((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search
الدستور الإسلامي المزيف
دار الحزب الجمهوري - امدرمان

مارس ١٩٦٩

الجزء الثاني

الأستاذ محمود: واحد من العلماء قال في الندوة بتاعة الشيخ الفاتح قال أنه المسلمين لمن كانوا أقليات في البلاد الأخرى اضطهدوا كمان يصبحوا مضطهدين لما يكونوا أغلبية في بلادهم؟؟.. عنده من البداهة أنه الدستور يستمد من مذهب الأغلبية أو قكر الأغلبية أو دين الأغلبية.. ودا خطأ بحقيقة الدستور.. الدستور يجب ان يستمد من الفكرة البتوحد الشعب كله.. الدستور ما فيه أغلبية وأقلية، لكن الإدارة والتنفيذ فيه الأغلبية والأقلية.. في الوضع الديمقراطي الدستور يجب أن يكون حق كل الناس.. وأمل كل الناس.. وتطلع كل الناس .. بعدين الديمقراطية تقول أنه الإدارة تكون في أيد الأغلبية.. الأقلية ليها حقها المحترم في المعارضة.. بمعنى أنه الأقلية يمكنها أن ترشح لأعلى الوظائف بنص الدستور.. الأقلية يمكن أن تنافس بالترشيح في أعلى الوظائف والأغلبية ترشح.. بطبيعة الوضع الديمقراطي في الإنتخابات الأغلبية بتفوز.. يعني رئيس الدولة يمكن أن يترشح من أي جهة.. من الأقلية المسيحية او الأقلية الوثنية أو أي جهة.. حسب الديمقراطية دا الوضع.. بعدين الأغلبية بتفوز مرشحها.. لكن ديلك لا يمكن ان يحرموا دستوريا من الحق دا على اعتبار أنهم هم أقلية.. أفتكر النقطة دي يمكن تكون واضحة..
الدستور هو قامة الشعب كله.. هو تطلع الشعب أمل الشعب كله، أقليته وأغلبيته.. التطبيق عندما يجي ما في الحقيقة ما بيظلم الأقلية.. هو دا الوضع الديمقراطي أنه الأقلية تكون معارضة.. والأغلبية تكون صاحبة السلطة.. لكن المعارضة والسلطة عند الإنسان الواعي ديمقراطيا الإتنين في مستوى التشريع ومستوى التنفيذ، لأنه البيعارض بيمحص الحق.. إذا كان عارض في التشريع او عارض في التنفيذ هو مساندة حتى عندك مثلا في بريطانيا بتسمى معارضة جلالة الملك.. تشريف ليها تنسب.. حكومة جلالة الملك، معارضة جلالة الملك.. والإتنين بيعتبروا مساندين لبعض في إظهار الحق زي وضع القاضي والمحامي.. واحدين يقولوا القضاء الجالس والقضاء الواقف.. المحامي يعني القاضي الواقف، والقاضي القاضي الجالس.. مش،المحاولة مش أنه الناس يضللوا عن الحق أو ديلاك يعارضوا بدون وجه.. فالمعارضة والحكومة في الوضع الديمقراطي الصحيح الإتنين في جهازواحد ليعملوا لخير البلد.. ولذلك تلقى الأقلية حقها ما مهضوم في الديمقراطية.. لكن إذا جاء واحد قال لينا الدستور الإسلامي لازم يقوم لأنه هو فكر الأغلبية ودين الأغلبية.. والأقلية تكون تابعة.. أو قال أنه الدستور الإسلامي بيعطي الأقلية الحرية لأنه بيديها حقها في العبادة واحترام العبادة.. دا بكون بعيد جدا من أن يفهم الموضوع.. يكون فعلا جاهل بالأمر دا.. ودا من المستوى القاعد يقال في الوقت الحاضر في الدفاع عن الدستور الإسلامي.. ودا مما يخلينا نتكلم عنه بوصفه مزيف..
آ هنا موضوعنا نحن في الناحية الإيجابية زي ما قلنا بنتكلم عن أسس دستور السودان.. وأسس دستورالسودان الدايم بنعتقد أنها يجب أن تقوم على الأصول البلتقوا فيها الناس.. مش على الأصول - أو الفروع قول - البختلفوا فيها الناس.. الناس بلتقوا في العنصر الجامع بيناتم.. ما ببحثوا عن نقط الخلاف بيناتم.. مرحلة العقيدة في أي دين دي نقط خلاف بين الناس.. إنت على عقيدة من العقايد من الخطأ أن تنتظر الناس التانين لازم يحترموها ويؤمنوا بيها زي ما إنت مؤمن بيها والا يكونوا مخطئين بيستحقوا منك المقاومة والجهاد.. دا ماهو صحيح.. الصحيح أنه في مستوى العقيدة (كل حزب بما لديهم فرحون)..
