((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

نشاط الجمهوريين يتصعـد- مطالب الوفد السوداني بالقاهرة - طلبة الكلية والطائفية

نشاط الجمهوريين يتصعـد


ونشرت جريدة الرأي العام في نفس الأسبوع الذي سجن فيه الاستاذ الخبر التالي:
((القى الاستاذ أمين محمد صديق سكرتير الحزب الجمهوري خطابا عاما أمس الاول عن الجنوب في الخرطوم بحري في جمهور كبير أمام السينما الوطنية، وأعاد القاءه مرة أخرى في نفس الليلة في مكان آخر في الخرطوم بحري، وقد استدعاه البوليس هذا الصباح وحقق معه فاعترف بكل ما حصل وزاد بأن هذا جزء من خطط كبيرة ينفذها الحزب الجمهوري )).
كان هذا هو شأن الجمهوريين في العمل السياسي حين كانت الاحزاب قد شيعت وفدا جمع شتاتها لمراقبة المفاوضات الانجليزية المصرية التي عقدت بالقاهرة .. فكان رجال الوفد ينزلون بأفخم الفنادق ويعقدون المؤتمرات الصحفية ويقيمون الحفلات الفاخرة .

مطالب الوفد السوداني بالقاهرة


ففي جريدة الرأي العام بتاريخ الاربعاء 28/3/1946 نشر خبر جاء فيه أن الوفد السوداني عقد مؤتمرا صحفيا أعلن فيه : (( أن مطالب السودانيين تتلخص في :
(1) اقامة حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وقد ترك تحديد نوع هذا الاتحاد معلقا لم يبت فيه
(2) مصر والسودان سيقرران معا طبيعة هذا الاتحاد .
(3) عقد محالفه مع بريطانيا العظمى على ضوء هذا الأتحاد المصري السوداني ))

طلبة الكلية والطائفية


وفي الوقت الذي كان الجمهوريون فيه ينددون بانسياق زعماء الاحزاب والمؤتمر وراء الطائفية ، نجد حتى طلبة الكلية مظنة الثورة ، والتحرر ، والنزوع الى التطرف في نبذ القديم .. نجدهم دون المستوى المطلوب ، فهم أيضا قد انخدعوا بالطائفية .. فهذا وفد من اتحادهم يتصل بزعماء الطائفية فيما تحدثنا جريدة الرأي العام بتاريخ 10/4/1946م:

((اتحاد الطلبة في دار السيدين
جاءنا البيان الآتي من سكرتارية اتحاد طلبة كلية غردون : بمناسبة الحوادث الوطنية الأخيرة وسفر وفد السودان الى مصر زار جماعة من اتحاد طلبة كلية غردون السيدين الجليلين في داريهما فوجدوا زيادة على الترحاب والمقابلة الحسنة روحا وطنية فياضة وتلقوا من السيدين العظيمين نصائح ثمينة وآراء قيمة تنير السبيل السوي للخدمة الصادقة في سبيل الوطن .. حيا الله السيدين الجليلين وأبقاهما ذخرا لهذه البلاد .))


هذه هي الروح التي كانت تلف المثقفين ، وهذا هو مدى وعيهم .. لقد تصدى الجمهوريون لمواجهة الاستعمار لما رأوا فتور الهمم ووجل القلوب ، حين كان رجال الأحزاب يجعلون بأسهم بينهم ، ويستغرقهم صراعهم على زعامة الشعب ، حتى ساروا في ركاب الطائفية ، ومن ورائها دولتي الحكم الثنائي ..
وكما رأينا ، من مذكرات المؤتمر ، ومن بيانات الوفد السوداني بمصر ، فان الصراع غدا ، في الحقيقة ، من أجل الانجليز والمصريين ، وليس من أجل استقلال السودان ، ولاحرية السودان ، وان لم يشعر بذلك هؤلاء المتصارعون .. فانبرى الجمهوريون ينبهون لخطورة الانقسام في الحركة الوطنية على ذلك النحو المزري .. وهذا واحد من بياناتهم التي صدرت في ذاك الحين ، بتاريخ 18/2/1946م :

(( هذا نذير من النذر الأولى
ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة – أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة ، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها ..
ياهؤلاء ، وهؤلاء ، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام ، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين ، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز ، فاذا اجتمعت كلمتكم فانما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا ..
ياهؤلاء ، وهؤلاء ، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لاتقوون على مواقف الرجال الأشداء ، وأنتم تتمسحون بأعتاب الانجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صورا شوهاء .. أنتم تريدون السلامة ، وأنتم تريدون الملك .. أنتم تضيعون البلاد لمّا تجبنون وأنتم تضيعون البلاد لمّا تطمعون .. أنتم تستغلون سيدا لايعرف ماتريدون ، وأنتم يستغلكم سيد يعرف مايريد ، والبلاد بينكم أنتم ، وأنتم ، على شفا مهواة ومهانة .. فليلطف الله ببلاد لايخدم نهضتها الا صغار الموظفين ، أو كبار الموظفين ، وليتدارك الله دينا باسمه يحيا أناس في برد العيش ، وقرار النعمة ، ورخاء الدعة ، وباسمه هم لأبنائه يكيدون ..
ياهؤلاء ، وهؤلاء : ان الله لواحد ، وان الدين لواحد ، وان الوطن لواحد ، ففيم تنقسمون على هذا النحو المزري . ياهؤلاء ، وهؤلاء : كونوا ليوثا غضابا ، أو فكونوا قردة خاسئين ، وارحموا شباب هذا الوادي المسكين ، فقد أوسعتموه غثاثة وحقارة وهوانا ..
ياهؤلاء ، وهؤلاء – لأنتم أشأم على هذه البلاد من كل شؤم وشؤم .. أيها السادرون من هؤلاء وهؤلاء ، لاتحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب ، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن ، يوما يرجف كل قلب ، ويرعد كل فريصة .. أما بعد : فهذا نذير بين يدى صاخة ، تمزق مسامع من أصمّه الطمع ))