((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search
الدستور الإسلامي المزيف
دار الحزب الجمهوري - امدرمان

مارس ١٩٦٩

الجزء الأول

الأستاذ محمود: بسم الله الرحمن الرحيم.. حديثنا في هذه الليلة هو الحلقة الثالثة من مناهضة الدستور الإسلامي المزيف من حملة الأسبوع الذي قرر الحزب الجمهوري إقامته، من أجل توضيح طريق الناس نحو الدستور الدائم للسودان.. وفي الليلة الأولى تحدثنا عن لماذا سمينا الدستور الإسلامي الذي تدعو له الهيئات والأحزاب في الوقت الحاضر "دستور إسلامي مزيف".. قلنا الوضع دا بتفاصيل.. ما راح نقول كلامنا اللي قلناه في الليلة الأولى في هذه الليلة، إلا إذا كان النقاش أوجب أن نرجع للتفصيل دا..
لكن ما يمكن أن نبدا بيه هو أنه الدستور الإسلامي البتقوم الدعوة ليه في الوقت الحاضر من أفراد شعبنا ومن أحزابنا هو ما هو دستور إسلامي في الحقيقة.. والسبب المباشر والسريع اليمكن أن نقدمه ليكم في أنه ما هو دستور إسلامي هو انه الداعين ليه ما يبنتفعوا بالإسلام الصحيح.. الداعين ليه، الطائفية مثلا، اللهي قايمة على الدعوة ليه - الأحزاب السلفية مثلا - بتنتفع من الإسلام المزيف.. بتنتفع من إسلام غير صحيح يزيد في تضليل الناس وتغفيلهم.. الأحزاب السلفية على إطلاقها في الوضع دا.. بما في ذلك مددها من الخارج مثلا زي الوهابية في السعودية..
في طرف تاني جايز ما يكون منتفع من الطائفية بالقدر دا لكنه عنده جهل بالموضوع.. عنده تنظيمه السياسي مبني على استغلال الدين أو على الدعوة للدين – قول - لكن الجهل بالدين يجوز يجعله يسير في ركاب الناس الداعين للدين لتضليل الشعب.. أفتكر جبهة الميثاق يمكن الإنسان أن يضعها في القايمة دي في أنهم ما عارفين الدستور الإسلامي العايزينه.. ودليلنا على أنهم ما عارفينه كلام زعيمهم السيد الترابي في رده على خطاب أزهري في القول بأنه السيادة تعطى للشريعة الإسلامية.. العبارة دي بتدل على أنه هو فعلا ما بيعرف مسألة الدستور.. ما يكون الأمر دا غريب لأنه الدكتور الترابي دكتور في القوانين الدستورية.. في أخطاء كثيرة جدا في تفكيره حتى في الناحية المدنية من الجانب دا.. ونحن عندما أصدر كتابه "أضواء على المشكلة الدستورية" أخرجنا كتاب في الرد عليه، بينا فعلا أنه حتى من الناحية العلمانية والمدنية ثقافته في الجانب دا فيها نقص.. هنا يمكن نحن أن نذكر ليكم.. إذا كان شئتو بعدين في المناقشة تجي.. هو أنه قوله بأنه السيادة للشريعة الإسلامية تدل على عدم نضج في الفهم الديني.. من أجل الأسباب دي أنه الدستور الإسلامي المقبل دستور إسلامي مزيف نحن قررنا مناهضته.. ودا ما سميناه أسبوع مناهضة الدستور الإسلامي المزيف..
