في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تجديد الدعوة
إلى طريق محمد

الرسالة الثانية هي السنة!!


بعد أن واجهنا في الفصل السابق، وبالحجج الدامغة، غيرة الأشياخ الكاذبة على العرض النبوي، والتي تزّعم قيادها الشيخان: مجذوب مدثر الحجاز، ومحمد الفاتح قريب الله.. ونأتي الآن على كذبتهم الثانية التي تباكوا فيها بدموع التماسيح على الشريعة الاسلامية، حتى اضطروا في سبيل تقوية حبكة تآمرهم العجيب، أن يخرّجوا علينا ما يرمون به العرض الشريف بالخيانة من غير اعتبار لمكانته المشرّفة وذلك على حد قولهم: (ويلزم من هذا أيضا أن محمدا قد خان رسالة ربه الذي أمره بتبيين جميع القرآن اصوله وفروعه).. انتهى
ذهبوا هذا المذهب الضيق رغم توفر البينات التي تنفى أية شبهة حول هذا الأمر، الذي كان يقتضي منهم الحذر، كما كان يقتضي منهم الورع.. وهذه هي دائما الحالة مع هؤلاء النفر، الذين مردوا على الباطل، وتميزوا بطبائع معادية لكل مظاهر العلم، ومظاهر التقدم في هذا البلد! ولكن لا ضير، فإن وقت انتصار الحق على الإسفاف وعلى عدم الموضوعية قد أظلنا، يومها سيعلم (الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)!!
ندخل الآن على ما جاء في كتب الأستاذ محمود محمد طه، لندفع به الافتراءات الكاذبة، والتخريجات المغرضة، راجين من ذلك، وكمت كررنا كثيرا، أن نؤمّن مسيرة شعبنا حتى لا ينحرف به قطّاع الطرق عن المعين الصافي..
قال الأستاذ محمود محمد طه في كتابه (الرسالة الثانية من الاسلام) ما نصه: (والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار.. وإنما هم يعترضون على الشكل.. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة، تقتضي رسولا، يقتضي نبوة، وقد ختمت النبوة، بصريح نص، لا مرية فيه.. وإنه لحق أن النبوة قد ختمت، ولكنه ليس حقا أن الرسالة قد ختمت: ((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليما)).. ومعلوم أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.. ولكن النبوة ما هي؟؟ النبوة هي أن يكون الرجل منبأ عن الله، ومنبئاً عن الله.. أي متلقياً المعارف عن الله بواسطة الوحي، وملقيا المعارف عن الله إلى الناس، على وفق ما تلقى، وبحسب ما يطيق الناس.. فبمرتبة التلقي عن الله يكون الرجل نبياً، وبوظيفة الإلقاء إلى الناس يكون رسولا.. هذا هو مألوف ما عليه علم الناس.. ولكن هناك شيئا قد جد في الأمر كله، ذلك هو معرفة الحكمة وراء ختم النبوة بمعناها المألوف.. لماذا ختمت النبوة؟؟
أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبوة لم تختم حتى استقر، في الأرض، كل ما أرادت السماء أن توحيه، إلى أهل الأرض، من الأمر.. وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط، بحسب حكم الوقت، من لدن آدم وإلى محمد.. ذلك الأمر هو القرآن.. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة.. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك، جبريل - أن يتلقوا عن الله كفاحا - ذلك أمر يبدو غريبا، للوهلة الأولى، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول، ذلك بأن القرآن هو كلام الله، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا، ولكنا لا نعقل عنه.. السبب؟ أننا عنه مشغولون.. قال تعالى في ذلك: ((كلا‍‍!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  كلا!! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)).. وإنما جاء القرآن بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، ليرفع ذلك الرين، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن، فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القرآن، بالقدر الذي وعى عن الله)..
وجاء عن الأستاذ محمود محمد طه، وفي صفحة 17 من كتابه "الرسالة الثانية" الطبعة الرابعة، ما يقطع به لسان كل خطيب وذلك من قوله: (إن محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء)..
