وثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد .. وإنما هي تقع في مرحلتين .. نفذت منهما المرحلة الأولى ، ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها .. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية ، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير ، وكراهية الفساد ، ولكنها لم تكن تملك ، مع إرادة التغيير ، فكرة التغيير ، حتى تستطيع أن تبني الصلاح ، بعد إزالة الفساد .. من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد ، وأمكن للأحزاب السلفية أن تفرق الشعب ، وأن تضلل سعيه ، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد ، مع مضي الزمن .

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)


معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الثانى

الجمهوريون والتصوف

الجمهوريون والتصوف


إن الجمهوريين هم ورثة الصوفية ومكملو بنائهم. ذلك بأن الصوفية في حقيقتهم هم أنصار السنة ومتبعو النبي الكريم.. فقد أحيوا الدين وحفظوا عليه أصالته بعد أن انحط المسلمون عن الأوج الذي تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانشغلوا بالدنيا عن الدين..
ولقد كان دور الصوفية في التزام جانب الدين وشد الناس إليه، واضحاً وعظيماً.. وفي السودان على الخصوص دخل الإسلام نفسه على أيدي الصوفية فأحبّهم السودانيون وأحبوا الدين الذي حملوه إليهم فتغلغلت روح الدين بين الشعب وبرز رجال التصوف السوداني الذين ظلوا يحملون راية التربية والإرشاد خلفاً عن سلف حتى وقت قريب..
ويحسن أن ننقل هنا بعض الفقرات من كتابنا "طريق محمد" الذي دعا الناس إلى العودة إلى الطريق النبوي بعد أن أدت الطرق دورها، وبعد أن فُقِدَ المرشدون والمسلّكون من أهل الطرق، وأصبح رجال الطرق اليوم لا يفصلهم عن رجال الطائفية فاصل يذكر، فقد باتوا مثلهم يطمعون في دنيا الناس، ولا يعطونهم ديناً، على النقيض من أسلافهم الأماجد الذين كانوا يرشدون المريدين إلى طريق الله ويسلكونهم فيه، وهم زاهدون في دنياهم لا يبتغون من وراء إرشادهم إلا وجه الله..
لقد جاء في كتاب "طريق محمد" ما يلي:
(ان دولة القرآن قد أقبلت ، وقد تهيأت البشرية لها بالمقدرة عليها وبالحاجة إليها ، فليس عنها مندوحة.. وهذا يلقي على عاتق المسلمين المعاصرين واجبا ثقيلا، وهو واجب لن يحسنوا الاضطلاع به إلا إذا جعلوا محمدا، وحده إمامهم ووسيلتهم إلى الله .
لقد خدمت الطـرق الصوفية غرضا جليلا، في نشر الدين الحق، ولقد ربت رجالا أفذاذا، كانوا منارات هدى، ومثابات رشد للأمة، عبر تاريخها الطويل، في ارتفاعه وانخفاضه، عندهم التمست دينـها وخلقهـا وتربيتها.. ولكن اليـوم!! فإن تحديات العصر أكبـر من الطرق وأكبـر من المشائـخ، وليس لها غير محمد.
ونحن ندعو جميع أصحاب الطرق إلى العودة إلى طريقة الطرق ـ طريقة محمد ـ إذ بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد الدين)..
هذا بعض ما جاء في كتاب طريق محمد ويمكن الرجوع إليه إلتماساً لتفصيل تقويمنا لأمر التصوف..

الجمهوريون أحباء الصوفية


إن الجمهوريين كانوا ولا يزالون أحباء للصوفية، أوفياء لهم.. ولقد طاف الجمهوريون على كثير من البقع المباركة التي عطر أرجاءها الأولياء من مشائخة الطرق.. ونحب هنا أن نثبت نموذجين في هذا الصدد..

