((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

خاتمة - الحق ينصره الله - الحركه الوطنية مرة ثانية

خاتمة


بعد هذا الطواف ، الذي أخذنا فيه القاريء عبر سنوات ثلاثين من تاريخ ((الفكرة الجمهورية)) ، لابد لنا أن نقف قليلا ، متأملين في خط السير الفريد الذي لزمه الجمهوريون طيلة تاريخهم ، من غير أن تتخطفهم السبل كما يتخطف الناس من حولهم ، فقد انقضت عهود وخلفت عهود ، ومسرح الحياة السياسية في السودان يغص ثم يفيض بالافكار والأدوار ، والجمهوريون ، لم يتبدل فكرهم أو يضمحل ، ولم يتغير خط سيرهم .. ولسان حالهم يقول :
واذا الجبال تحولت عن أرضها عن حبنا لله لا نتحول
هذه الرؤية الواضحة ، التي تستقريء بالمقدمات النتائج ، فيطابق المستقبل ما ينتهي اليه الاستقراء - أليس في هذا ما يستوجب الملاحظة ، ويسترعي الانتباه ؟؟ وهذه الصمامة في المواجهة .. مواجهة الاستعمار ، في عنفوانه ، ومواجهة الطائفية ، والسلفية الدينية و السياسية .. مواجهة معارضة القديم ، بكل ثقله ، ونفوذه في النفوس ، ورفع راية الجديد في وجهه ، والصمود بها ، وتوطيدها في الأرض ؟؟
لقد ذهب الاستعمار ، وذهبت أحزاب ، وجبهات ، ومنظمات ، وأفلت أفكار ، وتداعى بنيان الطائفية وخارت قواها – ولكن ((الفكرة الجمهورية)) لم يزدها الزمن ، وعواديه الا توهجا ونماء .. فلماذا ؟ ان هذا التساؤل يفرض نفسه علينا فرضا .. فليتدبره اولو الابصار فانه بمرور الزمن ، وتعاقب الحوادث يظهر ويتكشف سداد هذه الفكرة وحفظها ..
فعندما نادى الجمهوريون ((بالنظام الجمهوري)) ، كان هذا الرأي مستغربا ، ولكن ، بمرور الوقت ، جاء مصداق ما نادى به الجمهوريون .. ونادي الجمهوريون بالاستقلال ، دون اتحاد مع مصر ، أو ارتباط ببريطانيا ، وكانوا يقولون ((لماذا مصر! ولماذا بريطانيا ؟)) .. وكان يبدو مطلبا صعبا .. ومع ذلك فقد انتهى الحال الى استقلال السودان التام .. وكذلك نادى الجمهوريون بالحكم الفدرالي .. الحكم الذاتي لكل اقليم من اقاليم السودان .. وكان في ذلك الوقت يعيش الجنوب التمرد ، ويشهر العداء في وجه الشمال .. وكان الناس يقولون ان مثل هذه الدعوة للحكم الذاتي سيتبعها توزع ، وتفكك لوحدة القطر .. وأخيرا جاءت محاولة الحل في هذا العهد في اتجاه مانادى به الجمهوريون .. وكان رأينا في كثير من القضايا العالمية من جنس آرائنا في القضايا الداخلية .. وكانت هذه الآراء تستغرب ، وتستنكر من الناس .. ولكن عامل الزمن ، والتجربة العملية كانا دائما يثبتان صدق ، ووضوح الرؤية عند الجمهوريين ..

الحق ينصره الله


ان ((الفكرة الجمهورية)) لايسيرها الجمهوريون ، وانما هم أدوات تسييرها .. فهي الحق .. هي الدين .. ولها حكم الوقت .. ولذلك فهي مرعيه من الله ومسددة منه دائما باذن الله .. ((ان الحق لاننصره نحن ، وانما ينصره الله ، والسعيد من استعمله الله في نصرة حقه ، وهداه الى سبله ، فكان من المحسنين ))..
ومن هنا فان الجمهوريون لايحتفلون بتاريخهم الحافل هذا ، تباهيا ، وان كان يبهجهم تشريف الله اياهم بحمل رسالة الاسلام المقدسة ، وبعث سنة نبيه ، بعد أن اندثرت ، فكان أمرهم أمر أوائلهم ، من الغربه والتفرد.. اولئك الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم ((بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فطوبى للغرباء .. قالوا من الغرباء يارسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي بعد اندثارها )) .. هذا هو مصدر فرحنا ، ومبعث ابتهاجنا ، ((قل بفضل الله ، وبرحمته ، فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون))..

الحركه الوطنية مرة ثانية


في هذه الخاتمة القصيرة ، نحب أيضا أن نشير الى ماسبق أن وكدناه ، في مقدمة هذا الكتاب ، من أن الجمهوريين قد كانوا يعيبون على ((الحركة الوطنية)) تقصيرها عن المستوى الذي يليق بالسودان ، وبشعب السودان ، من مضاء ، وكفاءة ، واحكام لخطى السير ، وبصر بالنتائج .. ولكن هذا لم ينس الجمهوريين فضائل الحركة الوطنية واسهام رجالها في الوصول بالبلاد الى الاستقلال .. ولكن الجمهوريين ساءهم رؤية التقصير مع امكان التمام ، والكمال .. ولما فعلت الحركة الوطنية مافعلت ، ولم تنتهج نهج الجمهوريين ، من توجه الى الشعب ، وايقاظ له ، وامتلاك لمذهبية الاسلام ، وقعت في كثير من السلبيات التي عانى من نتائجها السودان بعد الاستقلال ..

ان الاسلام عائد ، وماليء الأرض عدلا ، كما ملئت جورا ، ما في ذلك أدنى ريب ، ومصداق ذلك موعود الله في كتابه الكريم : ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ، ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا )) .. ولقد اضطلع الجمهوريون بمهمة البعث الاسلامي بما فهمهم الله ، وعلّمهم من مزايا الاسلام ، وفضله على سائر الأديان والفلسفات ، .. فكان لفكرهم ، بفضل الله ، سطوة على كل أولئك ، وكانت به منجاة ومفازة لسفينة الانسانية الغارقة ..
وهذا هو سر ثبات الفكرة الجمهورية ، وهو أصل بقاء الجمهوريين ، ومكثهم في الأرض .. اننا نسوق هذه الصفحات الى الناس جميعا ، والى الأجيال الناشئة منهم على وجه الخصوص ، ليتبينوا مواضع أقدامهم قبل أن يضعوها ، وليكونوا على بينة من الأمر .. فان مبتغانا هداهم وتجنيبهم مزالق السير ، واختصار الطريق ..
وبعد ، فاننا قد أوردنا في هذا السفر النزر اليسير جدا مما نحب أن نورد من مواقف ، ومعالم تاريخ مسيرة ((الفكرة الجمهورية)) .. وهي مسيرة زاخرة بالأحداث ، محتشدة بالحركة .. وقد اضطرنا الحيز الضيق الى تجزئة مادة السفر الى جزئين .. وهذا هو أحدهما ، وأما الجزء الثاني فسيصدر قريبا ان شاء الله ..
وعلى الله قصد السبيل وهو المتولي هدانا أجمعين ..

الأخوان الجمهوريون
أم درمان - ص.ب 1151 - ت 56912
الطبعة الأولى - أول مايو 1976م
جمادي الأولى 1396هـ