ثم يذهب الأستاذ محمود محمد طه، في اتجاه الحسم من كتابه "طريق محمد" فيقرر: (ويؤخذ من دقائق حقائق الدين أن نبينا رسول الأمتين: الأمة المؤمنة - الأصحاب -.. والأمة المسلمة - الأخوان -.. وأنه بذلك صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية.. أو قل الرسالة الأولى الشريعة التي فصلها للأمة، والرسالة الثانية السنة التي أجملها، ولم يفصلها إلا في معنى ما مارسها، وعاشها دما ولحما..)
وورد عن الأستاذ محمود محمد طه، أيضا، في كتاب "الرسالة الثانية" الطبعة الرابعة، ما نصه: (فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. هي مخاطبته هو على قدر عقله.. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس)
وجاء في صفحتي 16، 17 من كتاب "الرسالة الثانية"، الطبعة الرابعة، سنة 1971 ما نصه: (ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة.. وهي أمة الرسالة الثانية.. وهذه الأمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى، على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم، وخاتمهم، النبي، الأمي، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهو قد بشر بمجيء هذه الأمة المسلمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة). ثم يمضي السياق فيقول: (إن محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء)..
نضيف أيضا لتلك النصوص القاطعة، ما جاء عن الأستاذ محمود محمد طه، في كتابه "الرسالة الثانية من الاسلام" الطبعة الرابعة، وهي الطبعة التي نقل منها الأشياخ ما أرادوا تشويهه بتخريجهم الفاسد، ومن غير أن يلتفتوا إلى ما يعينهم على الفهم، وعلى تحرى الحق، والصدق.. يقول الأستاذ: (وقد بلغ المعصوم كلتا الرسالتين، بما بلغ القرآن وبما سار السيرة، ولكنه فصل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى، والرسالة الثانية، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا، ومن ذلك، بشكل خاص، تشريع العبادات، ما خلا الزكاة ذات المقادير)..
ويقول الأستاذ محمود محمد طه، في كتابه: "تعلموا كيف تصلون"، الصفحة 97، عن البعث الإسلامي المرتقب: (هذه البشرية التي سيجيئ منها ((الأخوان))، رسولها ((محمد)) وكتابها القرآن، ودينها الإسلام)..
وجاء عنه أيضا، في كتاب "الإسلام وإنسانية القرن العشرين"، ما نصه: (لقد جاء محمد، في العهد المكي بنبوة أحمدية ورسالة أحمدية، فدعا إلى الإسلام، فلم يستجب له، وذلك لحكم الوقت المتمثل يومئذ في قصور المجتمع، فامر بالهجرة، وجاء عهد المدينة، وسحبت (الرسالة الأحمدية)، فاستبدلت (بالرسالة المحمدية) فأصبح محمدا ذا (نبوة أحمدية) و(رسالة محمدية) فيدعو إلى (الإسلام)، كما دعا أول مرة في العهد المكي، وسيستجاب له، هذه المرة، وذلك لحكم الوقت المتمثل اليوم في نضج المجتمع، واستوائه، وطاقته الفكرية، والمادية..
وستسأل وكيف يجيء محمد بنبوة أحمدية ورسالة أحمدية؟؟ وأجيب بأنه يجيء في قلوب، وعقول، وشمائل، الذين يحيون سنته، ويسيرون سيرته، ويظهرون كمالات أخلاقه للناس، بعد طول العهد، وانقطاع الإرشاد..) ثم يمضي الأستاذ في كتاب "الإسلام وإنسانية القرن العشرين" ليقرر في وضوح تام فيقول (القول بالرسالة الثانية من الإسلام لا يعنى أن في الأمر وحيا، ولا نبوة.. النبوة ختمت.. والحكمة في ختم النبوة، خير أريد بمن في الأرض، لا شر.. فإنما ختمت النبوة لأن البشرية قد تهيأت للأخذ من الله بلا واسطة.. البشرية تهيأت في جملة أفرادها، للعلم اللدني.. ولقد ختمت النبوة بمحمد الذي كانت حياته تجسيدا للأخلاق الالهية – تجسيدا للقرآن – وحياته اليوم هي مفتاح القرآن.. فمن ترسمها، وحاذاها، وأتقن تقليدها، فتح له في القرآن، فأخذ علمه من الله كفاحا.. الأمر وارد في القرآن: (واتقوا الله ويعلمكم الله).. ووارد في الحديث (من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم..) الناس اليوم إنما يستغربون حديثنا لجهلهم العظيم بدقائق حقائق الدين.. ولقد أنى لهم أن يتدبروا القرآن، بعد أن يتخذوا، لهذا التدبر، الوسائل الصحائح، وجماعها إتقان إتباع سنة المعصوم)..
