في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

ماذا قال الأستاذ محمود محمد طه عن الصلاة؟

الباب السادس

الصلاة بين التقليد والأصالة


لقد بينّا أن الأستاذ محمود محمد طه لم يقل بسقوط الصلاة وإنما قال بسقوط التقليد وبينّا أيضا أن النبي الكريم كان أصيلا، في صلاته لم تعترضه عقبة التقليد، ولذلك كان على صلاته حتى التحاقه بالرفيق الأعلى.. وأن العابد من أمة المؤمنين لن ينفك عن التقليد، بينما يفضي التقليد بالعابد المجوّد من أمة المسلمين المقبلة إلى الأصالة..
وسنبيّن من أقوال الأستاذ محمود محمد طه، فيما يلي أن الأصالة هي حال النبي الكريم، وأن إتباعه في عمله، دون حاله، ليس هو الإتّباع، وأن الأصالة تأس بالنبي الكريم، فقد كان أصيلا، داعيا بحاله، للأصالة، وبفعله إلى تجويد التقليد.

إتباع النبي في حاله أولى من إتباعه في عمله


قال الأستاذ محمود محمد طه في صفحة 63 من الكتاب الثاني "أسئلة وأجوبة"
(ونحن ندعو، لتحقيق ما ندعو إليه من بعث الإسلام، إلى تقليد محمد، تقليداً متقناً، على أن يعرف المقلد أن التقليد وسيلة، لا غاية.. هو وسيلة إلى الاستقلال عن التقليد، والوصول إلى الأصالة التي بها تتحقق الحرية الفردية، وتتم عناصر الشخصية الكاملة.. إن القرآن يقول: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني.. يحببكم الله"... ويقول: "لقد كان لكم في رسول الله إسوةً حسنة".. وإتباع الرسول المشار إليه في الآية الأولى إنما يكون بإتباعه في أفعاله، وأحواله، لا في أفعاله وحدها.. وهذا واضح لمن كان له أدنى معرفة، وكذلك التأسي برسول الله، في الآية الثانية، إنما هو تأس به في أفعاله، وأحواله أيضاً.. وأفعاله في العبادات تجملها عبارته في دعوته الأمة إلى تقليده حين قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".. تلك أفعاله، فما هي حاله؟؟ حاله الأصالة، لا التقليد!! فأنت إن كنت تريد أن تكون أصيلاً، كما كان النبي أصيلاً، فليس لك إلى ذلك من سبيل إلا تقليد النبي في أفعاله، على أن تعرف أن التقليد وسيلتك إلى الأصالة، وليس غاية في ذاته
)
هذا ما قاله الأستاذ محمود محمد طه وهو دعوة إلى التأسي بالنبي الكريم في أفعاله، وحاله. وحاله الأصالة.. والتأسي به في حاله أولى من تقليده في أفعاله.. ولذلك جعل الأول من الثاني بمثابة الغاية من الوسيلة..

الأصالة تأس بالنبي الكريم


قال الأستاذ محمود محمد طه في صفحة 78 من كتاب "رسالة الصلاة"
(لقد تحدثنا في آيات سورة (والنجم) التي أوردناها آنفا عن سدرة المنتهى، حيث تخلف جبريل عن المعصوم، وسار النبي بلا واسطة لحضرة الشهود الذاتي، لأن الشهود الذاتي لا يتم بواسطة، وقد كان تخلف جبريل عن النبي لأنه لا مقام له هناك، والنبي، الذي هو جبريلنا نحن، يرقى بنا إلى سدرة منتهى كل منا، ويقف هناك، كما وقف جبريل، بيد أنه إنما يقف لكمال تبليغه رسالته، ولكمال توسيله إلى ربه، حتى يتم اللقاء، بين العابد المجود وبين الله بلا واسطة. فيأخذ كل عابد مجود، من الأمة الإسلامية المقبلة، شريعته الفردية من الله بلا واسطة، فتكون له شهادته، وتكون له صلاته وصيامه وزكاته وحجه، ويكون، في كل أولئك، أصيلا، ويكون، في كل أولئك، متأسيا بالمعصوم في الأصالة.. وإنما يتم كل ذلك بفضل الله، ثم بفضل كمال توسيل المعصوم إلى ربه.. ذلك لمن جود التقليد..)

هذا ما قاله الأستاذ محمود محمد طه ليؤكد أن الأصالة تأس بالنبي الكريم، وأن الأصالة لا تتم الاّ بفضل توسيل المعصوم إلى ربه لمن جود التقليد.
لقد صدر في هذا العام كتابنا "من دقائق حقائق الدين" وهو يشتمل على محتوى الدعوة الإسلامية الجديدة، ويتناول موضوع "الصلاة"! وفيما يلي من صفحات نقدّم بعض أقوال الأستاذ محمود محمد طه فيه لنرى اتفاقها وأتساقها مع ما قاله حول هذا الموضوع منذ عشر سنوات، هي عمر كتاب "رسالة الصلاة".

