لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

توقف الى حين - الفكرة الجمهورية في طور جديد

توقف الى حين


لقد كان حادث رفاعة منعطفا في تاريخ الفكرة الجمهورية ، ولقد تجمد نشاط الجمهوريين ، أو كاد ، بعد سجن الأستاذ لمدة عامين أعقبهما عامان آخران ، فيهما واصل اعتكافه برفاعة ، وقد كانت الأعوام الأربعة ، هي في الحقيقة ، فرصة للعمل الحقيقي ، وهو اعداد الداعية الاعداد الكامل الذي به يكون تمام ملك الفكرة ، وتمام دعوة الآخرين اليها ، وما الاعداد الا صفاء الفكر وسلامة القلب ..

الفكرة الجمهورية في طور جديد


لقد كانت فترة السجن ، والاعتكاف ، تهيؤا لمنطلق أكمل في تاريخ الفكرة الجمهورية .. فلقد خرج الأستاذ محمود من اعتكافه في نوفمبر 1951 ، ومن ثم استأنف الجمهوريون نشاطهم ، وقد بدأ باجتماع عام عقد في 30/11/1951 .. ومنذ ذلك اليوم أخذ يتتابع تفصيل الفكرة ، وتبيينها ، بصورة أبرزت الفهم الجديد للأسلام كمذهبية تحل مشاكل الانسان المعاصر .. قدّم الأستاذ في ذلك الاجتماع بيانا يبرز سمات الفكرة الجمهورية نقتطف منه الآتي :_
((الحزب الجمهوري ليس حزبا يقوم على التهريج ، كما هي العادة المألوفة لدى الاحزاب التي نراها ، ونسمع عنها ، وانما هو دعوة الى فكرة ، أولا وقبل كل شيء . والجمهوريون قوم ارتضوا هذه الفكرة ، وارتبطوا بها ، وعملوا على تحقيقها .. أن الحكومة نظام اجتماعي تعاقد الناس للدخول فيه ، ليتخذوه وسيلة الى غاية . هذه الغاية هي الحرية الفردية فالحكومة الصالحة هي الحكومة التي تحقق للفرد أكبر قسط من الحرية ، هي الحكومة التي لا تأخذ من حرية الفرد الا القدر الضروري لحفظ حق سائر المجموعة ، وبذلك تصبح الفكرة الاجتماعية الصالحة ، التي تقوم عليها الحكومة الصالحة ، هي الفلسفة التي توفق توفيقا متكافلا بين حق الجماعة في العدل وحق الفرد في الحرية الفردية المطلقة .. ولايمكن أن يتمتع الفرد بالحرية الا اذا تحرر من الجهل ، وللتحرر من الجهل لابد من نظام (يكفل للفرد حاجته من الغذاء الصالح ، والسكن الصالح ، واللباس الصالح .. أي لابد من المساواة الاقتصادية ، ولاتكون المساواة الاقتصادية مؤدية عملها الا اذا كفلت الحرية الجماعية ، أي الديمقراطية والديمقراطية الحقة هي الديمقراطية الشعبية ..))
ولقد مضى الجمهوريون يؤكدون ضرورة الفكر ، والمذهبية ومازالوا ينعون على الحركة الوطنية افتقارها للمذهبية .. فقالوا في بيان نوفمير 1951م :
((فللجهاد الصادق لابد من الاسلام . ولأسلوب الحكم الصالح لابد من الاسلام أيضا .. ولو أن السودانيين دعوا الى الجهاد لأن تكون كلمة الله هي العليا ، لصدقوا الجهاد أولا ، ولنقوا نفوسهم ، وأناروا بصائرهم ، ثانيا ، ولتحقق اذن بذلك غرضان ، في وقت واحد ، أولهما جلاء الدخيل ، وثانيهما تحقيق الحكم الصالح الذي يكون فيه الشعب المستنير رقيبا ، يقظا على قادته وحكامه )) .. ((ولو فرضنا جدلا أن هذا التكتل (الصناعي) الذي تدعو اليه حركتنا الوطنية حول جلاء الاستعمار فحسب ، استطاع أن يخرج الاستعمار لخشينا أن يقودنا الى حرب أهلية مستطيرة ، ويجب أن نفهم جيدا أن القول بالجمعية التأسيسية التي تقرر مصيرنا قول مضلل .. ذلك بأننا نحن منقسمون بين طائفتين كبيرتين بينهما عداء تاريخي ، وليس لأيهما برنامج ايجابي ، وانما برنامج كلتيهما الحرص على أن لا تنتصر الأخرى ، ولايمكن أن يكون في مثل هذه الحالة ، انتخاب حر ، ولاينتظر أن يرضى المهزوم في انتخاب مطعون فيه عن نتيجته ، ولايمكن تبعا لذلك ، أن يكون هناك استقرار ، وانما هي الحرب الأهلية ، والفوضى ، والفساد ، والنكسة .. انه لحق أن حركتنا الوطنية لايمكن أن تحقق طائلا الا اذا جمعت أشتات الفرق ، والطوائف ، والأحزاب أيضا حول الفكرة الخالدة التي جاء بها الاسلام والتي أشرت اليها آنفا ، والتي اجتمع عليها أوائلنا فحققوا العزة ، والحرية ، والعدل .. ولن تجد سودانيا واحدا يتخلف عن دعوة تجمع بين عز الدنيا ، وشرف الآخرة)) ..