زيارة أبي حراز


من البقع الكبيرة التي ترعرع في كنفها التصوف وازدهر، قرية ابي حراز معقل السادة العركيين.. وقد زار الجمهوريون هذه البقعة عدة مرات وكان آخر هذه الزيارات في عام 1970 في ليلة عيد الفطر المبارك من عام 1390هـ وقد كانت تلك الزيارة ذات مشهد كبير في الحس والمعنى.. وقد قام بها الجمهوريون في وفد ضم من الأخوان والأخوات نحو المائتين..
ولقد كانت الزيارة بدعوة من الشيخ عبد الرحيم محمد يونس، خليفة المحل.. وعند انعقاد العزم على الزيارة بعث الجمهوريون بخطاب إليه هذا نصه:-

(أم درمان في 12/11/1970
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً كثيراً.. وبعد
فإلى أبي المكارم، سليل الأولياء، الشيخ عبد الرحيم محمد يونس أدام الله نصره، وتأييده ومدده.. ونفع به البلاد والعباد..
السلام عليكم ورحمته تعالى بركاته.
ثم إن دعوتكم الكريمة التي تفضلتم بتوجيهها، لي والأخوان إبان زيارتنا لكم الأخيرة، بأن نقضي ليلة في بقعتكم المباركة، التي مشى فيها الهدى، بك، وبآبائك الصالحين، الميامين، قد سرتنا، غاية السرور ورأينا أن تكون تلك الليلة هي ليلة عيد الفطر المبارك، في هذا العام، وإنا لنرجو، ببركتكم، وبركة آبائك، شآبيب الخيرات ونوامي البركات، وسوابغ الإمدادات.. سنكون عندكم، بعون الله تعالى، يوم وقفة العيد، في العصر.. وسيكون عددنا حوالي المائة.. من هذا العدد خمس عشرة امرأة.. ثم إنا لنرجو أن يكون الإذن معنا في البدء بزيارة آبائك الصالحين ابتداءً من الشيخ يوسف، قبل ان نصل إلى منازلكم العامرة.. هذا ودمتم في حفظ الله، وفي تمام عافية الدين والدنيا.
المخلص
محمود محمد طه)



مخاطبة الأولياء في البرزخ


تمت الزيارة حيث أدى الجمهوريون صلاة العيد وقاموا بزيارة السادة العركيين في أضرحتهم وزاروا الخليفة الشيخ عبد الرحيم وشهدوا حلقات الذكر التي أقيمت في ذلك اليوم المشهود..
ومن وقائع تلك الزيارة، التي تجسد فيها اتصال الدنيا بالآخرة، تلك الخطابات المكتوبة التي خاطب بها الجمهوريون الشيخ عبد الله بن الشيخ دفع الله، والشيخ دفع الله، والشيخ يوسف، وهم في البرزخ، وها هي صور تلك الخطابات:-

(أم درمان في 12/11/1970
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله القديم، وبعد،
فإلى حضرة الولي الدال على الله بحاله ومقاله،
الشيخ عبد الله بن الشيخ دفع الله العركي..
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
ثم إن إبنكم، وخليفتكم، الشيخ عبد الرحيم الشيخ محمد يونس قد وجه إلينا دعوة كريمة بزيارة بقعتكم المباركة ـ أنا والأخوان ـ لنمضي فيها ليلة.. وقد سرتنا هذه الدعوة.. وقدرنا أننا سنستطيع إجابتها ليلة عيد الفطر المبارك، حتى نتمكن من إحيائها بتلك الأرض التي تحمل آثاركم وآثار الميامين من أبنائكم الصالحين، فنتعرض بذلك لنفحات الخير، والبر.. إننا سنكون ضيوفكم، حساً، ومعنى.. وهذا يكفي..
ويطيب لي، في هذا المقام، أن أذكرك رحم روحية قديمة، لابد أنها عندك في مقام تمام الرعاية، وحسن الصلة، وتلك هي رحم الولي المرشد، الشيخ عبد الرحمن بن جابر..
إن ما نحن بصدده ـ أنا والأخوان ـ هو ما أنفقتم حياتكم النافعة في سبيله.. ونحن نعتقد أنّا مهتدون، ونعتقد أنّا مخلصون. وأنتم اليوم في دار حق، ونحن في دار باطل، فإن علمتم، بما أعلمكم الله، أنّا غير مهتدين، أو أنّا غير مخلصين، فإنّا لنرجو أن يتمم الله نقص هدايتنا، أو نقص إخلاصنا، أو كليهما، بجاهكم وبركتكم، وبجاه وبركة، كل عبد صالح من العرش إلى الفرش.. إنه سميع مجيب..
هذا والله المسئول أن ينصر الحق، وأن ينصره بنا، وأن يفتح علينا الفتح الأكبر ببركة زيارتكم هذه، فإنّا نبتغي وراءها مرضاة الله.. لا سمعة ولا رياء، ولا تشوّفاً..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
المخلص
محمود محمد طه)


