((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




التهافت

مقـدمة

مقـدمة


لقد كنا طوال حركتنا من أجل بعث الإسلام بإحياء السنّة، نسعى سعيا حثيثا ومتواصلا من أجل إزالة كل العقبات التي تقف أمام عودة الإسلام.. ولقد تكشّف لنا من ممارستنا الطويلة في هذا المجال إن من أسموا أنفسهم "رجال الدين" سواء أكانوا في "القضاء الشرعي" ـ أو الجامعة الاسلامية، أو "المعاهد العلمية" أو الشئون الدينية، هم أكبر عقبة أمام عودة الدين وأمام انتشار الفهم الصحيح للدين.. وما ذاك، الاّ لأنهم يسيئون تمثيل الدين، ويرسمون له صورا شائهة ومنّفرة ومزّيفة. ولقد وكدنا مرارا أنهم، بصنيعهم هذا، قد أيأسوا شبابنا من الدين، ودفعوه ليلتمس حلول مشاكل بلاده في مذهبيات أخرى، وعلى رأسها الشيوعية.. ولن تعود للدين مكانته في صدور الأذكياء والمثقفين والصادقين إلاّ إذا تبيّن لهم، وبصورة حاسمة وجلية، أن الدين ومن يسمون "برجال الدين" على طرفي نقيض..
وإسهاما منّا في هذا التبيين، فسنتناول في كتيبنا هذا "نشرة دينية" صدرت بتاريخ 1 فبراير 1976م من "علماء السودان الى جميع إخوانهم أئمة المساجد والوعاظ في جمهورية السودان الديمقراطية" ومما يجدر ذكره أن هؤلاء العلماء، بزعمهم، الذين وقّعوا على هذه النشرة الدينية، هم نفس العلماء الذين رفعوا تلك المذكرة البائسة بتاريخ 3/1/1976م الى السيد رئيس الجمهورية، إلاّ أنّه قد انضم إليهم في هذه المرة حفنة ممن هم على شاكلتهم خافوا أن يفوتهم شرف المغانم المتوهمة، وما علموا أنهم قد سجّلوا أسماءهم في قائمة العار، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين..
ولقد سارت هذه "النشرة الدينية" على نفس الطريق الذي سارت عليه "المذكرة" فجاءت بنفس الأكاذيب والتخرصّات والأراجيف.. ولما كنا قد تناولنا بالتفنيد كل ما جاء في تلك المذكرة في كتابنا "علماء بزعمهم.." الكتاب الأول، والكتاب الثانى، وفى كتابنا "ليسوا علماء السودان وانما علماء اخر الزمان" فإننا لن نرد على الأكاذيب التي طفحت بها "النشرة الدينية"، وإنما سنحيل القارئ الكريم للكتب التي ذكرناها، ليعرف قلة الورع "وقلة الحياء" وقلّة الدين التي يتمتع بها هؤلاء العلماء، بزعمهم، وليتبيّن الكذب الصراح والتضليل الفاجر الذي يمارسونه باسم الدين مستغلين في ذلك بساطة وسذاجة الطيبين من شعبنا الذين يرتادون المساجد محبّة في الدين ولأداء ما فرضه الله عليهم، فلا يجدون ممن يدّعون أنهم أئمتهم ووعاظهم الاّ الكذب والتضليل والخوض في الأعراض الطاهرة الذكية..
وحتى لا نتهم بإلقاء القول جزافا فسنورد نصا كاملا لهذه "النشرة الدينية" التي تليت من منابر المساجد والصقت على ابوابها وحيطانها، تماما، كما كانت تفعل الكنائس أيام محاكم التفتيش.. ألم ينذر النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، قائلا ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع.. حتى لو دخلوا جحر ضب خرب، لدخلتموه.. قالوا أاليهود والنصاري؟ قال فمن؟؟)) بلى قد أنذر.. وها هم علماء آخر الزمان يحققون هذه النذارة.. وسيكون ردّنا على ما جاء في هذه "النشرة الدينية" من أكاذيب وأراجيف هو مجّرد إيرادها كاملة.. وستكون هي أبلغ رد على نفسها.. أما ما جاء فيها من تحريض للناس للعبث بالقانون ولإقامة دولة داخل الدولة، وأما مسئولية الشئون الدينية عن هذا العمل الأخرق، فهما ما سنتجه لمعالجتهما بعد أن نورد نص "النشرة الدينية" كاملا، وبعد أن نتعرّض بصورة موجزة لتهمة عمالة الإخوان الجمهوريين لجهة أجنبية، وذلك كنموذج لمستوى الكذب والفجور الذي هو حظ هؤلاء العلماء من الدين..

