لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

حدث ماتوقعناه - جريدة الجمهورية - الجمهوريون ووحدة وادي النيل

حدث ماتوقعناه


لقد خرج الانجليز في عام 1956 ، بناء على اتفاقية القاهرة لعام 1953م التي دفع تنافس دولتي الحكم الثنائي على السودان لتوقيعها .. ولقد كثفت كل منهما نشاطها قبيل انتخابات 1953م التي أريد بها أن تقرر مصير السودان في علاقته بمصر وبريطانيا .. وقد كان نشاط المصريين أظهر في مساندة الاتحاديين ، من نشاط الانجليز في مساندتهم لحزب الأمة .. وجاءت نتيجة الانتخابات لصالح الاتحاديين وتشكلت الحكومة منهم ..
ولقد حدث ماتوقعه الجمهوريون من حرب أهلية ، ومن صراع طائفي مزق أوصال الشعب .. فلم يقبل المهزوم نتيجة الانتخابات فكانت حوادث أول مارس المشئومة صبيحة افتتاح البرلمان عام 1954حيث حشد حزب الامة جموع أهل الغرب من الانصار ، وحملوا حرابهم ، ومديهم في مواطنيهم ، ولولا لطف الله لانهار في ذلك اليوم كل جهد بذل ، وكل أمل بقي ، في أن يقف السودان على رجليه ..
ولم تمض على فتنة مارس أيام ، حتى اشتعلت نار فتنة الجنوب التي استمرت تستعر 17 عاما ، حتى تم اتفاق مارس 1971 الذي أوقفت بموجبه الحرب الأهلية .. هذا يضاف الى صور الاضطراب والتدهور السياسي ، والاختلال الاقتصادي الذي ظلت حكومات الاحزاب تجر البلاد اليه عاما بعد عام .. أوليست هذه ((هي الحرب الاهلية والفوضى والنكسة)) التي توقعها بيان الجمهوريين؟ بلى انها لكذلك !!

جريدة الجمهورية


كان الجمهوريون ، ولمّا يزالوا يجدون عنتا ، ويلاقون اجحافا من الصحف ، فهي منذ الأربعينات ، وحتى منتصف السبعينات ، لاترحب بكتابات الجمهوريين .. وذلك موقف يؤخذ عليها ، ولايحسب لها ، وهو موقف لاتحسد عليه .. والحق ان صحافتنا ، مذ كانت ، هي صورة لأحزابنا الطائفية ، تعوزها الفكرة ، وتستهويها الكثرة ، وتستخفها .. ولقد صارت للجمهوريين صحيفة باسم ((الجمهورية)) في يناير عام 1954 . ولقد عمرت نحو 6 أشهر بعدها وقفت في وجهها امكانات الطباعة ومتطلباتها المالية .. ولقد كانت (( الجمهورية )) في عمرها الوجيز ذاك ، حافلة ، مليئة بالفكر ، وبالحوار الموضوعي ، وبالنقد البناء للحكومة .. ولقد يحسن أن نثبت هنا افتتاحية العدد الأول من تلك الجريدة فهي ، وحدها ، تعطي انطباعا كافيا عن مسارها الذي درجت عليه .. ..
((الجمعة 15/1/ 1954 - كلمة الجمهورية
تحية وعهد ..
أيها القاريء الكريم ، تحية .. أما بعد ، فهذه صحيفة الجمهوريين يقدمها لك فتية آمنوا بربهم فهجم بهم الايمان على صريح القصد ، فهم يقولون مايريدون بأوجز أداء ، ويعنون مايقولون ، من الألف الى الياء .. والجمهورية تطمع في أن تخلق تقليدا جديدا في الصحافة ، في معنى مايخلق الجمهوريون من تقليد جديد في السياسة .. فالجمهوريون حزب سياسي ، ولكنهم لايفهمون السياسة على أنها اللف والدوران ، وانما يفهمونها على انها تدبير أمر الناس بالحق وبميزان .. وللجمهورية في الصحافة رأي وهو أنها يجب أن تعين على العلم ، لا أن تماليء على الجهل ، يجب أن تسير أمام الشعب ، لا أن تسير في زمرته ، تتسقط رضاه ، وتجري على هواه وتقدم له من ألوان القول مايلذه ولايؤذيه ..
وقد تعرض الجمهوريون في نهجهم السياسي للكثير من العنف والأذى ، من جراء مضائهم فيما يرونه الحق ، والعدل .. فهل تتعرض الجمهورية لشيء من الكساد ، من جراء ماستجافي من التقليد التجاري بتقديم ما يقدم في سوق النفاق ؟
ان هذا لايعنينا بقدر ما يعنينا أن نستقيم على الحق فقد أنفقنا عمرنا نبحث عنه ، ولانزال ، فان وجدناه فانا سنلقاك به صريحا غير مشوب بتلطيف ، وسيكون عليك أنت أن تختار لنفسك بين وجه الحق ووجه الباطل.))

الجمهوريون ووحدة وادي النيل


لقد اختلفت نظرة الجمهوريين للعلاقات بين السودان ومصر عن نظرة الاتحاديين ، كما اختلفت عن نظرة حزب الأمة .. فقد طلبوا للسودان الاستقلال من غير عداء لمصر ، أو غفلة عن المطامع التاريخية لساستها في السودان .. وهذه فقرات من بيان بهذا الشأن :
الرأي العام 14/11/1946 ..
((العلاقات التي تربط بين مصر والسودان علاقات وثيقة ، وهي انما كانت كذلك ، لأنها طبيعية ، ولن يكون في مصلحة أي من القطرين أن تضعف هذه العلاقات على وجه من الوجوه )) ((ان الحزب الجمهوري ليؤمن بالسودان ايمانا لاحد له ، وانه ليريد له استقلالا شاملا ، كاملا ، من ربقة الاستعمار ، وأنه لينكر ، أشد الانكار ، زعم الذين يزعمون ، هنا وهناك ، أن الدعوة الى الاستقلال تبينت أمرا للعلاقات التي تربط بين مصر والسودان – فالدعوة الى الاستقلال حق طبيعي من حقوق هذه البلاد ، وهي ينبغي أن تسر مصر ، لا أن تسوءها ، وينبغي أن تساعدها مصر بكل سبيل ، لا أن تقعد لها بكل سبيل .. فلأن يكون السودان حرا ، مستقلا ، قويا ، أفضل لمصر وأعود بالخير على تلك العلاقات من أن يكون مستعمرا ، مستعبدا ، ضعيفا )) .. هكذا !! لا افراط ، ولاتفريط ، كان ، ولايزال ، موقف الجمهوريين ..