(أم درمان في 12/11/1970
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وبعد،
فإلى الولي مرشد الأولياء، وهادي الصالحين إلى طريق رب العالمين، من أحيا طريق أبي صالح الجيلي في البلاد، وهدى به إلى سبل السداد.. صاحب علم الظاهر والباطن الشيخ دفع الله بن الشيخ أبي إدريس العركي قدّس الله سره..
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ثم إن إبنكم وخليفتكم، حفظه الله، الشيخ عبد الرحيم الشيخ محمد يونس قد طلب إلينا ـ أنا والأخوان ـ في زيارتنا الأخيرة له أن نعود فنمضي ليلة في بقعتكم المباركة فسررنا لهذه الدعوة الكريمة وقررنا، إن شاء الله، تلبيتها ليلة عيد الفطر المبارك نحييها في تلك الأرض التي تمشّي فيها هدى القرآن، والسنة المطهّرة، ولا يزال ببركتكم يتمشّى، وإنّا لنرجو بركة إحياء تلك الليلة عندكم.. ويزيد رجاء قلوبنا أنّا سنكون ضيوفكم حساً ومعنى..
إن ما ندبنا أنفسنا للقيام به، ومنذ حين من الدهر، هو ما ظللت أنت وتلاميذك، وأبناؤك الصالحون تعملون له خلال حيواتكم المباركة.. ونحن نتوخّى، ونجتهد، أن نكون محقّين، فيما نقول، وفيما نعمل، ونجتهد أن تكون نيتنا خالصة لله.. ولا نأمن على أنفسنا الضلال، ولا نأمن عليها أن تكون مدخولة النية، غير مخلصة.. ونحن في دار باطل، وأنتم اليوم في دار حق، فإن علمتم نقصاً في حالنا، من حيث الهداية، أو من حيث الإخلاص، فإنّا نرجو أن تتوجهوا معنا إلى الله تبارك وتعالى، أن يتمم نقصنا ببركة زيارتنا هذه لكم، وهي زيارة لا سمعة فيها، ولا رياء، وإنما نتوخّى فيها وجه الله تبارك، وتعالى..
ثم إننا نتوجه إلى الله تبارك، وتعالى، أن يبعث في نصرة حقنا كل عبد صالح من العرش إلى الفرش.. إننا لنرجو فيوضات البركات بفضل الله، ثم بفضل أنّا سنكون ضيوفكم في تلك الليلة المباركة.. وفي الختام فإني أحمد الله لك، كما حمدته في البدء..
المخلص
محمود محمد طه)



(أم درمان في 12/11/1970
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنعم المتفضل.. وبعد.
فإلى صاحب المكارم، والكرامات، والفيوضات والبركات، سليل الأولياء، ووالد الأولياء، الشيخ يوسف بن الشيخ محمد الطريفي العركي.. قدس الله سره، وأدام نفحاته..
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
ثم إننا تلقينا دعوة من إبنكم وخليفتكم الشيخ عبد الرحيم محمد يونس، أدام الله تأييده، في زيارتنا الأخيرة له، بأن نزور بقعتكم المباركة، ونمضي فيها ليلة ـ أنا والأخوان ـ وقد سررنا لهذه الدعوة الكريمة، غاية السرور، وقدّرنا تلبيتها في ليلة عيد الفطر المبارك، لنحيي تلك الليلة المباركة في تلك الربوع التي عمتها أنوار آبائك، وأنوارك، وأنوار أبنائك من بعدك، والتي لا يزال ضريحك الميمون يشع فيها الهدى، والبركة، والطمأنينة.. أدام الله خيركم ويمنكم..
ثم إنني والأخوان ظللنا، ولا نزال، ندعو إلى سبيل الله، ونجتهد لا نألو ـ أن نكون محقين في الحق وأن نكون على نهج الإخلاص، والصدق، فإن كنت تعلم أنّا كذلك فإنّا نطلب إليك أن تهب في نصرتنا، فإنك ما علمنا، فزّاع، وفيّاض بالبركة، والنصرة، والتأييد.. وإن كنت تعلم أنّا غير ذلك فإنّا نرجو، ببركة زيارتنا هذه لكم، أن يتم الله نقص حقنا، ونقص إخلاصنا، ثم إنّا، في ذلك، نطلب إليك أن تهب في النصرة والمراغمة للأعداء..
إننا لنرجو الله، ببركتكم، وبركة زيارتنا هذه المخلصة لك، ولآبائك، أن ينصر بنا الحق، نصراً مؤزراً، وأن يفتح علينا الفتح الأكبر المبين، وأن يبعث، في نصرتنا كل عبد صالح في الملأ الأعلى، وفي الملأ الاسفل، إنه سميع مجيب، قريب..
وفي الختام، فإني لأحمد لك الله، كما حمدته في البدء..
المخلص
محمود محمد طه)



تسليم الخطابات


وقد قام الأخ سعيد الطيب شايب، والأخ جلال الدين الهادي بتسليم هذه الخطابات كل إلى صاحبه، حيث وضعت بعناية ووقار في أضرحة أولئك الأولياء الكبار..

