عالم الغد وما أدراك ما عالم الغد!؟ عالم واحد، تحكمه حكومة واحدة يسوده قانون واحد، تسكنه إنسانية واحدة، تقوم علائقها على العدل والرحمة، ويسعها السلام والحب، ويحركها للعمل حب الخير والجمال، فتعمر الخراب وتخصب اليباب وتعيد الفردوس المفقود من الأرض، وتفجر ينابيع الحب والجمال في قلب كل رجل وكل امرأة

محاضرة للأستاذ محمود محمد طه بنادي أمدرمان الثقافي سنة 1953م


طريق محمد

تـمـهـيـد

بسم الله الرحمن الرحيم
((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا))
صدق الله العظيم


تـمـهـيـد


إن دولة القرآن قد أقبلت، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا مُحمّدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله..
لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلا، في نشر الدين الحق، ولقد ربّت رجالا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينـها وخلقهـا وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائـخ، وليس لها غير مُحمّد..
ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـــ طريقة مُحمّد ـــ إذ بتقلّيد مُحمّد تتوحد الأمة ويتجدّد الدين، ونحـن، إذ نخـرج هذا النمـوذج من طريقة مُحمّد، إنما نفعـل ذلك على سبيل المثال، لا على سبيـل الاستقصاء، وهـو نموذج قـد يغني كثيرا من السالكيـن، ريثما تتفتح لهم آفاق الحقيقة المُحمّدية..
إننا نوصي بإدمان الاطلاع، على كتب الأحاديث، وكتب السيرة، ونخص بالذّكر صحيح البخاري، لمن أراد أن يتوسع عما جاء في هذا النموذج.. والله ولي التوفيق..
كان الجمهوريون قد أصدروا البيان التالي: -
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1384 الموافق 27/4/1965
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحزب الجمهوري
إلى الرّاغبين في الله، السالكين إليه، من جميع الطرق ومن جميع الملل..
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد، فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم بعث الله مُحمّدا داعيا إليه ومرشدا ومسلّكا في طريقه.. وقد انغلقت اليوم بتلك الاستدارة الزمانية جميع الطرق التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله، وموصلة إليه، إلا طريق مُحمّد.. فلم تعد الطرق الطرق ولا الملل الملل منذ اليوم..
ونحن نسوق الحديث هنا إلى الناس بوجه عام، وإلى المسلمين بوجه خاص، وإلى أصحاب الطرق والمتطرقين من المسلمين بوجه أخص..
إن أفضل العبادة على الإطلاق قراءة القرآن، وأفضله ما كان منه في الصلاة، وطريق مُحمّد الصلاة بالقرآن في المكتوبة وفي الثلث الأخير من الليل.. كان يصلي ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة لا يزيد عليها.. وكان يطيل القيام بقراءة طوال السور، أو بتكرار قصارها، أو بتكرار الآية الواحدة حتى تورمت قدماه..
إن مُحمّدا هو الوسيلة إلى الله وليس غيره وسيلة منذ اليوم.. فمن كان يبتغي الي الله الوسيلة التي توسله وتوصله إليه، ولا تحجبه عنه أو تنقطع به دونه، فليترك كل عبادة هو عليها اليوم وليقلّد مُحمّدا، في أسلوب عبادته وفيما يطيق من أسلوب عادته، تقلّيدا واعيا، وليطمئن حين يفعل ذلك، أنه أسلم نفسه لقيادة نفس هادية ومهتدية..
إن على مشايخ الطرق منذ اليـوم، أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومُحمّد، وأن يكون عملهم إرشاد الناس إلى حياة مُحمّد بالعمل وبالقول فإن حياة مُحمّد هي مفتاح الدين.. هي مفتاح القرآن، وهي مفتاح ((لا إله إلا الله)) التي هي غاية القرآن، وهـذا هو السـر في القـرن في الشهادة بين الله ومُحمّد ((لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله))..
وحياة مُحمّد مرصودة في كتب الأحاديث وخصوصا صحيح البخاري، وسيخرج الحزب الجمهوري نشرة بها إن شاء الله..
هذا ما أذاعه الجمهوريون في ذلك التاريخ والآن وفاء بما قطعنا على أنفسنا من عهد، ها نحن نخرج النشرة التي وعدنا بها..