والآن، وبعد هذه الاقتباسات المحددة من كتب الأستاذ محمود محمد طه، حول "الرسالة الثانية من الاسلام" والتي دفعنا بها في وجه التآمر، والاختلاق، والتشويه، فأتت على بنيان الشيخين من القواعد، حتى لم يبق منه الا! عاره الذي سيلاحقهما ما فتئا يسيران مع الهوى، وعلى غير الجادة..
إننا، ومن هذا المنبر، ندعو الشيخين: مجذوب مدثر الحجاز، ومحمد الفاتح قريب الله، كما دعوناهما في الفصل السابق، أن يعيرا حديثنا هذا ما يستحقه من العناية، والاهتمام، فيراجعا موقفهما، على مكث، وعلى تلبث، والاّ يفرطا في دينهما الذي يتمزق الآن أمام الأشهاد.. كان الله في عونهما، وهداهما سبيل الرشاد، فإنا ما نبغى بهما غير الخير، والخير العميم..
حاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا!؟
نعود بعد هذه الجولة السريعة، في متابعة أقوال، وأحاديث الأستاذ محمود محمد طه، المنشورة في بعض من كتبه، مثل، "الرسالة الثانية من الإسلام" و"طريق محمد" و"الإسلام وإنسانية القرن العشرين" وما إليها من كتب: "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري" و"أسئلة وأجوبة" ثم "تعلموا كيف تصلون".
نعود بعد أن واجهنا بمختارات من تلك الكتب ما زعمه الشيخان مجذوب مدثر الحجاز ومحمد الفاتح قريب الله، الذين افتريا، مع من أسموا أنفسهم "علماء السودان"، بلا ترو، ولا حذر، ما سبق أن نقلناه في مدخل هذا الكتاب ما سبق أن نقلناه في مدخل هذا الكتاب عن مذكرتهما التي قالت عن الأستاذ محمود محمد طه: (ومحمود محمد طه قد انتقص الرسول بل اتهمه بالخيانة وعدم التبليغ، وهذا أكبر انتقاص له صلى الله عليه وسلم) انتهى.. ثم تمادت في غيها فطالبت بـ (معاقبة محمود محمد طه حتى يقف عن تلك الأباطيل واستغلال السذج من الشباب، وبما أن الشريعة الإسلامية تقضى بوجوب قتله في الحال وتعتبر دمه هدرا، أي لا شيء على قاتله شرها لأذيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتهامه له بالخيانة وعدم التبليغ لأحكامه القرآن وأصوله) انتهى
وبفضل الله، ثم بفضل هذا البيان الوافي الذي نقلناه للقارئ، من كتب الأستاذ محمود محمد طه، تتضح الحقيقة، ناصعة وجلية للعيان، بعد أن حاول الشيخان ومن لف لفهما طمسها، وإخفاء معالمها! ونحن إذ نقدم للشعب السوداني، صاحب المصلحة الحقيقية هذه الوقائع، إنما نرمى من وراء ذلك، وكما كررنا كثيرا في هذا الكتاب، إلى حماية الشعب من التضليل، حتى لا يؤخذ على غرة، تحت لهجة وتأثير الأسماء الكبيرة الفارغة المحتوى، والتي اختارت لنفسها هذا المصير، وهذا الهوان..