الحديث من الجانب الإيجابي عن دستور السودان الدائم.. ودستور السودان الدايم نحن بدينا ندعو ليه من بداية إستقلالنا.. في الحقيقة حتى في فترة الحكم الذاتي كان في كلام عن الجمعية التأسيسية.. إتفاقية القاهرة اللي إنبنت عليها الحركة الإستقلالية عندنا، استقلالنا جاء نتيجة ليها .. إتفاقية القاهرة بتنص على تكوين جمعية تأسيسية - انتخاب جمعية تاسيسية.. من اغراض الجمعية التاسيسية ان تضع دستور السودان الدايم .. ما حصل أنه الجمعية التأسيسية في الفترة دي انتخبت.. لكن انتخبت فيما بعد وعندنا جمعية تأسيسية انتخبت مرتين ولغاية الان ونحن قطعنا تلاتاشر سنة من الإستقلال التام - ستاشر سنة من بداية الحكم الذاتي - ما استطعنا أن نضع دستور.. أنا افتكر السبب فيه يرجع إلى أمرين:
واحد، أنه الدستور عمل كبير بيقتضي أنه الشعب يكون فاهم هدفه.. وفاهم فلسفته.. وفاهم غرضه وراء الحكم لأنه بطبيعة الحال الإستقلال ما هو غاية في ذاته والإستقلال وسيلة للحرية.. إنت بتحارب الإستعمار لأنه الإستعمار ما بديك فرصة لتكون حر.. لمن يجي الإستقلال إذا كان الإستقلال ما واعي برضه ما راح يصل للغاية البتحقق ليك الحرية.. الإستعمار قبيل بهدف مخطط بتغول على حريتك وينقص من تعليمك ومن صحتك ومن إقتصادك.. بعيش على إقتصادك.. بعيش على استثمارك واستغلالك.. ولذلك ما بديك فرصة لأن تكون حر.. لمن إنت تطلب الإستقلال ما بتطلب الإستقلال في ذاته.. بتطلب الإستقلال لتكون حر.. والحرية بتتمثل في الرخاء والعلم والحرية البتدخل في بيت كل مواطن .. إذا كان الأستقلال ما حقق دي هو صورة من الإستعمار برضو.. تغيرت الوجوه لكن ما اتغير التخطيط ولا اتغير التنفيذ ولا اتغير التشريع.. وأنا افتكر دي واضحة عندنا نحن في مرحلتنا الحاضرة.. أننا نحن بنحكم وبنسير وفق الأوضاع الإستعمارية بصورة تكاد تكون امتداد لعهد الإستعمار.. السبب في دا أننا في حركتنا الوطنية مانا عارفين كيف نحقق الحرية بوسيلة الإستقلال.. لأنه أحزابنا ما كانت عندها فلسفة ولا برمجة ولا دراسة.. الأحزاب الما عندها فلسفة ولا برمجة ولا دراسة ما بتستطيع أن تضع الدستور.. لأنه الدستور عبارة عن صياغة أمل الأمة لقدام.. المثل الأعلى العايزاهو الأمة تحققه باستقلالها بنعكس في الدستور في مواد محددة ومصوغة صياعة قانونية.. فإذا كان الناس ما عارفين الحاجة العايزنها.. ما عارفين الطريق لما يريدون ورا الإستقلال، ما يمكن أن يكون في دستور.. أنا أؤكد لكم أنه دا السبب الأولاني في أننا ما قادرين نضع دستور..
السبب التاني الكلام عن الدستور الإسلامي.. الدستور الإسلامي زي حمى محمي.. الناس البحومو حوله وما يصيبوه بكونوا مدفوعين عنه بعوامل خفية من التدبير الإلهي خصوصا في بلدنا دا.. كل محاولة عن الدستور الإسلامي قاصرة تمش تلقاها أنها معوقة .. ولغاية الآن تلقى الإتجاهات للدستور الإسلامي، الدستور الإسلامي، لكن لأنه الناس ما عارفينه لأنه في ناس عندهم نوايا سيئة لاستغلاله ربنا دافعهم عنه.. دي النقطة التانية الخلت الدستور ما ينكتب عندنا.. ومش راح ينكتب الدستور دا ويمر إلا إذا قامت الفكرة الصحيحة لوضعه..
