في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تجديد الدعوة
إلى طريق محمد

الخاتمة:


مشايخ الطرق الصوفية


قد يتضرر بعض مشايخ الطرق الصوفية، من نقدنا، الذي ذهبنا فيه مع الشيخين، مذهب التعميم، حتى أصابت كلماتنا مشايخ لم يناصبونا عداء، ولم يحملوا ضدنا ضغينة.. وهذا حق، ولكن الحق الذي هو أكبر من هذا، يجعلنا نتساءل معهم: لماذا صمتم عن أداء الواجب في قول كلمة الحق، في الوقت الذي اشتغل فيه اثنان منكم بتحريف الكلم عن مواضعه، بسوء النقل حينا، وبسوء التخريج في أكثر الأحيان؟؟ ثم لماذا صمتم عنهما، وقد خرجا عن كل وقار، وعن كل مظنة رشد، حينما ذهبا من غير ورع في تكفير مسلم عرف للدين ولأمجاد الصوفية من علو القدر ومن سمو المكانة ما يجهلان؟؟ أكثر من ذلك فقد ذهبا، باسم مكانتهما الصوفية يدعوان للفتنة، ويهدران الدم، ويحرّضان على قتل الأبرياء، بلا حياء من الله ولا خجل من الناس، ولا حتى اعتبار للقانون. حصل كل ذلك، وعلى أردأ مستوى، وأسوأ مظهر، ثم لذتم أنتم بصمت رهيب، فماذا تريدون منا بعد ذلك؟؟ غير أن نسميكم بأسمائكم..
ونحن لا نناصبكم عداء، ولا نحمل ضدكم ضغينة، وإنما نحفظ لكم كل الود، وكل الوفاء، حينما ندعوكم إلى "طريق محمد" صلى الله عليه وسلم، وحين نطلب إليكم أن تخرجوا أنفسكم من بين الناس وبينه، وأن تحيلوا عليه إتباعكم، حت تكونوا جميعا زملاء طريق، ورفقاء سفر للحج الأكبر..
إن انغلاق الطرق اليوم عن مدد الإرشاد قد أصبح واضحا لا يحتاج إلى دليل، الاّ إذا أحتاج النهار إلى دليل، ودونكم ما فعل الشيخان مجذوب والفاتح وما فعلتم أنتم حتى استوجبتم وضعكم من قوله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون)
القرآن لم يكمل تبيينه ولن يكتمل!!
واجهنا في كتبنا مذكرتي الأشياخ بما فيه الكفاية، ونود في هذه الخاتمة أن نكشف عن جهل فاضح، تورط فيه الشيخان الفقيهان الصوفيان، مجذوب مدثر الحجاز ومحمد الفاتح قريب الله، حينما أوردا في مذكرتيهما الآية الكريمة: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم)، زاعمين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد كان مأمورا بتبيين كل القرآن!! وليس هناك أمر هو أبعد من الصواب، من هذا الذي ذهبنا إليه.. ونحب في هذه الخاتمة نحب أن نؤكد لهما أن تبيين كل القرآن ممتنع، لماذا؟؟ لأن القرآن هو كلام الله القديم، وكلامه يعنى صفته الأزلية القائمة بذاته – تعالى – التي لا تتناهى، حيث لا تحويها العبارة، ولا تكفي في الإحاطة بها الإشارة.. فإن أصبح هذا صحيحا، تصبح عبارة المشايخ: (ويلزم من هذا أيضا أن محمدا قد خان رسالة ربه، الذي أمره بتبيين جميع القرآن أصوله وفروعه) خطأ، وجهلا، في أبجديات التوحيد..
ونحن لا نكتفي بهذا، وإنما نذهب معهم مذهبا واضحا ومفسرا، نقتبسه لمصلحة القارئ، ولمصلحة المشايخ من أقوال الأستاذ محمود محمد طه الواردة في كتابه "الرسالة الثانية من الإسلام".. أسمعوه يقول: (وقد ظن كثير من الناس أن قوله تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم)) تعني أن الإسلام كمل عند الناس، وانتهى إلى قمة كماله يومئذ. وهؤلاء، حين يقرأون قوله تعالى ((وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) يعتقدون أن تبيين القرآن قد تم، وليس هناك أمر هو أبعد من الصواب من هذا الرأي.. فالقرآن لم يبين منه بالتشريع، وبالتفسير، إلا الطرف الذي يناسب الوقت الذي جرى فيه التبيين، ويناسب طاقة الناس..
والقرآن لا يمكن أن يتم تبيينه. والإسلام، كذلك، لا يمكن أن يكمل. فالسير في مضماره سير سرمدي. ((إن الدين عند الله الإسلام)) و((عند))، هنا، ليست ظرف زمان، ولا هي ظرف مكان، وإنما هي خارج الزمان، والمكان.. فالسير بالقرآن في مضمار الإسلام سير إلى الله في إطلاقه.. وهو بذلك لم يتم تبيينه، ولن يتم، وإنما تم إنزاله بين دفتي المصحف.. تم إنزاله، ولم يتم تبيينه..
ومن ههنا يفهم الفرق بين ((أنزلنا)) و((نزل)) من الآية ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون)) فان الفهم العام، عند العلماء، أنهما مترادفتان، وما هما بذاك.. و((ما)) في جملة ((ما نزل إليهم)) لا تعود إلى الذكر، وإنما تعود إلى جزء من الذكر، ينصب عليه الأمر بالتبيين، وهو ما يخص الرسالة الأولى.. إلا ما يكون متداخلا بينها وبين الرسالة الثانية.
ويحسن أن نذكر هنا أن القرآن قد نزل مثاني.. وفي ذلك يقول تعالى ((الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم، وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد)) ومعنى ((متشابها)) قائمة قرينة الشبه بين أسفله وأعلاه، وبين وجهه وقفاه، وبين ظاهره وباطنه. ومعنى ((مثاني)) أنه ذو معنيين، معنيين. معنى بعيد عند الرب، ومعنى قريب تنزل للعبد.. والقرآن كله مثاني.. كل آية منه، وكل كلمة فيه، بل وكل حرف من كل كلمة.. والسر في ذلك أنه حديث صادر من الرب مخاطب به العبد..)
نكتفي بهذا القدر، فما رأى الشيخين، وما رأى القراء فيما قرأوا؟!