إن القارئ العادي، سيندهش حين يرى رجالا كان يعدهم من الصالحين، أمثال شيخ الفاتح قريب الله وشيخ مجذوب الحجاز، يجردان قصدهما لافتعال الكذب ضد الأستاذ محمود محمد طه، بعد أن أعيتهم الحيل، فاستيقنوا العجز التام عن مواجهته في ميدان الدين، وفي ميدان الفكر.. هذه هي الحقيقة المرة مهما حاولنا تلطيفها بلائق العبارة، وبطيب الكلم.. فإلى متى تساق قطاعات من الشعب، سوق السوام، ضد مصلحتها، وضد مصلحة الدين نفسه؟؟ إننا لا نكاد نجد عذرا بعد اليوم، وبعد هذه التجربة المريرة، لمواطن يسلّم أمر دينه لمثل هذين الشيخين، وهما على ما رأينا من البعد والظلم..
أما أنتما أيها الشيخان، فعودا إلى الله، يرحمكما الله، بعد هذه الكبيرة التي تورطتما فيها، والتي لا يشفع لكما منها الاّ توبة نصوح، تصححان بها ما بينكما وبين الله من جهة، وما بينكما وبين الأستاذ محمود محمد طه والشعب السوداني من الجهة الأخرى..
إن الأستاذ محمود محمد طه يا هؤلاء، أغنى الناس عن المدح، وأزهدهم فيه.. ولكن لا بد أن نتحدث للشعب من خلالكما، حديثا يرد على شوارد افتراءاتكما، حتى تثوبا إلى الله.. فالأستاذ محمود محمد طه يمكن أن يوصف على نحو من وصفه صلى الله عليه وسلم بالريح المرسلة، بذلا، وعطاء، وبرا، وكلفا بالإنسان، وحرصا عليه، وترشيدا له، في محبة، وفي إخلاص، وفي إيثار، من غير أن يرى نفسه في عمل من الأعمال، أو ينظر إليها في وجه من وجوه البر، وإنما كله بالله ولله.. يعيش حياته المتواضعة، الممعنة في التواضع، في منزله الصغير، وفي حياته البسيطة غير المعقدة، حتى أن الداخل عليه، لأول مرة، لا يصدق أنه أمام الرجل الذي يبحث عنه، وذلك لفرط اعتياديته، وتواضعه، وكثيرا ما أندهش زواره وهم يشاهدونه يجلس على بقايا "فضلة" ما أكل عليه أصحابه، وزواره.. أفعن مثل هذا الرجل الذي يجسد صفات النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في اللحم وفي الدم، يقال مثل ما تقولتما عليه، ثم تدلفان إلى أهلكما مطمئنين إلى دينكما؟!
وقبل الآن!! فلا بد أنكما تعلمان أن الأستاذ محمود محمد طه، قد وقف وقفات خالدات، شرّفت الجهاد الوطني في هذا البلد، وكشفت عن صلابة ثورية في سبيل هذا البلد، وفي سبيل هذا الدين، أيام كان العمل من أجل البلد، ومن أجل الدين، جريمة يعاقب عليها القانون، ويساق بسببها الأحرار إلى ظلام السجون.. فكان أول سجين سياسي يشرف السجن، بجسارة المجاهد السوداني، الذي يسترخص كل شيء في سبيل دينه، ووطنه.. ثم هو، مع ذلك، يكره، ويتحرج، أن يتصدى لقيادة الشعب، وهو يظن بنفسه التقصير عما يجب أن يبلغ فلجأ إلى اعتكاف طويل بعد سجنه الثاني، مع نفسه، ليسوسها، حتى تسلم قيادها لله، فتدعو اليه على بصيرة في أمر الدين، وفي أمر الدنيا.. فكان له بفضل الله وحسن عنايته به ما أراد، ومما يستحق الذكر في هذه المناسبة، ما ورد عنه في جريدة الشعب يوم السبت 27/1/1951 حيث قال في إجابة لسائل يسأل عنه: (ولقد شعرت حين استقر بي المقام في السجن، أني قد جئت على قدر من ربي، فخلوت إليه.. حتى إذا ما انصرم العامان، وخرجت، شعرت بأني أعلم بعض ما أريد.. ثم لم ألبث، وأنا في طريقي إلى رفاعة، أن أحسست بأن على لأن أعتكف مدة أخرى، لاستيفاء ما قد بدأ.. وكذلك فعلت..