لكن الناس في أصول بتجمعم هي أصول الإنسانية.. نحن لما قلنا ما عايزين نسمي حكومتنا حكومة دينية لأنه بنعتقد أنه الناس بلتقوا في الأنسانية.. يفترقوا في العقيدة، يلتقوا في الإنسانية.. إذا كان الدين الإسلامي ما فيه غير العقيدة ما هو صالح.. إذا كان الدين الإسلامي ما عندة مرحلة غير العقيدة ما هو صالح لبكرة إطلاقا.. لكن لحسن الحظ أنه العقيدة في الدين الإسلامي مرحلة.. وحقيقته إنسانية.. بمعنى أنه أصلو الإنسان مولود على صورة نقية.. نحن دينا سمي دين الفطرة في حديث نبينا وفي القرآن..
الفطرة، برضه نبينا قال عنها أنه (كل مولود يولد على الفطرة).. مش كل مسلم، كل مؤمن بيولد على الفطرة!!.. كل مولود من حيث أنه بشري.. كل مولود بشري، هو بقصد بالكلام دا، يولد على الفطرة.. بعدين يبقى يهودي يبقى مجوسي أو يبقى نصراني بالوسط البعيش فيه.. والحديث النبوي قال (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).. يعني هو طفل.. طفل المجوسي وطفل الوثني وطفل المسلم وطفل اليهودي وطفل النصراني.. من حيث هو بشري هم متساوين.. بعدين لما يجي يعيش إذا كان أبوه وأمه يهود يبقى يهودي.. إذا كان أبوه وأمه نصارى ببقى نصراني.. إذا كان أبوه وأمه مجوس ببقى مجوسي.. دا المجتمع الصغير البأثر فيه.. بعدين المجتمع الخارجي في الحارة وفي السوق وفي المدرسة بيصبغه بالصبغة اللي ببقى بيها بعدين متميز بصورة من القصور أو صورة من الكمال أو صورة من الصور .. (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).. بعدين الأصل الإسلام (فطرة الله التي فطر الناس عليها).. الإنحرافات دي بتجي في السلوك لقدام.. دا المعنى اللي قال بيه إن الدين عند الله الإسلام.. ودا المعنى المنتظر بيه الإسلام ان ينطبق على الأرض كلها ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جور وينتصر على الأديان كلها (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله..)..

نحن بنتكلم كتير عن أنه الإسلام مش غاية في ذاته.. الإسلام منهاج من الحياة تكمل بيها حياة الإنسان.. الإسلام اسلوب حياة.. بممارسة الأسلوب دا نحن نصل لأصالتنا ولحقيقتنا ولنقاوتنا الأولانية.. الإنسان فطرته اللي ربنا فطره عليها هي أنه قلبه سليم ما هو مقسوم ما هو حاقد ما هو مضغن ما هو منافق.. أي طفل من الأطفال لو تشوفه البراءة فيه بصورة واضحة.. ولا عنده نفاق ولا عنده تدليس ولا عنده كذب ولا عنده غش ولا عنده طموح ولا عنده بغض.. بعدين عقله برضه صفحة بيضاء.. الطفل دا مولود صفحة بيضا في عقله وقلبه.. بعدين لقدام يمش يدخل فيه النفاق والرياء الإجتماعي والكذب والحقد والبغض.. لغاية ما يبقى مكلف الفطرة دي تنمسخ.. ويجي العبارة القرآنية (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).. غطى عليها.. النقاوة ديك بقت عليها قشرة من الصدأ (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).. بعدين لمن يكون في سن التمنتاشر وسن العشرين ويبتدي في التكليف في الدين، الغرض بتاع الدين أن يرجعه لأصالته دي.. أن يعطيه مع التجربة النقاوة القبيل دفعها تمن لأن يكسب تجربة.. لأنه فطرته الأولانية ما في عبرة كبيرة بيها.. هو ضعيف.. هو جاهل.. الطفل ما عنده تجربة.. صفحة بيضاء ما انكتب فيها شيء.. التجربة ضرورية.. ليمشي للتجربة بدفع تمن.. التمن دا هو ما سمي بالران.. التغطية البتحصل على قلبه..
