجتمع اليهودي أو المجتمع النصراني، والقرآن مليء بذلك. (إنّ الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وأنّه لم يأخذ اسم المسلمين إلا من المعنى العام.. من الإسلام الذي هو بداية.. ولقد ندب مجتمع المؤمنين ليكونوا مسلمين فلم يطيقوا، وذلك حيث قال تعالى (يأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، فنزل إلى مستوى ما يطيقون، وجاء الخطاب (فاتّقوا الله ما استطعتم، واسمعوا، وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).))

هذا ما قلناه..
فها أنتم ترون أنّ الإسلام الذي ليست به عبرة هو المستوى الذي دون الإيمان وقد رُدَّ إليه الأعراب حينما ادّعوا الإيمان، قولاً لا صدقاً، فقال تعالى: ((قالت الأعراب آمنّا، قل: لم تؤمنوا!! ولكن قولوا: أسلمنا!! ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم..)) وذلك يعني أنّكم لم تؤمنوا بقلوبكم وإنّما أسلمتم للنبي صلّى الله عليه وسلّم لأنّه أُمِرَ برفع السيف على رؤوسكم حتّى تشهدوا: "لا إله إلا الله، وأن محمّداً رسول الله" وأن تؤدّوا الشعائر.. وقد جاء في القرآن العظيم عن المنافقين قوله تعالى: ((إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله، والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد أنّ المنافقين لكاذبون)).
فهل بعد هذا يجوز لهؤلاء الأشياخ أن يحاولوا إيهام الناس بأنّنا نعني أنّ كل ما قام في القرن السابع من تشريع العبادات والمعاملات ليست به عبرة؟؟ فاستحيوا يا هؤلاء من غيركم إن كنتم لا تستحيون من أنفسكم!!