فرية العمالة الأجنبية


من دلائل العبث بعقول الناس، ومن دلائل العبث بالدين وبأقدار الرجال، اتهام الشيخين للأستاذ بقولهم: (ثبت بما لا شك فيه أن محمود محمد طه له صلات أجنبية)!! هكذا يلقيان القول على عواهنه، من غير دليل، ومن غير بينة، وبرغبه دفينة في تجريم الرجال.. ونحن نعلم كذبهما، وتحاملهما، وبعدهما عن أخلاق الدين، ولكننا نحب لكل قطاعات الشعب أن تعرف ذلك وأن تطالبهما بالدليل على هذه الاتهامات الجوفاء الكاذبة، التي يلقيانها جزافا، إضلالا عن الحق ودعما للباطل.. ولكن هيهات أن ينالا منّا شيئا، إذ "كلما أوقدوا نارا للحرب، أطفأها الله".. ونحن، من هذا المنبر، نتحدى هذا الجهل، وهذا الكذب، ونطلب باسم الشعب المنكوب بأمثالهما وغيرهما أن يواجهونه بالحقائق عارية..
إن آداب الدين تقول لهذين المدعيين، خذا حذركما فإن أصدق القائلين يقول: (إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم) ويقول أيضا جلّ من قائل: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع، والبصر، والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا..) صدق الله العظيم

تحية للشعب السوداني


لقد كان رأينا دائما وأبدا، أن الشعب السوداني، شعب أصيل، ورائد عملاق، وأنه قد كان، وفي كل الظروف، أكبر من المناسبات، وأكبر من الحوادث التي يتصيدها ويفتعلها المتشنجون من أصحاب الأغراض الدنيا، وأصحاب المنافع، الذين يحلو لهم أن يصطادوا في الماء العكر، ليوقعوا بين الشعب وبين أبنائه الخلّص، الذين يبغونه الخير، وكل الخير..
وفى تجربتنا الأخيرة، مع أشياخ "علماء السودان"!! خير شاهد على ما نقول.. إذ برهن الشعب السوداني على نضج، وعلى وعى، وعلى كفاءة نادرة، حيث لم يستجب لاستفزازهم، ولم يستمع لتحريضهم، ولا لأكاذيبهم المضللة المفتعلة، وإنما وقف صامدا في مواقف الأحرار، الشرفاء، الذين يؤذيهم أن يتهم الناس بالباطل، وأن تنال أعراضهم بغير الحق، وعلى غير البينة الواضحة..
إن موقف الشعب السوداني من هذه الفتن، وهذه الأحداث، قد أكد تأكيدا جازما، أن أمور هذا البلد ستسير من حسن، إلى أحسن، ومن نصر، إلى نصر، بعون الله، ثم بعون هذه اليقظة الشعبية الرائعة..