((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




المنابر الحرة

الفصل الثالث: ما هي المنابر الحرة

الفصل الثالث
ما هي المنابر الحرة


المنابر الحرة وتربية الشعب:


المنابر الحرة هي كل مجال يمكن أن يستغل في توعية هذا الشعب، الإذاعة، التلفزيون، الصحف، المساجد، الشوارع والأماكن العامة.. كل مكان يمكن أن تتم فيه التوعية عن طريق مشاركة أفراد الشعب.. إن توعية شعب كشعبنا، تضلل مسعاه الطائفية، لا تسعها الحجرات والقاعات، ولا فصول الدراسة.. وإنما يجب أن تكون الجهات الست، جميعا، هي نطاق التوعية، وكل اتجاه يتجه إلى توصيل المعلومات، كافة المعلومات، لأفراد شعبنا، والى إدارة الحوار بينهم في المسائل العامة، والى توعيتهم بحقوقهم وواجباتهم، يجب أن يجد التأيّيد والدعم، ويجب أن تذلل أمامه كل العقبات – وكل ثمن، مهما بلغ، فهو جد قليل لقاء نشر الوعي بين أفراد شعبنا ليمتلكوا الحقائق كاملة، وليكونوا صناع الأحداث جميعها.. ذلك بأن الفرد الحر الواعي هو غاية التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. بل هو الغاية من وراء كل سعي بشري وتوعية هذا الشعب هي السلاح الوحيد الذي يحصنه في وجه التضليل الطائفي. فالطائفية بشقيها السياسي والديني، لا تزدهر الا في جو خال من الوعي.. ذلك بأنها تقوم على الجهل، وتستغل في الناس الجهل..
ان الشعب الواعي.. الشعب الذي يفهم المسائل العامة بحرية ويشارك فيها بحرية، هو الشعب القادر على تحمل المسئولية.. وهو الشعب الذي يمكن أن يؤتمن على مصير بلاده في أحلك الظروف..
والمنابر الحرة هي وسيلة التوعية لأي شعب، لأن في المنبر الحر يجد الداعية إلى الإصلاح الفرصة لمخاطبة أفراد الشعب بدعوة الإصلاح، ولأن في المنبر الحر يجد أفراد الشعب الفرصة لتلقي المعلومات الوافية، ولفهم المسائل العامة والمشاركة في مناقشتها حتى يكونوا هم صناع القرارات بالأصالة.. فعلى اقتناعهم بها يعتمد نجاح تنفيذها. والمنبر الحر، إلى ذلك، يتيح لأفراد الشعب، بما يشهدونه من صراع فكري حر، المقدرة على التمييز الدقيق، واصدار الحكم الصائب..
وإلى ذلك، فان المنبر الحر يسلط الضوء بجلاء، على الأفكار المتخلفة عن طريق ما يدور من حوار معها، وهي لا تجد فرصة البقاء إلاّ بعيدا عن منطقة الضوء، في غيبة الوعي..

المنابر الحرة وتجربة النظام المصري


لقد مر على النظام المصري الذي أعقب الملكية والأحزاب في مصر قرابة العشرين عاما، عاد بعدها الشعب المصري ينادي بالحريات!! بل لقد ارتفعت، من بين صفوفه أصوات تنادي بعودة الأحزاب السابقة!!
تلك كانت حصيلة العشرين عاما الماضية لنظام ادعى لنفسه ما ادعى من المقدرة على تغيّير حياة شعبه: العودة إلى حيث بدأ!! فماذا وراء ذلك الجمود الذي أصاب الحياة المصرية طوال هذه الأعوام مما دعا الشعب المصري إلى أن يفكر في العودة إلى ما كان عليه قبلها؟
السبب: غيبة المنابر الحرة!! فقد عاش الشعب المصري طوال تلك الأعوام وهو محجوب عن المعلومات الوافية، مكتوف اليدين عن المشاركة في المسائل العامة بالرأي والقول.. ولذلك ترسبت في قاع نفسه رواسب ماضيه، وظلت تتحين الفرصة لتطفو على السطح، حتى واتتها!! فاشتد في نفس الشعب المصري الحنين إلى أحزابه الماضية، بكل مثالبها، وأخذ يعبر عن ذلك الحنين بشتى الصور. فلو قد كانت هناك مجالات واسعة للتوعية، وللحوار وتلاقح الأفكار.. لو كانت هناك منابر حرة، لكانت تلك الأعوام العشرون حقيقة بتغيير حياة ذلك الشعب تغييرا أساسيا، ولما عاد ليبدأ من حيث انتهي..

السودانيون يجب الا يكرروا خطأ المصريين


ونحن السودانيين، يجب ألاّ نكرر ذلك الخطأ.. فإن كل يوم يمر علينا بغير منابر حرة للتوعية فهو ضياع وخسران محسوب على مستقبلنا، ونحن لا نعني بالمنابر الحرة التجربة المصرية الحاضرة، الراهنة، وهي قيام تنظيمات من اليمين، واليسار، والوسط، داخل التنظيم الواحد، وهو الاتحاد الاشتراكي المصري. نحن لا نعني ذلك، بل إن ذلك ليضلل، أشد التضليل، عما نعني بالمنابر الحرة..
المنابر الحرة هي كل المجالات التي تتاح فيها الفرصة لكل مواطن للتعبير عن رأيه، كفرد، لا كتنظيم، في حدود القوانين القائمة، ونحب أن نوكد هنا أن المنبر الحر هو للأفراد كأفراد، وليس للتنظيمات، وكل فرد يتحدث في هذه المنابر، معبرا عن رأيه، يتحمل مسئوليته عن قوله أمام القانون.

