((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الاخوان الجمهوريون في
جريدة الاهرام المصرية

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدا))
صدق الله العظيم

مقدمة الطبعة الثانية


ان المسلمين اليوم يعيشون خارج التاريخ، لأنهم إنما يعيشون خارج الإسلام، ذلك بأن شمس الشريعة الإسلامية قد غربت منذ أمد بعيد، وبعد العهد ببيننا وبينها، ولقد ظل المسلمون منذ ذلك العهد يعيشون من الإسلام مظهر العبادات دون جوهرها.. أما المعاملات – أما السياسة والأقتصاد والاجتماع – فقد تركوها للحضارة الغربية لتتولى قيادهم فيها.. إن حال المسلمين اليوم إنما يحكي نذارة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.. بكل تفاصيلها، وبكل أبعادها، وذلك حين قال: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على القصعة!! قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء! كغثاء السيل لا يبالي الله بكم)) والا قولوا لنا ماذا بقي للمسلمين اليوم من وزن وهم يطفون على سطح تيار الحضارة الغربية كما يطفو الغثاء على وجه تيار الماء؟! ولكن بالرغم من ذلك فإن المسلمين موعودون بقيادة البشرية الى مصيرها المحتوم – الى باحات الحرية والسلام – إذ انهم ورثة الإسلام وقد تكفل الله للإسلام بالهيمنة على كل الأديان لأنه دين الهدى ودين الحق، لأنه دين السلام وذلك حيث قال جل من قائل: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدا)) وعلى المسلمين واجب واجب الأداء، هو أن يعرفوا حقيقة دينهم، وأن يدعوا اليها بلسان حالهم، ولسان مقالهم، بدلا من هذه الجهالات التي يمارسها فقهاء الإسلام، باسم الإسلام، والتي هي في حد ذاتها تمثل عقبة كأداء في سبيل الإسلام، وقديما قيل عدو عاقل، خير من صديق جاهل..

الرسالة الثانية من الإسلام


وحقيقة ديننا إنما هي الرسالة الثانية من الإسلام، ذلك بان الرسالة الثانية من الإسلام، إنما قامت على أصول القرآن، بينما قامت الرسالة الأولى منه على فروع القرآن، ومعلوم ان الاصول اقرب الى الحقيقة من الفروع، ذلك بأن الأصول إنما تتسامى في سموق تطلب الحقيقة، بينما تنزلت منها الفروع لتصل الى الناس في أرض واقعهم، لتنشلهم من ذلك الواقع بلطف، وعلى مكث، وأناة، مهتدية في ذلك بقوله تعالى: ((لا يكلف الله نفسا الا وسعها)) وبقوله تعالى: ((وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزّل اليهم ولعلهم يتفكرون)) وبقول رسولنا صلي الله عليه وسلم: ((نحن معاشر الأنبياء أمرنا ان نخاطب الناس على قدر عقولهم)) وكذلك فعلت الشريعة الإسلامية - الرسالة الاولى من الإسلام - في مخاطبة انسان القرن السابع الميلادي، والتي قامت على مرحلة العقيدة من الإسلام، ورسالة الإسلام في مرحلة العقيدة ليست هي رسالته للناس كافة، لأنه في مرحلة العقائد ((كل حزب بما لديهم فرحون)) وانما هي رسالته المرحلية – رسالته الأولى – التي خاطبت انسانية معينة، في مرحلة معينة من الزمان، أما رسالة الإسلام التي أرسل بها رسولنا الكريم عليه صلوات الله، وسلامه، الى الناس كافة ((وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)) إنما هي الرسالة الثانية من الإسلام، تلك الرسالة التي قامت على المرحلة العلمية من الإسلام، والتي لم يعشها غير النبي صلي الله عليه وسلم، وقد نسخت في حق أمة المؤمنين – الأمة الماضية – برسالة الإسلام الأولى – وأرجئت الى حين مجيء وقتها، ومجيء أمتها، ووقتها هو وقتنا الحاضر، وأمتها هي أمتنا الحاضرة، أمة القرن العشرين – فالرسالة الثانية هي سنة النبي صلي الله عليه وسلم، وأما شريعته لأمته – أمة البعث الأول – فهي الرسالة الاولى.. وهذه قامت على العقيدة لأنها قامت على الإذعان، والتقديس، في غالب أمرها.. وهي إنما قامت على الفروع، لأنها قامت على الوصاية في السياسة، وعلى الرأسمالية في الاقتصاد، وعلى التمييز بين الرجال والنساء، وبين المسلمين وغير المسلمين.. وتلك قامت على المرحلة العلمية، لأنها استطاعت أن تحقق التوفيق بين حاجة الفرد الى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة الى العدالة الاجتماعية الشاملة.. والحرية الفردية المطلقة هي غاية الغايات، وهي هي حاجة انسان اليوم من رجل وأمراة، حيث وجد الرجال، وحيث وجدت النساء.. ومقدرة الإسلام على تحقيقها هي التي جعلته خاتما للأديان.. ومن ثم جعلته رسالة للناس كافة، ولذلك فإن هذه الآية التي صدرنا بها هذه المقدمة وهي قوله تعالى ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدا)) فقد جاء وقتها حيث تهيأت البشرية لتحقيقها، بالحاجة اليها، وبالمقدرة عليها، ذلك بأن كل الأديان، وكل الفلسفات قد أدت غرضها حتى استنفدته، ولم يبق للناس من سبيل الى الهدى غير الإسلام، وأي محاولة في غير هذا السبيل ستبوء بالخسران، والخسران العاجل وكذلك قال تعالى: ((ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين))
أما بعد ليسأل المسلمون بصفة عامة ورجال الدين منهم بصفة خاصة وفقهاء الأزهر بصفة أخص ليسألوا أنفسهم لماذا نصل الإسلام عن حياة المسلمين وهو إنما انزل ليدين به الناس كافة؟؟ وما هو الطريق لأن يعود حيّا، خلّاقا، في صدور الرجال والنساء من المسلمين، ومن الناس، من بعد المسلمين؟؟
فإن وجدتم في أنفسكم حاجة الى الاجابة الشافية على هذه الأسئلة فلتقبلوا على دراسة كتب ((الدعوة الإسلامية الجديدة)) للأستاذ محمود محمد طه فإنكم لا شك واجدون في هذه الكتب كنزكم المفقود، ويومها سترون أن ((الرسالة الثانية من الإسلام)) هي دعوة الهدى، وهي دين الحق، بالرغم من غرابتها بل ومن اجل غرابتها، وما بعد الهدى الا الضلال.. وما بعد الحق الا الباطل.. وحينئذ سيحل الأمل منكم محل اليأس حين تقرأون حديث المعصوم عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا، فطوبي للغرباء، قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)) وفي رواية أخري قال عن الغرباء: ((فئة قليلة مهتدية في فئة كثيرة ضالة))..