بسم الله الرحمن الرحيم
"نشرة دينية"
من علماء السودان الى جميع إخوانهم أئمة المساجد والوعاظ في جمهورية السودان الديمقراطية..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم رسله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله واصحابه أجمعين... أما بعد
فهذه نشرة دينية صادرة من علماء السودان الى جميع إخوانهم أئمة المساجد والوعاظ في جميع أنحاء جمهورية السودان الديمقراطية..
ورجاؤنا أن تبينوا للناس في خطب الجمعة والدروس الدينية خطورة الكفر والإلحاد الذي يعمل على نشره في البلاد ذلك الضال الكافر محمود محمد طه وأتباعه، وان أفكاره الفاسدة التي أملاها عليه أعداء الإسلام تهدد ديننا وتعمل على إفساد الشباب والشابات من أولادنا..
وهذا الرجل الزنديق قد إدّعى الرسالة وزعم أن رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غير صالحة لهذا الزمان – ولهذا فهو يدّعى أن رسالته الجديدة التي جاء بها هي الصالحة وان رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قد إنتهى العمل بها.
ومن المعلوم أنه ادّعى أن هذه الصلاة وهي الصلاة التي يؤديها المسلمون قد رفعت عنه لأنه وصل الى درجة الرسالة فلا يصح له أن يقلد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة لأنه في مستواه أو أزيد منه وأوهم الجهّال من أتباعه بأنهم أفضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فهل يصح أن يكون هؤلاء الصعاليك خيرا من الخلفاء الراشدين والإئمة الكبار من سلف هذه الأمة.
وهو يدّعى أن شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شريعة سلفية أى إنتهى العمل بها الآن وأن علماء المسلمين اليوم في السودان وفى الأزهر وفى السعودية وفى كل بلاد العالم الإسلامي علماء سلفيون أي متأخرون ومتخلفون – ولهذا فإنه يطالب بإلغاء أى مؤسسة اسلامية تقوم على نشر رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فهو يطالب بإلغاء الجامعة الاسلامية، والجامع الأزهر ووزارة الشئون الدينية والقضاء الشرعي.
ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة من أخطر الدعوات الهدّامة التي قامت لهدم الدين الإسلامي ومبادئه الكريمة. وخاصة في السودان الذي عرف عنه أنه أعظم بلد إسلامي وأن أهله من خيار المتمسكين بالإسلام.
وفى عام 1968 ميلادية حكمت عليه المحكمة العليا الشرعية بالخرطوم بأنه مرتد عن الإسلام ومارق من الدين لهذه الأفكار الخبيثة التي ينادي بها بين المسلمين ليضّل شبابهم ويغوي ابناءهم، وكانت افكاره هذه الملحدة والخطيرة على المسلمين موضع اهتمام العالم الإسلامي.
ففي مكة المكرّمة قد انعقد المجلس التأسيسى لرابطة العالم الاسلامي الذي يضم ممثلين من العلماء من كل دولة اسلامية وقد حكم المجلس بالإجماع بأن محمود محمد طه مرتد عن الإسلام وأنه يجب على المسلمين أن يعاملوه معاملة المرتدين وتجب مصادرة كتبه ومنع طبعها.
وقد أرسلوا بذلك خطاب للمسئولين في السودان ينبّه الى خطورة هذه الدعوة على المسلمين وكذلك قد وقع كتاب الكفر والضلال المسمى بالرسالة الثانية لمحمود محمد طه وقع في أيدي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فأرسلوا خطابهم أيضا الى المسئولين في الشئون الدينية بالسودان بعد الحكم على محمود محمد طه بالكفر والإرتداد عن الإسلام وأن هذا هدم للدّين الإسلامي.
وقد اتضح لنا أن محمود محمد طه عميل لجهة أجنبية تعمل في الخفاء لمحاربة الإسلام وتسخّر بعض المنتسبين اليه ليهدموه.
ومن خبث هذه المؤامرة المدبرة في الخفاء أن تجعل محمود محمد طه يوهم المغفلين المضلّلين بأن هذا الكفر الذي ينادي به هو الإسلام وأنه رجل مخلص يعمل لمصلحة البلاد. فهو ينادي بأن هذه الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا تصلح لهذا العصر ولذلك فإن محمود محمد طه جاء ليجدّدها ويطوّرها بحيث تساير العصر الحديث وحكم الشريعة الاسلامية فيه أنه واجب قتله في الحال فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بدّل دينه فاقتلوه" وإذا كان هذا هو حكم المرتد عن دينه فما بالكم بمن يعمل على إرتداد المسلمين وإضلالهم وإزالة الإسلام من السودان قلب أفريقيا النابض وأقوى البلاد الإسلامية في الحفاظ على الإسلام والعمل به ولقد قتل المسلمون الأولون أدعياء النبوة الكاذبين فقد قتلوا مسيلمة الكذاب الذي كان قد أدعى النبوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله الصحابة في عهد الصديق أبى بكر رضى الله عنه.. وقاتلوا اتباع مسيلمة الكذّاب حتى أعادوهم الى حظيرة الإسلام – وقد أهدّر النبي صلى الله عليه وسلم دماء المارقين عن الإسلام المحاربين للدعوة الإسلامية فقد ورد أن يهودية كانت تؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل الرسول ذمتها.
