في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الثانى

الكتلة الثالثة والحياد الإيجابي


في عام 1955 تزعم نهرو، وتيتو، وسوكارنو، وجمال، دعوة الدول الآسيوية الأفريقية لتمثل دور الكتلة الثالثة، وتقف موقف الحياد بين روسيا وأمريكا زعيمتي المعكسر الشرقي، والمعسكر الغربي.. فانعقد مؤتمر باندونق.. وقد كان رأي الجمهوريين أن هذه الدعوة غير ناضجة، بل خادعة عن حقيقة الصراع الدولي الذي يدور بين الشيوعية والرأسمالية من أجل السيطرة على العالم.. ولقد كان واضحاً للجمهوريين أن اتجاه باندونق، بشعاراته البراقة، صائر إلى صالح الشيوعية. وبالفعل انعقد مؤتمر الحياد الثاني بالقاهرة بعد عامين من ذلك وكان حتى الاتحاد السوفيتي مشتركاً فيه بدعوى أن جزءاً من أراضيه يقع في آسيا!! فخرج المؤتمر بقرارات كلها في صالح الشيوعية وضد الغرب!

ننقل من خطابنا لجمال عبد الناصر هذه الفقرات وهي ما ظل الجمهوريون ينشرونه في تقويمهم لاستراتيجية الشيوعية الدولية، وقصر نظر دعوة الحياد الإيجابي المزعوم:ـ
(

الشيوعية الدولية


ولقد جاز تضليل الشيوعية الدولية على كثير من قادة الشرق، وما مؤتمر باندونق الذي عقد بأندونيسيا وضم زعماء الدول الآسيوية والأفريقية وتبنى شعارات الشيوعية الدولية إلا مثل واضح لهذا التضليل. ثم تلاه تضليل آخر، أمعن في الغباء والغفلة من سابقه.. وذلك في مؤتمر الشعوب الآسيوية الأفريقية الذي عقد بالقاهرة في أواخر العام المنصرم واشتركت فيه روسيا الشيوعية، وتبنى شعارات الشيوعية مثل "محاربة الأحلاف العسكرية" وما إليها، ثم لم يتورع من التحدث عن الحياد بين الكتلتين الشرقية والغربية، أي بين روسيا وأمريكا.. ولكن هذا التضليل قد جاز على الثورة المصرية أضعاف ما جاز على غيرها، حتى لقد أصبحت الشيوعية الدولية مختفية وراء مطامع الثورة ومطامحها، إختفاء تاماً تستخدمها في تضليل العرب، وفي إضعاف الغرب، وذلك يخدم أغراض الشيوعية الدولية من وجهين:
(1) إضعاف الغرب:
إن الشيوعية مذهبية ذات مطمح عالمي، ولا يحول بينها وبين بسط سلطانها على العالم، غير مناهضة الدول الغربية لها.. وهي تسعى جاهدة لبسط سلطانها على هذا الكوكب الذي نعيش فيه بكل الأساليب.. ومع أن أسلوبها التقليدي، والأساسي هو الثورة، والعنف، والحرب، إلا أنها لا ترى في الوقت الحاضر أن الحرب مأمونة العواقب، مضمونة النتائج، وذلك لتوازن القوى القائم بينها وبين الدول الغربية.. وهي لذلك تقسم برنامجها لغزو العالم وإخضاعه، إلى مرحلتين:ـ فأما المرحلة الأولى فغرضها إخلال توازن القوى، وترجيح كفتها هي على كفة الدول الغربية، وأما المرحلة الثانية فغرضها إنهاء العمل، بتنفيذ المؤامرة الكبرى المدبرة لاغتيال حرية البشرية، وهي تبدأ حين يصبح، بفضل نجاح المرحلة الأولى، واضحاً جلياً أن المغامرة المسلحة ضد الدول الغربية ستنتهي بهزيمة الغرب من غير أن تخرج الشيوعية الدولية منها محطمة تحطيماً يعجزها عن الإنتشاء بنتائج النصر..)..

نصيحة الجمهوريين لجمال


وجاء في الخطاب أيضا عن الحياد الإيجابي هذه المقترحات الموجهة لجمال!
( ثم إننا نرجو أن نقترح عليك الآتي:ـ
(1) أن تترك التدخل في شئون البلاد العربية ـ التدخل بجميع صوره ـ الإذاعة والصحف والرشوة ـ وذلك لأنه ليس لديك ما تعطيه أياً من هذه الدول وما تزيدها بتدخلك في شئونها غير تخسير
(2) أن تنفض يدك فوراً من الدعوة الباطلة ـ دعوة القومية العربية ـ وأن ترجع بشعبك إلى الإسلام رجوعا واعياً، وأن تحاول بعث المعاني الإنسانية الرفيعة التي يذخر بها القرآن، وأن تصلح بها قومك أولاً.. وهذا ما عنيناه برد قومك إلى أصول الأخلاق حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيباً..
(3) أن تصحح رأيك في الحياد الإيجابي.. فإنك، لن تستطيع الحياد إذا أسرفت في عداوة فريق من الفريقين. فإن الإسراف لا يورث الإعتدال ـ فأنت لا تجني من الشوك العنب.. وإنك لن تستطيع أن تكون "إيجابياً" في حيادك إلا إذا كنت تملك الفلسفة الإيجابية.. وما نرى لك فلسفة، بإزاء الرأسمالية، والشيوعية، غير الإسلام.
(4) فإذا ما أرحت الدول العربية من تدخلك في شئونها، ومن دجل دعوة القومية العربية، فسيكون على كل دولة عربية داخل حدودها ـ ولا يعني هذا عدم التعاون المتكامل ـ أن تبعث الإسلام من جديد، وأن تطبق مذهبيته التي تحقق التوفيق بين الإشتراكية والديمقراطية، أي بين العدالة الإجتماعية والحرية الفردية.. فإذا ما استطاعت أي من الدول العربية أن تخلق من نفسها نموذجاً صالحاً للدولة الإسلامية التي تحل مشاكل سكانها، على هدى أهدى من الشيوعية، ومن الديمقراطية الرأسمالية، فإن الدول العربية ستحذو حذوها وسيتم إتحاد العرب تحت راية القرآن وسيكونون باتحادهم، ومذهبيتهم الكتلة الثالثة التي تنهض بين الشيوعية والرأسمالية، وتقوم الحكومة الفدرالية العالمية على مذهبية تتم النقص في الشيوعية والرأسمالية، وذلك بتحقيق التوفيق بين العدالة الاجتماعية والحرية الفردية.. وهكذا يحل في الأرض السلام، والرخاء..
(5) ريثما تبرز الكتلة الثالثة في الحيز العملي، لابد من فترة من السلام، وليس في طوق الإنسانية في عهدها الحاضر تحقيق سلام غير هذا السلام المحموم، غير الطبيعي، الذي يقوم على توازن القوى.. ولذلك فلابد من اجتناب أي عمل يخل هذا التوازن، حتى ولو كان عائداً ببعض الكسب المحلي على الدولة التي تمارسه)..
هكذا نظر الجمهوريون لمسألة الكتلة الثالثة والحياد..