رؤيا صالحة


لقد كان الفيض الروحي غامراً، والاستجابة واضحة من جانب البرزخيين نحو الجمهوريين مما لمس أثره واضحاً فيما طفحت به الوجوه من البِشْر، وما اعترى النفوس من نشوة وطمأنينة..
في ذلك الحال الطيب اتفق للأخ المرحوم عبد الباقي إسماعيل أن رأى رؤيا صالحة دلت على قبول الزيارة وعلى التواشج الروحي الذي جرى بين الأولياء البرزخيين وبين الجمهوريين. تقول تلك الرؤيا:-
(إن الأخ عبد الباقي قد رأى في المنام في الليلة التي أعقبت تسليم الخطابات، أن هناك مناديا ينادي من قبل الأضرحة: "يا سعيد!! يا سعيد!! تعال خذ الرد على الخطابات")..

مخاطبة البرزخيين


قد يستغرب البعض مخاطبتنا لمن هم في الدار الآخرة. ولكن الأمر في الدين لا فصم فيه بين الدارين اللتين ما اعتبرتا دارين إلا اصطلاحاً، إذ أن الفرق بينهما فرق مقدار.. تجسدت الأولى، ولطفت الأخرى، أمام ناظري الرجل العادي، وأما أصحاب البصائر والأبصار فإنهم لا يحجبون عن كلتا الدارين.. ولقد أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً مخاطبة الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة ومن أمثلة ذلك ما روي عن الصحابي الجليل أبي هريرة:- (عن أبي هريرة أن رسول الله أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم، دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون" إلخ)..

زيارة الهلالية والمندرة


وأما الزيارة الثانية التي نحب أن نذكرها هنا فقد كانت بدعوة من الشيخ الطيب الشيخ علي المرين إلى مقامات الصادقاب الركابية في المُنْدَرة والهلالية..
ولقد كانت زيارة طيبة ومشهودة وجد الأخوان والأخوات بركتها في الحين وقد كان أثر الزيارة كبيراً على أهل الهلالية عموماً وعلى مريدي وتلاميذ الصادقاب خصوصاً..
بدأت الزيارة في مساء يوم الخميس 30 ديسمبر 1971 إذ وصل وفد الأخوان الجمهوريين يتقدمهم الأستاذ حيث عقدت ندوة في مسيد الشيخ الطيب حضرها هو وجمع من الناس، وفي صباح اليوم التالي قام الأخوان والأخوات بطواف زاروا فيه ضريح الشيخ أب سُقْرَة.. ومسيد خليفة الشيخ الطيب ود أب صباح..
وقد كانت تعقد حلقة الذكر في كل مكان من هذه الأمكنة التي يزورونها.
ثم تحرك الوفد في عصر ذلك اليوم 31 ديسمبر 1971، إلى "المُنْدَرة" لزيارة ضريح الشيخ محمد بن عبد الصادق الملقب بالهميم جد الركابية الصادقاب.. وقد كانت المندرة في عهده وعهد أبنائه عامرة بالدين، مأهولة بالناس، ولكن تقادم العهد قد جعل الناس يهاجرون منها فهي الآن ليس بها إلا مقامات أولئك الأولياء الكرام الذين طوعوا تلك الأرض الموحشة وجعلوها تذخر بالحياة على أيامهم المباركات..

الوصول إلى المُنْدَرة


كان الوصول إلى "المُنْدَرة" قبيل مغرب ذلك اليوم، فنصب الأخوان صيوانهم، وقضوا ليلتهم حتى الفجر في زيارة الأضرحة، وفي حلقة الذكر الذي استمر حتى الضحى حيث رفع، وغادر الوفد المندرة في طريقه إلى أم درمان غانماً سالماً، تفيض قلوب أفراده بالسعادة وتنضح وجوههم بالأنوار التي كسبوها من تلك الزيارة الميمونة..