بسم الله الرحمن الرحيم
((ومن الليل فتهجّد به، نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا))
((قل إن كنتم تُحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله))

عندما انتشر الإسلام وساد حياة الناس، كان النبي هو إمامهم ووسيلتهم إلى الله، ولم تكن الدنيا أكبر همهم.. بل كانت الدنيا عندهم مطية الآخرة كما علمهم النبي، ثم لما لحق النبي بربه سار الأمر على ذلك خلافة الشيخين وصدرا من خلافة عثمان، وفي أخريات خلافة عثمان بدأ حب الدنيا يشغل قلوب الناس، حتى إذا جاء عليٌّ عقب مقتل عثمان، وأراد أن يرد الأمر إلى ما كان عليه على عهد الشيخين، دفع حب الدنيا الناس إلى خذلانه ونصرة معاوية عليه، وأصبح أمر الدنيا بذلك عاليا على أمر الدين، وصارت الخلافة على يدي معاوية ملكا عضوضا، كما أخبر بذلك النبي، وقد عهد معاوية بأمر المؤمنين إلى ابنه يزيد، وجعل هذا الأمر وراثة في عقبه من بعده، ولقد قتـل علي بن أبي طالب في زمن معاوية، ولقد قتـل الحسن بن علي.. وعلى يدي رجال يزيد بن معاوية، قتل الحسين بن علي، وقتل من أبناء على عدد كبير.. ثم لم يزل أمر الدنيا عاليا، وأمر الدين منحطا بين الناس.. وكلما قام لنصرته قائم من أبناء عليٍ خذله الناس ونصروا عليه أعداءه من الأمويين ثم من العباسيين، حتى استيأس أنصار الدين من صلاح أمر الناس، ففروا بدينهم إلى المغاور، والكهوف، والفلوات يقيمونه في أنفسهم، وينشرونه بين الراغبين فيه ممن حولهم، من غير أن يتعرضوا إلى منازعة السلطة الزمنية، فنشأ بذلك التصوف الإسلامي، وظهر مشايخه ممن أخذوا أنفسهم بتقليد سيرة النبي، من قبل أن يبعث، حين كان يتحنث في غار حراء، وبعد أن بعث.. فظهرت معارف الدين وأسراره، وأنواره، عليهـم وعلى مريديهم، وكانوا هم حفظة الدين وعلماءه ومرشدي الناس إليه، واضطلعوا بدورهم العظيم هذا زمنا طويلا، مما لا تزال بقاياه، في التربية والإرشاد، ظاهرة إلى يوم الناس هذا، في بعض تلك البقع المباركة، التي يحفظ فيها القرآن الكريم، ويسلك فيها المريدون..
إن التصوف الإسلامي، في حقيقته، هو تقلّيد السيرة النبوية..
فالنبي، في خاصة عمله، قبل البعث، وبعد البعث، هو عمدة الصوفية، وإن كان اسم الصوفية لم يظهر إلا مؤخرا.. فالصوفية، في حقيقة نشأتهم هم أنصار السنة المُحمّدية، ولقد ازدهر التصوف في القرون السبعة التي تلي القـرن الثالث، وكانت قمتـه في القرنين السادس والسابع، ثم لحـق التصـوف من التبديل، والتغيير، والضعف ما لحقه، مما نراه الآن، وهـو، على ما هو عليه، من هذا الضعف، وهذا الانحراف عما كان عليه السلف، أقرب إلى الدين، من كثير من المظاهر الكاذبة، التي تدَّعي الدين وتعيش باسمه..
هذا ما كان من أمر أصحاب الدين ـــ أصحاب علي بن أبي طالب وأبنائه من بعده..
وأما ما كان من أصحاب الدنيا ـــ أصحاب معاوية ـــ الذين بدأ عهدهم بانتصار معاوية، وهزيمة علي، فإنهم أخذوا ينظمون دنياهم وفق الشريعة الإسلامية، حتى إذا اتسعت وزاد إقبالهم عليها وتشعبت حاجاتهم فيها، نشأ الفقه الإسلامي، وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد، حتى أسرف على الناس في أخريات الأيام وبعد بهم عن المعين واهتم بالقشور وفرط في اللب فأصبح صورا تحكي الدين بلا دين وجاء الفقهاء الذين يعيشون للدنيا ويأكلونها باسم الدين..