الصلاة صلاتان


(فالصلاة في الإسلام صلاتان، كما هو الأمر في كل الشئون القرآنية، والإسلامية كما سبق أن بينا.. صلاة في المعنى البعيد، وهي تلك التي فرضت يوم المعراج، بعد سدرة المنتهى، حيث تخلف جبريل، وسار النبي وتريا (من غير واسطة) إلى مقام ورد في القرآن وصفه هكذا: (إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى..) هذا مقام أحدية، وترية.. وفي ذلك المقام لم يكن بين النبي وربه واسطة، ورفع حجاب الفكر عن النبي، فتوقف، فلم يتجاذبه الماضي: (ما زاغ البصر)، ولم يتجاذبه المستقبل: (وما طغى)، وإنما توحد مكانه، وزمانه، فعاش في لحظته، فكان وحدة ذاتية، في وحدة مكانية في وحدة زمانية.. حققت له الوحدة من جميع الوجوه، فرأى الواحد.. وقال عبارة عن هذا المقام، (ليلة عرج بي انتسخ بصري، في بصيرتي، فرأيت ربي..).. هذه هي الصلاة الأصلية، وهي المعبر عنها بـ (ذكر الله) من الآية الكريمة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء، والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون..).. وقد عبر عنها المعصوم بقوله: الصلاة صلة بين العبد وربه.. وهناك الصلاة في المعنى القريب، وهي الصلاة الفرعية (الشرعية)، التي فرضت يوم المعراج، في مقام: (قاب قوسين، أو أدنى..).. وهذا المقام قد كان جبريل مرافقا للنبي فيه، وقد كان النبي، لمكان رفقة جبريل له (شفعيا) لم تتم له (الوترية) بعد.. وقد فرضت عليه الصلاة الفرعية ههنا ـ في مقام (الشفعية) هذا ـ وجاءه جبريل، في الأرض، بتفاصيلها ـ طهارتها، وهيئتها، وأوقاتها ـ وقد قال المعصوم عنها: (الصلاة معراج العبد إلى ربه).. وقد جعلت الصلاة المعراج هذه وسيلة إلى الصلاة الصلة.. وقد قيل للنبي الكريم في أمر التوسل بها، والعروج عليها، إلى المقامات العلا: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا..) والمقام المحمود هو المقام الذي ليس بينه وبين الله واسطة، وهو بين الله وبين جميع الخلائق.. وصاحب المقام المحمود هو أول قابل لتجليات الحقيقة الإلهية المطلقة.. ومنه امتدت جميع المخلوقات ـ علويها، وسفليها ـ هو مقام أحدية وترية.. هذا المقام هو مقام الصلاة الكبرى ـ الصلة ـ وإليه توصل الصلاة الصغرى ـ صلاة المعراج ـ إذا أحسن استعمالها..)

هذا ما قاله الأستاذ محمود محمد طه للتفريق بين الصلاة "الأصلية" والصلاة "الفرعية"... صلاة المعراج وصلاة الصلة، فالصلاة صلاتان. الاختلاف بينهما اختلاف مقدار، وإحداهما وسيلة إلى الأخرى.

الشريعة الفردية والعبودية


قال الأستاذ محمود في كتاب "من دقائق حقائق الدين":
(وأول الفكر أن نعرف ما تؤديه إلينا الصلاة الشرعية من قيمة فكرية، وحياتية.. وهذا يقتضي أن نعلم جيدا أن الصلاة إنما هي وسيلة، وليست غاية.. هذا الأمر غير واضح في أذهان الناس، مع أنه مقرر بصريح النص، قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري..).. وقال تعالى أيضا: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة..).. وكون هذه الصلاة موصوفة بكلمة (المعراج) في حديث المعصوم: (الصلاة معراج العبد إلى ربه)، وحده يكفي في الدلالة على حقيقتها.. والمعراج السلم الذي على درجاته نرقى إلى المقامات.. وأول درجاته في مرتبة الشريعة الجماعية ـ شريعة الأمة المؤمنة ـ وأعلى درجاته في مرتبة الشريعة الفردية ـ شريعة الأمة المسلمة ـ فنحن السالكون علينا أن نرتقي بكل صلاة نؤديها، بكل ركعة نعقدها ـ إن لم نقل بكل حركة، من كل ركعة ـ علينا أن نرتقي نحو مرتبة الشريعة الفردية، لأن تكليفنا إنما هو (العبودية) بوسيلة (العبادة).. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس، إلا ليعبدون..).. يعني ليكونوا لي (عبيدا) بوسيلة العبادة.. وأعلى (العبادة) الصلاة.. و(العبودية) إنما هي مرتبة فرديات.. وهي لا تتم إلا إذا سقطت الوسائط بين الرب والعبد.. وهي لم تتم لمحمد إلا بعد أن تخلف عنه جبريل، وسقطت من بينه وبين ربه، بهذا التخلف، الواسطة.. وتم في تلك اللحظة اللقاء بين الرب، والعبد.. والقرآن مستفيض بالدعوة إلى الشريعة الفردية.. قال تعالى: (إن كل من في السموات، والأرض، إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)

هذا ما قاله الأستاذ محمود عن السير من الشريعة الجماعية – بالعبادة – إلى الشريعة الفردية – حيث أن تكليفنا الأصلي هو العبودية –

التقليد وسيلة إلى الأصالة:


قال الأستاذ محمود في كتاب "من دقائق حقائق الدين":
(فإذا أتقنا تقليد المعصوم نعلم، بضرورة هذا الإتقان، أن التقليد ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة إلى الأصالة.. وعند الأصالة تزول واسطة النبي من بيننا وبين ربنا، وذلك لكمال تبليغه، ويرفع بزوالها عنا، الحجاب الأعظم، ونأخذ من الله بلا واسطة، ويكون الله هو معلمنا العلم اللدني.. والقاعدة في ذلك من كتاب الله (واتقوا الله ويعلمكم الله..) ومن حديث المعصوم قوله: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم..) وقوله أيضا: (إنما أنا قاسم والله يعطي، ومن يرد به الله خيرا يفقهه في الدين.. ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يجيء أمر الله..)

هذا ما قاله الأستاذ محمود عن الأصالة.. حيث تزول واسطة النبي الكريم من بين العبد وربه، لكمال تبليغه... فيأخذ من الله بلا واسطة، فيتعلّم منه العلم اللدني..
فالصلاة وسيلة إلى تلقي العلم اللدني.. هكذا نبوئ – نحن الأخوان الجمهوريين – الصلاة القيمة العلا، ونعرف لها القدر الجليل...