((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




عُلماء!! بِزَعْمِهِم..
الكتاب الأوّل

التشريع الإسلامي

التشريع الإسلامي


قالت مذكّرة الأشياخ، وفي محاولة ماكرة، لمواصلة الإضلال، والنقل المخل وسوء التخريج ما يلي: -
((يعترض على التشريع الإسلامي الذي جاء به النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم فيقول في مقدّمة الرسالة الثانية ما نصّه (من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أنّ الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها للتطبيق في القرن العشرين) ))..
ثم ذهبوا في كيد رخيص، ليقولوا:
((القرن السابع هو عصر الرسول وصحابته رضي الله عنهم))!..

فماذا يعني هذا القول السقيم في مواجهة قولنا: ((من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أنّ الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها للتطبيق في القرن العشرين))؟؟ لا يعني شيئاً أكثر من استعجالهم، وحرصهم على تجريمنا، بدليل إغفالهم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم من عبارتهم سابقة الذكر، في الوقت الذي أعلنوا فيه إمتثالهم للأصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ بعبارة "رضي الله عنهم" تمليقاً، واستغلالاً لعواطف الشعب، الذي أضحى أذكى منهم، وبما لا يقاس.. يضاف إلى ذلك أنّهم قد أخذوا هذه الفقرة التي يتكئون عليها من بعد "شولة" من وسط حديث طويل وعريض للأستاذ، ورد في مقدّمة الطبعة الرابعة لكتاب الرسالة الثانية من الإسلام، وتحت عنوان "الرسالة الثانية من الإسلام" نورده فيما يلي حتى يقف القرّاء على عدم الأمانة التي اتّصف بها هؤلاء الأشياخ..
يقول الأستاذ:
((الإسلام دين واحد.. وهو دين الله الذي لا يرضى غيـره.. قال تعالى فيه: "أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون؟؟" وهو، بهذا المعنى إنّما هو الاستسلام الراضي بالله ربّاً.. وبالإسلام جاء جميع الأنبياء من لدن آدم وإلى محمّد.. قال تعالى في ذلك: "شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصّينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه.. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه.. الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب..".. "شرع لكم من الدين" هنا لا تعني الشرائع وإنّما تعني "لا إله إلا الله".. ذلك بأنّ شرائع الأمم ليست واحدة، وإنّما هي مختلفة اختلاف مقدار، وذلك لاختلاف مستوياتها.. وإنّما "لا إله إلا الله" هي الثابتة، وإن كان ثباتها في مبناها فقط، وليس في معناها.. وإنّما يختلف معناها باختلاف مستويات الرسل.. وهو اختلاف مقدار أيضاً.. قال المعصوم في ثبات مبنى "لا إله إلا الله".. (خير ما جئت به أنا والنبيّون من قبلي "لا إله إلا الله").. واختلاف شرائع الأنبياء الناتج عن اختلاف مستويات أممهم لا يحتاج إلى طويل نظر.. ويكفي أن نذكر باختلاف شريعة التزويج بين آدم ومحمّد.. فقد كان تزويج الأخ من أخته شريعة إسلامية لدى آدم.. وعندما جاء محمّد أصبح الحلال في هذه الشريعة حراماً.. أكثر من ذلك أصبح التحريم ينسحب على دوائر أبعد من دائرة الأخت.. قال تعالى في ذلك: "حرّمت عليكم أمّهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعمّاتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمّهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم.. وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.. وأن تجمعوا بين الأختين، إلا ما قد سلف.. إن الله كان غفوراً رحيماً".. فإذا كان هذا الاختلاف الشاسع بين الشريعتين سببه اختلاف مستويات الأمم، وهو من غير أدنى ريب كذلك، فإنّه من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أنّ الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح، بكل تفاصيلها، للتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأنّ اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصّل فيه تفصيلاً، وإنّما هو يتحدّث عن نفسه.. فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إمّا أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفّتي المصحف، قادراً على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولّى توجيهه في مضمار التشريع، وفي مضمار الأخلاق، وإمّا أن تكون قدرته قد نفدت، وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن السابع، والمجتمعات التي تلته ممّا هي مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم.. ومع ذلك فإنّ المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة.. وهم يظنّون أنّ مشاكل القرن العشرين يمكن أن يستوعبها، وينهض بحلّها، نفس التشريع الذي استوعب، ونهض بحل مشاكل القرن السابع، وذلك جهل مفضوح))..

وبإيراد النص كاملاً يتّضح غرض هؤلاء المشائخ، فهم قد بتروا أوّل الموضوع، ووقفوا دون آخره، ليُخرِّجوا على حديثنا أنّنا نعترض على التشريع الإسلامي، مع أنّ النص بتمامه يوضح أنّنا ندعو إلى التشريع الإسلامي الذي يسع، ويوجه طاقات الحياة الحديثة.. وهذا التشريع لا سبيل إليه إلا بتطوير شريعة القرن السابع من آيات الفروع إلى آيات الأصول.. أو قل من الشريعة إلى السنة.. وذلك لأن النبي الكريم لم يكن من مجتمع القرن السابع، وإنّما كأنْ قد جاءه من مجتمع القرن العشرين، ولذلك كانت شريعته فوق شريعة مجتمع القرن السابع.. ومن أجل هذا دعونا المجتمع الكوكبي المعاصر ليطبّق سنّة النبي الكريم، وذلك أمر قد ورد تفصيله في العديد من كتبنا، فليلتمس في مصادره..

((مواصلة الموضوع في الكتاب الثاني))

الأخوان الجمهوريون
أم درمان ـ ص. ب ١١٥١ ـ ت ٥٦٩١٢
الطبعة الثانية ١١ فبراير ١٩٧٦م ١١ صفر ١٣٩٦ﻫ