في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

طريق محمد

صيام مُحمّد


وكان النبي يستعين على تجويد الصلاة بالصوم، كما كان يستعين على تصحيح حاله في الرضا بالصلاة، كما أمر تعالى ((استعينوا بالصبر والصلاة)).. وذلك لأن الصوم يصفي الخواطـر، ويقلل النوم، ويزيد شفافية النفس لتستقبل أنوار الروح أثناء الصلاة، كما أنه يقوي أنوار الروح، فقد قال المعصوم ((الصوم ضياء والصلاة نور)) ولم يكن صومه عادة، وعلى صورة واحدة وإنما كان ينوعه أيضا، فقد كان يتحرى الاثنين والخميس، كما كان أكثر صيامه السبت والأحد، وكان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان لا يدع صوم الأيام البيض في سفر ولا حضر، وروي أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، لا يبالي من أيه صام.. من أوله أو وسطه، أو آخـره.. وفي غيـر الصـوم، كان يقلل من الأكل، وقال ((نحـن قـوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع))..
هذه هي عبادات النبي، أما ما قاله لغيره من عبادات أو أدعية، فهي شريعة وليست سنة النبي التي هي سمته الذي لزمه في عاداته وفي عباداته، من لدن بعث وإلى أن لحق بربه.. وقد أمرنا باتباعه فيها فقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وصلاته كانت هيئة وحضورا، فمن أخذ الهيئة ولم يراقب الحضور فما رآى النبي، كما أنه لم يصل فقد ورد ((ربّ مصل لم يقم الصلاة)) وكان النبي يفرغ قلبه للصلاة من أي شاغل، حتى إنه نزع قبال نعله الجديد لذلك، كما نزع قميصه، وكانت صلاته مرقاة ومعراجا يفزع إليها كلما حزبه أمر، يرتاح بها، وفيها قرة عينه.. وآية إقامة الصلاة أن تنعكس في سيرة المصلي وفي سريرته فتؤثر على جميع معاملاته للناس، وعلى أخلاقه..

شمائل مُحمّد


لقد قال النبي ((إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)) وقال ((الدين المعاملة))..
وقد كانت حياة النبي كلها خيرا وحضورا وفكرا، في كل ما يأتي وما يدع، وكما كانت عبادته فكرا وتجديدا، لا عادة فيها، كذلك كانت عاداته بالفكر عبادة ووزنا بالقسط.. فقد كان يقدم الميامن على المياسر ويحب التيامن، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما.. وكان في جميع مضطربه على ذكر وفكر، فهو لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وكذلك كان نومه وأكله ولبسه، حتى كانت حركاته تجسيدا لمعاني القرآن، وكان من ثمرات صلاته وفكره وذكره في جميع حالاته، حلاوة شمائله التي حببته إلى النفوس، ووضعته مكان القدوة، إذ كان رءوفا رحيما بكل المؤمنين، يواسيهم ويترفق بهم، وكان سموحا لا يغضب قط لنفسه، وكان دائم البِشر سهل الخلق.. أرأف الناس بالناس، وأنفع الناس للناس، وخير الناس للناس، فكان يتلطف بخواطر أصحابه، ويتفقد من انقطع منهم عن المجلس، وكان كثيـرا ما يقـول لأحـدهم ((يا أخي وجـدت مني أو من إخواننا شيئـا؟؟)) وكان يباسط أصحابه، حتى يظن كل منهم أنه أعزّ عليه من جميع أصحابه، وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من البشاشـة، حتى يظن أنه أكرم الناس عليه، وكان لا يواجـه أحدا بما يكره، ولا يجفـو على أحد مهما فعل، ويقبـل عذر المعتذر مهما كان فعله.. وقال أنس خادمه ((خدمت رسول الله عشر سنوات، فما قال لي لشيء فعلته، لمَ فعلته؟ ولا لشيء تركته، لمَ تركته؟)) ((وكان بعض أهله إذا لامني، يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان))..
وكان يقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، ولم يكن يتميز على أصحابه أو يستخدمهم، ولا حتى يدعهم ينفردون بالخدمة بحضـرته، وقد كان يعمل معهم في بناء المسجد، وفي حفر الخندق، ومشى على قدميه إلى بدر، حين كان يناوب بعض أصحابه على راحلته، وشارك أصحابه في إعداد الطعام بجمع الحطب، وحين قالوا له ((نكفيكه)) قال ((علمت أنكم تكفونيه، ولكني كرهت أن أتميز عليكم)) وحاول أحد أصحابه أن يحمل عنه متاعا كان يحمله من السوق لأهل بيته فأبى، وقال ((الرجل أولى بخدمة نفسه)) وكان يقول ((إن الله يكره من عبده أن يتميز على أصحابه)) وفي مرة قام بين يديه رجل، في بعض حاجته، فأخذته هيبته، فلجلج، فقال له ((هون عليك، فإني لست ملكا، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد)) فسكنت نفس الرجل، وأفصح عن حاجته، فقال المعصوم ((أيها الناس، إني أوحي إلي أن تواضعوا.. ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد وكونوا عباد الله إخوانا))
هكذا كان يسير بين أصحابه، ويشعرهم بقيمتهم وبكرامتهم ويربيهم تربية الأحرار.. وقد آن للمسلمين أن يكرموا أنفسهم ويحترموا عقولهم ويتحرروا من رق الطائفية ومن الوسائل القواصر بالرجوع إلى الوسيلة الواسلة.. الرءوف الرحيم.. فيلزموا سيرته وعبادته التي هي الصلاة بالقرآن، في المكتوبة وفي الثلث الأخير من الليل، وهي أمثل طريقة تغني عما يسمى بالبدع الحسنة، وعن المبالغات في مقادير العبادة، وعن استعمال السبح، وعن كل ما لم يفعله النبي.. فإن المسلمين، إن اتبعوا النبي على هذا النحو الواضح، تحررت ملايين الرؤوس المعطّلة، والأيدي المستغلّة، والنفوس المستعبدة، وعادت ((لا إله إلاّ الله)) جديدة طريّة، فعّالة في صدور الرجال والنساء، تبعث العزّة والكرامة والحرية..