فهل حبسني ابتغاء المعرفة؟؟
لا والله!! ولا كرامة.. وإنما حبسني العمل لغاية هي أشرف من المعرفة.. غاية ما المعرفة إلا وسيلة إليها.. تلك الغاية هي نفسي التي فقدتها بين ركام الأوهام، والأباطيل.. فإن على لأن أبحث عنها على هدى القرآن - أريد أن أجدها.. وأريد أن أنشرها.. وأريد أن أكون في سلام معها، قبل أن أدعو غيري إلى الإسلام.. ذلك أمر لا معدى عنه.. فإن فاقد الشيء لا يعطيه.. فهل تريدون أن تعلموا أين أنا من ذلكم الآن؟؟ إذن فاعلموا: أني قد أشرفت على تلك الغاية، ويوشك أن يستقيم لي أمري على خير ما أحب..)..
هذا يا هؤلاء هو الأستاذ محمود محمد طه في تحنثه لله، وفي طلبه إلى رضاه، فهل يجد مؤمن في نفسه جرأة على تجريحه، تبلغ ما بلغتما من تكفيره وإهدار دمه؟؟ اللهم الاّ أن يكون محروما أو مطرودا، والعياذ بالله من غضب الله، والاّ فقولا لنا، وأنتما من مشايخة الطرق، أو بمعنى آخر، ممن يفترض فيهم التدقيق، لماذا لم تدخلا على أمره من باب حسن الظن الواسع، اتقاءا للظلم، وتجنبا للقول بالهوى؟؟ ألم يبلغكما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خصلتان ما فوقهما من الحسن شيء: حسن الظن بالله وحسن الظن بخلق الله، وخصلتان ما دونهما من الشر شيء: سوء الظن بالله وسوء الظن بخلق الله)؟؟
وبعد ذلك، فإن الأستاذ محمود محمد طه، دعا ولا زال يدعو الإنسانية قاطبة إلى الإسلام، وإلى القرآن كتاب الأجيال، فألّف وأخرج ما زاد على الثمانين مؤلفا، في سبيل شرح وتبيين دعوته، ليسلك الناس إلى الله على هدى، وعلى بصيرة، كما أقام في شرحها وتبسيطها آلاف المحاضرات، والندوات، التي ضربت شهرتها الآفاق، وبلغت أخبارها القاصي والداني من مواطني هذا البلد.. أفيقابل مثل هذا الصنيع بمثل ما فعلتما من إتباع للشيخ الأمين داود والشيخ حسين محمد زكى، وهما آخر من يتحدث عن الإسلام؟؟
نحن قد نجد العذر في الجهل، وفي عفوية الإتباع للفقهاء الذين يعيشون بعيدا عن القيم الدينية، ولكننا لا نجد العذر لكما، أو قولا، لا بدّ أن نشدّد النكير عليكما، لأنكما تزعمان التصوف، وتدعيّان التقوى!
إن على الشعب أن يعلم أن الطرق الصوفية التي كانت فيما مضى واسلة إلى الله وموصلة إليه، قد انغلقت اليوم بسبب من حكم الوقت وبسبب من حرص مشايخها على الدنيا وعلى نعيمها الزائل.. ومن أحسن ما يقال في هذه المناسبة، ما جرى به قلم الأستاذ محمود محمد طه في كتابه "طريق محمد" حيث قال: إن محمدا قد أخرج الناس، بفضل الله، من ظلام الجاهلية الأولى إلى نور الإيمان، وهو سيخرجهم، بفضل الله، من ظلام الجاهلية الثانية إلى ضياء الإسلام، وسيكون يومنا أفضل من أمسنا، وسيكون غدنا ((ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))
إن غدنا هذا المأمول - غد البشرية جميعها - لا يعدنا له، ولا يرقينا فيه، مرشد أقل من محمد المعصوم، ولقد خدمت الطرق الصوفية غرضا نبيلا، وقامت بدور عظيم، في حفظ الدين وإرشاد الناس، ولكنها أقل من أن تنهض بأعباء هذا الغد، ولا بد إذن من الأخذ بالطريقة الجامعة للطرق كلها، طريقة محمد، فإنه قد قال ((قولي شريعة وعملي طريقة وحالي حقيقة.))