دستور السودان الدايم هو الناحية الإيجابية من كلامنا.. نحن الجمهوريين عندنا كتاب عن أسس دستور السودان طبع للمرة التانية صدر لأول مرة في سنة ٥٥، ١٩٥٥.. ما بتنقص هذه الأسس إلا الصياغة القانونية.. هو كأنما مذكرة تفسيرية لأسس دستور السودان.. من راينا أننا نحن نبدأ نضعه في مواد.. وأسس دستور السودان المقدم هسع ومقدم من سنة ٥٥ هو الدستور الإسلامي.. لكن نحن الجمهوريين ما نحب أن نسميه دستور إسلامي لأننا ما بنسعى لإقامة حكومة دينية..
في خطأ كبير جدا في الإتجاه لإقامة الحكومات الدينيات.. الحكومة الدينية ما ممكن يكون فيها فرصة للناس ليتساووا.. الحكومة الدينية بالصورة البنعرفها بتقوم على العقيدة.. العقيدة فيها تمييز بين الناس.. العقيدة ما بتجمع بين الناس.. والناس الغالبين على أمرهم دايما في العقيدة بميزوا عقيدتهم.. ودا أمر جرت بيه الأوضاع في التاريخ..
نحن عندنا المؤمن والذمي ماهم زي بعض.. الناس البيدعو إلى الإسلام وما يدخلوا الإسلام إلا بعد ما نحاربهم.. إذا كان دفعوا الجزية مثلا أو استرقيناهم، وضع من وضعين أحلاهما مر.. الإسلام بيعرض على الإنسان ليدخل فيه طائع مختار.. إن دخل بيكون مساوي للمؤمن.. مساوي للمسلم.. إن دخل فيه بيكون ليه ما للمسلم وعليه ما على المسلم.. إن رفض بتجي الدرجة التانية اللهي الجزية (أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).. يعني يتنازل عن كرامته يحتفظ بملته لكن يدفع الجزية للمنتصرين اللي هم المسلمين.. إن أبى بيحارب.. إذا حارب بيكون أحد أمرين إما أن يُغلَب او يَغلِب.. إن غَلب، المسلمين بيعيدوا عليه الكرة تاني لكن غزوات المسلمين كان فيها النصر دئما في قمته للدفع الإسلامي.. فيبقى إن غُلب بيسترق ودي درجة أقل من درجة الذمي اللهو البيدفع الجزية.. أها ما في فرصة للمساواة بين الناس..
في عبارة "حرية الأقلية" إنتو سمعتوها أفتكر قالها السيد أسماعيل الأزهري في الكلام اللي قالو للصحافيين، الدستور الإسلامي بيعطي الأقلية الحرية، حق في عباداتهم.. الكلام دا في عهدنا الأولاني موجود.. يعني هو لمن يكون ذمي أصلو دفع الجزية ليحتفظ بملته.. كأنما دفع الجزية عهد علينا أن نحميه من العدو ونحميه ممن يدخل في عبادته .. ودي ما حاجة بيمن بيها على الإنسان.. في الوقت الماضي كانت بالصورة دي.. أنه الأقلية ليها الحق في حماية كنايسها وفي ممارسة عبادتها في كنايسها وفي ممارسة حقوقها الشخصية في أن تحتكم إلى محاكم ملية عندها.. عندما انت تتكلم عن الديمقراطية دا ما بيكفي.. كلام السيد اسماعيل الأزهري في أنه الدستور الإسلامي بدي الأقليات حرية العبادة دا ما عنده قيمة هنا بالمرة.. لأنه أصلو عند الكلام عن الدستور إنت بتتكلم عن الديمقراطية.. والديمقراطية فرص التساوي بين المواطنين من حيث أنهم مواطنين.. ما يمكنك إنت أن تقول زي ما بيقال دايما في الدستور الإسلامي هسع ومن دعاة الدستور الإسلامي أنه دين الأغلبية حقو يكون هو الدستور..