كأنه الإنسان في الفكر الإسلامي.. الإنسان البشري بيمشي بخطوتين لى الله.. خطوة بكسب فيها التجارب بصورفيها تدنيس وفيها كثير من الذلل والخطيئة .. بعدين الخطوة التانية تنقية للخطوة دي.. ليرجع للسلامة تاني مرة وللفطرة تاني مرة مع التجارب الإكتسبها.. فإذا كان الإسلام عرف بالصورة دي كمنهاج للحياة يبقى كل إنسان محتاج ليه.. وكل إنسان يعتنقه ويسير فيه بهداية بالصورة دي يرجع إلى صورة من النقاوة والطهر والطيبة بتاعة الطفل ثم هو عارف، هو مجرب، هو ممارس لأعمال واجهها، صاولها، وانتصر عليها، وحلاها في تجاربه.. الإسلام دي قيمته.. قيمته أنه يرد البشرية إلى الفطرة البتلتقي فيها تاني.. والعقيدة فيه لكنها مرحلة.. في مرحلة العقيدة الناس ما بلتقوا.. الإسلام ما بكون مرشح لإنسانية بكرة في مرحلة العقيدة.. لكن بكون مرشح في مرحلة التنقية دي في مرحلة الإنسانية أن يرد عنصر الإنسان إلى الإنسان مرة جديدة بعد ما انمسخ.. آ دي.. دا الأمل في الإسلام في المستوى دا.. من أجل دا نحن ما عايزين نقول حكومة دينية..
أسس دستور السودان ما سميناه "أسس الدستور الإسلامي".. لكن في الغلاف من برة كتبنا عنه ما يدل على أنه هو الدستور الإسلامي.. ما بنسميه إسلامي في أي مرحلة من مراحلنا نحن ما راح نقول دا الدستور الإسلامي، لكن المحتوى هو الإسلام.. بعدين الإسلام في المستوى دا هو دين الإنسانية..
يبقى زي ما قلت الناحية الإيجابية راح تكون في الكلام عن أسس.. عن الدستور الدايم.. واحد من موضوعنا أننا نعارض الإسلام المزيف.. الدستور الإسلامي المزيف يجب ان نواجهه ونعارضه.. الحكاية التانية أنه نضع دستور إسلامي بدون ما نسميه إسلامي.. أنا ذكرت الأسباب البتمنعنا من أن نسميه إسلامي.. لكن برضه عايز أقول ليه نضعه إسلامي.. ليه ما يكون دستور علماني.. السبب البنضعه دستور أسلامي لأنه الإسلام في الديمقراطية قمة.. الإسلام استطاع في المجال دا ما لم يستطعه أي فكر سياسي آخر.. هو أن يوجد توافق وانسجام بين حرية الفرد وحرية الجماعة.. التفكير الموروث عندنا هسع والمعروف عندنا، عنده المشكلة دي قايمة.. هل الفرد أهم ولا الجماعة أهم؟
إن جيت إنت للشيوعية تلقى أنها لمتابعتها للتاريخ الماضي في تطورنا من تاريخ الغابة.. من قانون الغابة للوقت دا وجدت أنه الإنسان إذا أعطي حرية دايما عمله بكون ضد الجماعة.. الإنسان أناني إذا كان امن الخوف من العقوبة يمارس حريته في عمل فيه تقويض لمصلحة الجماعة.. ولذلك قالوا الحاجة البديهية أن تقيد حرية الفرد لتستقيم للجماعة أمورها لأنه الجماعة عدد والفرد واحد.. بالوضع دا جاء التغول على الحرية في محاولة الإشتراكية.. دي لعلها تسوقنا لعبارة هامة.. أفتكر في الليلة اللي كانت مفروض تكون ندوة واتحدثنا فيها نحن وحدنا القدمتها الجبهة الإشتراكية.. كان رئيس الجلسة عقب على كلام أنا ما كانت عندي الفرصة لأن أعقب عليه لأنه ما كنت محاضر كنت متكلم وهو عقب.. قال الماركسية علم ونحن حريصين على الماركسية لأنه الأقطار الماركسية اتقدمت وطارت في الآفاق ومشت، بإختراعات العلم، للقمر مثلا.. بطبيعة الحال الكلام دا ما بيسلم ليه لاعتبارأنه الما ماركسيين مشوا للقمر.. دي واحدة.. بعدين مسألة العلم النحن بنقولها اللي قلنا عنها الماركسية علميا خطأ مش العلم التجريبي.. العلم التجريبي دا حظ مبذول بين الأمريكان اللهم رأسماليين والروس اللهم ماركسيين.. وبيناتم هم كفرسي رهان في الأمر دا.. فما يمكنك أنت أن تقول مثلا الماركسية علم لأنها استطاعت أن ترفع الروس ليسيروا إلى القمر في الوقت الرأسماليين ساروا.. والرأسمالية قايمة على نقيض الماركسية.. يبقى النقطة دي أنا افتكر بتحتاج لتوضيح في أنه الماركسية علميا خطأ وبناخدها من النقطة دي اللهي عجزها عن التوفيق بين الفرد والجماعة.. الماركسية بانية أمرها كله على مراقبة ودراسة تطور التاريخ الماضي..