وروى أن أعمى كانت له أم ولد تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها وجاء زوجها حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال لى منها ابنتان مثل اللؤلوتين وكانت بي رفيقة فلما كانت البارحة جعلت تؤذيك وتقع فيك اتهاما فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الا أشهدوا أن دمها هدر. وروى الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من يتكّفل لنا بقتل أبى الأشرف) أى من يندب لقتله فقد آذى الله ورسوله فأرسل اليه من قتله وهو محمد بن سلمة الأنصاري.
وفى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل عبد الله بن خطل لأنه كان يؤذي رسول الله فجاءه رجل فقال إبن خطل متعلق بأستار الكعبة فاستخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه بين زمزم ومقام إبراهيم..
وكانت دماء هؤلاء هدرا لأنهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال دعوته الإسلامية أما الذين كانوا يؤذونه لشخصه فكان يعفو عنهم حلما وكرما.
ومحمود محمد طه آذى رسول الله حيث أتهمه بالتقصير في تبليغ الرسالة فاتهمه بالخيانة في عدم تبليغ أصول القرآن وأحكامه.. وأخطر من ذلك أنه يعمل على هدم دعوته والقضاء على دينه. ولما كانت أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية غير معمول بها الآن فلم تطبق قوانينها على هذا الكافر فقد رفعنا مذكرة الى المسئولين بمعاقبة محمود محمد طه بالسجن المؤبد إبعادا له عن الجماهير لئلا يضلّهم ويفسد عليهم دينهم وبمحاربة النشاط الهدّام الذي يقوم به هو واتباعه خدمة للمبشرين والمستعمرين..
ونحن نطالبكم ببيان حقيقة هذا الكافر للناس ومناشدتهم الاّ يمكنوه ولا يمكنوا أتباعه من التحدث في المساجد والمحافل أو الأماكن العامة والخاصة وأن يمنعوا كتبه من التداول بين الناس وأن يقدموا كل من يحاول من أتباعه أن يتحدث أو ينشر كتبا أن يقدموه لأقرب مركز بوليس إليهم وذلك أضعف الإيمان تلك مسئولية خطيرة حمّلها الله تعالي لنا..
وفقكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله..
علماء السودان عنهم..
مجذوب مدثر الحجاز - محمد الفاتح قريب الله – الأمين داؤود - يوسف ابراهيم النور – محمد الخليفة الهادي – يوسف الترابي – محمد العبيد وقيع الله – محمد عبدالله العمرابي – السيد قمر الأنبياء محمد عوض – يوسف حامد العالم – عبدالسلام عبدالقادر الجعلي – ابراهيم زين العابدين – السيد الحاج محمد الدوش – أحمد الحاج على الأزرق – حسن الفاتح قريب الله – محمد عثمان الحسن صلاح – زين العابدين العبد محمد النور – محمد على الطريفي – سليمان محمد أحمد – البشير محمد البشير يوسف – الأمين محمد المحيسي – حسن محمد أبو أذنين – محمد الحافظ المرزوق – محمد ادريس موسى – ادريس جمعة ضرار – عثمان سرالختم – محمد على الفكي – بشير عباس مصطفى – أحمد محمد الفكي – عبدالوهاب عبد الحميد السرّاج – خالد آدم بن الخياط – الصديق محمد أحمد – عبد الجليل النذير الكاروري – حسين عبد القيوم – أحمد الختم عبد الله – محجوب عبدالقادر الرّيح – سيد احمد عثمان الحاج – مصطفى حسين وقيع الله – بابكر أحمد أبو شيبة – محمد مالك القاضي – محمد مصطفى رملي – مبارك أحمد رحمة - عبدالله يوسف أبوسن – بابكر الأمين الدرديري – سليمان محمد كرم – خالد حامد خوجلي – عبدالحميد محمد عبد الحميد – حامد على بيان – يوسف طه محمد – جاويش محمد الطيب – حبيب الله عبدالله حبيب الله – حسين محمد زكي.
التاريخ 1 صفر سنة 1396 هـ
الموافق 1 فبراير 1976م