والآن، فإن مسالك الدين قد انبهمت على الفقهاء، وعلى أصحاب الطرق، على تفاوت بين الفريقين في ذلك، وأصبـح الناس في الجاهلية الثانيـة، التي أشار إليهـا، إشارة لطيفة، قولـه تعالى ((ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)) ولقد غربت شمس الشريعة الإسلامية، منذ حين، وطال ليلها، وتوشك أن تشرق من جديد، بصبح جديد..
إن مُحمّدا قد أخرج الناس، بفضل الله، من ظلام الجاهلية الأولى إلى نور الإيمان، وهو سيخرجهم، بفضل الله، من ظلام الجاهلية الثانية إلى ضياء الإسلام، وسيكون يومنا أفضل من أمسنا، وسيكون غدنا ((ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))
إن غدنا هذا المأمول ـــ غد البشرية جميعها ـــ لا يعدنا له، ولا يرقينا فيه، مرشد أقل من مُحمّد المعصوم، ولقد خدمت الطرق الصوفية غرضا نبيلا، وقامت بـدور عظيم، في حفظ الدين وإرشاد الناس، ولكنها أقل من أن تنهض بأعباء هذا الغد، ولا بد إذن من الأخذ بالطريقة الجامعة للطرق كلها، طريقة مُحمّد، فإنه قد قال ((قولي شريعة وعملي طريقة وحالي حقيقة))..
هذا المضمون هو ما عنيناه في منشورنا الأول حين قلنا ((إن مُحمّدا هو الوسيلة إلى الله، وليس غيره وسيلة منذ اليوم))..
وأمر الجاهلية الثانية، التي تعيشها البشرية المعاصرة في هذه الآونة، بالمقارنة إلى الجاهلية الأولى، التي عاشتها البشرية قبل أربعة عشر قرنا، وما كان من ضرورة البعث المُحمّدي الأول، وما يكون من لزوم البعث المُحمّدي الثاني، هو ما عنيناه في نفس ذلك المنشور حين قلنا ((أما بعد، فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم بعث الله مُحمّداً، داعيا إليه، ومرشدا ومسلّكا في طريقـه، وقد انغلقت اليوم، بتلك الاستدارة الزمانية، جميع الطرق التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله، وموصلة إليه، إلا طريق مُحمّد.. فلم تعد الطرق الطرق، ولا الملل الملل، منذ اليوم))..
هذا هذا، بخصوص الطرق، وأما الملل، فإن اليوم يؤرخ بداية تنفيذ وعيد الله حين قال، جل من قائل ((ومن يبتغ غير الإسّلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين))..
إن مُحمّدا ليس غايبا اليوم، وإنما نحن غافلون عنه لجهلنا به، ولذلك، فقد دعونا مشايخ الطرق المعاصرين أن يكونوا مرشدين لأتباعهم إلى سيرة النبي، في عبادته، وفي عادته، بأفعالهم، وبأقوالهم فقلنا ((إن على مشايخ الطرق، منذ اليوم أن يخرجوا أنفسهم من بين الناس ومُحمّد)) وأردنا بذلك إلى دعوتهم أن يحيلوا أتباعهم على النبي، ليكون شيخ الجميع، ومرشد الجميع، وأن تنشأ بينهم، من علائق المحبة المتبادلة، والاحترام المتبادل، ما يكون بين زملاء الطريق، ورفقاء السفر إلى الحج الأكبر..
إن هذه الدعـوة، إلى العـودة إلى مُحمّد، التي نقـدمها تحقـق، في أول الأمـر، وحدة الأمـة، وتحـررها من الطائفية، التي هي آفـة الآفات، وذلك بجمعها على تقليـد رجل واحد، هو مثلنا الأعلى.. ثم إنها، في آخـر الأمـر، تجعل ((لا إله إلاّ الله)) ثـورة فعالة، في صـدور الرجال والنساء، كما كانت في العهـد الأول، حيـن نادى بها مُحمّد في المجتمـع المكي.. ويـومئذ تتوحّد الأمة باجتماعهـا على الله عن معرفة ويقيـن..
إننا قد استيقنا من أنه بتقلّيـد مُحمّد تتوحّد الأمة ويتجدد دينها، ولذلك فإنا قد جعلنا وكـدنا تعميق هذه الدعـوة، ونقـدم فيما يلي نموذجا يعيـن كل من يريـد أن يتخـذ إلى الله سبيـلا..