هل هناك خطر من قيام المنابر الحرة؟


ولقد يخشى المسئولون من أن تستقل هذه المنابر لضرب النظام القائم!! وأسباب هذا التحفظ، لدى المسئولين، مقدرة! فان الطائفية ما فتئت تتآمر على هذا الشعب بشتى الوسائل، وتتحين الفرصة للتخريب والتهريج... ولكن ما هو السبيل لاجتثاث الطائفية من جذورها في عقول وقلوب شعبنا؟
إن النظام القائم قد استطاع، حتى اليوم، ان يقف حائلا بين السلطة ودعوة الطائفية اليها.. ولكن كيف يتحصن الشعب تماما من عودة الطائفية، ومؤامراتها لا تزال تحاك، والولاء الطائفي لا يزال هو الولاء الطائفي في النفوس؟ هل يمكن أن يكون هناك سبيل إلى القضاء على الطائفية سوى انتشار الوعي بين أفراد الشعب، ونحن نعلم ان الطائفية وانتشار الوعي نقيضان لا يتعايشان؟؟
صحيح إن النظام القائم استطاع أن يواجه، بالقوة المسلحة عنف الطائفية، وأن يحول بينهما وبين السلطة.. ولكن أليس التآمر الطائفي المسلح محتمل التحرك في أية لحظة، وما مؤامرة سبتمبر ببعيدة؟ هل نحن في أمان تام من أية مغامرات عسكرية تقف وراءها الطائفية؟؟
وصحيح أن التنمية الاقتصادية التي يقوم بها النظام القائم تتجه لسد حاجات المواطنين الضرورية، وبذلك، تسد الثغرة التي ينفذ منها التآمر الطائفي لتأليب الشعب على النظام القائم في ظروف ارتفاع مسئولية المعيشة حيث تتفاقم أزمات التموين والمواصلات.. ولكن أليس التآمر الطائفي يعمل اليوم بشتى الوسائل الخفية لتقويض اقتصاد البلاد وعرقلة مشاريع التنمية؟؟ ألاّ يتعرض الاقتصاد لأخطار التخريب والتهريب التي تخططها الطائفية من خارج البلاد وداخلها؟؟
صحيح أن اقامة مشاريع التنمية لرفع مستوى معيشة المواطنين، ومواجهة التآمر الطائفي المسلح بالقوة المسلحة عاملان هامان يساعدان في الحيلولة دون عودة الطائفية الى السلطة. ولكن!! العامل الأهم الذي يقطع الطريق نهائيا أمام الطائفية هو نشر الوعي الديني الصحيح!! بل هو العامل الذي يقتلع الولاء الطائفي من النفوس نهائيا..
الطائفية دخلت حياتنا عن طريق الدين، وهي لن تخرج من حياتنا إلاّ عن طريق الدين.. الدين، وإلاّ فلا!!

أزمتنا الراهنة أزمة اخلاق


إن أزمة أمتنا الراهنة هي أزمة أخلاق.. فنحن لا ينقصنا التخطيط العلمي، ولا الخبرة الفنية، ولا الكوادر المؤهلة بقدر ما تنقصنا الأخلاق... نحن تنقصنا الثورة الدينية التي تعود بها "لا اله إلاّ الله " حارة، خلاقة، من جديد، لتكون ذات أثر سريع وجذري على حياة الأفراد، كما فعلت بالأفراد في القرن السابع الميلادي، فحولت المجتمع البدوي المتخلف إلى مجتمع من العلماء الافذاذ. نحن تنقصنا الثورة الدينية التي تصحح موازين القيم، فتجعل مصلحة الفرد نابعة من مصلحة الجماعة، وتجعل الدنيا مطية الآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.. والقاعدة في أحداث الثورة الدينية هي أن يحدث كل فرد هذه الثورة في نفسه.. " إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".. فان فاقد الشيء لا يعطيه. وأول الطريق إلى الثورة الدينية أن يعلم الناس أنهم ليسوا على شيء من الدين، وأنهم قد نصلوا عنه، فما عادت أخلاقهم متأثرة به.. وبذلك تبرز فيهم الحاجة الصادقة إلى الثورة الدينية.. وهذه الثورة الدينية الوسيلة إلى تحقيقها المنابر الحرة، فهي لا تتم في فصول الدراسة، ولا يقوم بها هؤلاء الوعاظ.. فان معلمي الدين والوعاظ يقولون مالا يفعلون، وشعبنا شعب صادق، يمتاز بحاسة دقيقة للتمييز بين الصدق والنفاق.. وفوق ذلك، فإن معلمي الدين والوعاظ لا يفهمون روح الدين، كما لا يفهمون روح العصر، ولذلك لم يتركوا في جيلنا هذا أثرا، ولم يغيروا من حياته شيئا.. بل أنهم كانوا سببا في الجفوة المفتعلة بين شبابنا والدين، وذلك بالنماذج السيئة التي يضربونها له من أنفسهم.