وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)


كتابات حول فكر ومواقف الحركة الجمهورية

الفكر الجمهوري وأوهام صاحب (الصيحة)!!

د. محمد محمد الأمين عبد الرازق

أتابع منذ منتصف مارس الماضي كتابات السيد الطيب مصطفى حول دعوة الأستاذ محمود محمد طه لإحياء السنة النبوية، وما ورد تحديدا في تصحيح معتقدات المسلمين لترتقي إلى العقيدة في مستوى السنة، إذ أن الإسلام إنما يعود ببعث السنة بمعنى عمل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في خاصة نفسه.. وكتابة صاحب الصيحة مكررة، فقد نشرها بتاريخ 5 فبرائر 2016م وهي مأخوذة من بحث بعنوان (الجمهوريون بين الوهم والحقيقة) للباقر عمر السيد.. وخلاصة هذا الباحث هي أن الأستاذ محمود زعم لنفسه صاحب المقام المحمود، وأنه المسيح المحمدي وأنه الإنسان الكامل وادعى الألوهية والنبوة، وتلاميذه يشتركون معه في هذه الاعتقادات المتوهمة!!
ولكن صاحبنا الطيب مصطفى مشغول بأمر آخر، هو الخوف على السلطة من الفكرة الجمهورية، فهو قال:(وهل يجوز لحزب عقائدي نشأ على حرب الله ورسوله وصدر عن زعيمه من الأقوال ما لم يتجرأ فرعون على قوله أن يكون له الحق في ممارسة العمل السياسي – وهو في واقعه ممارسة لنشر الباطل أم أن المفروض إقامة حد الردة على كل من يتبنى هذه الأفكار).. فهدف صاحبنا وضح وهو تشويه الجمهوريين حتى لا تنضم اليهم الجماهير فتسقط السلطة!!
أولا: العمل السياسي ليس حكرا على المسلمين، فالباب مفتوح بالدستور والقانون لأي فكر والساحة مليئة بأحزاب علمانية برنامجها قائم على فصل الدين عن الدولة..
ثانيا: جميع الاتهامات التي وجهها الكاتب للجمهوريين إنما هي أوهام من صنع خيالاته، فالأستاذ محمود أكبر من دعا الناس إلى الطريق النبوي وقال: ((إن غدنا هذا المأمول – غد البشرية جميعها – لا يعدنا له، ولا يرقينا فيه مرشد أقل من محمد المعصوم، ولقد خدمت الطرق الصوفية غرضاً نبيلاً، وقامت بدور عظيم في حفظ الدين، وإرشاد الناس، ولكنها أقل من أن تنهض بأعباء هذا الغد، ولا بد إذن من الأخذ بالطريقة الجامعة للطرق كلها (طريق محمد)) فإنه قد قال: (قولي شريعة وعملي طريقة وحالي حقيقة) ... ثم يقول في نفس المصدر: ( وعن أزلية نبوته قال المعصوم: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) ومعنى هذه العبارة أنه كان نبياً عالماً بنبوته في الأزل، وقد ظهر مصداق ذلك عندما برز إلى عالم الأجساد، فإنه وهو جنين في رحم أمه كان يختلف عن الأجنة في الأرحام، فقد برئ وحام أمه به مما تتعرض له وحامى النساء من الغثيان وخبث النفس واستيفاز الشعور.. وكان حمله على أمه خفيفاً، تجد بركته، في يقظتها بالصحة وبهجة النفس، والمسرة المتصلة.. وتجد بركته في نومها بالرؤى المفرحة.. وبمثل ذلك اختلفت طفولته واختلفت يفاعته، واختلف شبابه حتى لقد أيقن أنه خلق لغير ما خلق له أترابه من الشباب، ثم لم يلبث أن ألح عليه هذا الإيقان حتى اعتزل المجتمع، وآوى إلى الغار)..
وتحت عنوان (دقائق التمييز) نشرت الصحف عام 1954م ما يلي:
(أمران مقترنان، ليس وراءهما مبتغي لمبتغ وليس دونهما بلاغ لطالب: القرآن وحياة محمد، أما القرآن فهو مفتاح الخلود.. وأما حياة محمد فهي مفتاح القرآن.. فمن قلد محمداً تقليداً واعياً فهم مغاليق القرآن.. ومن فهم مغاليق القرآن حرر عقله، وقلبه من أسر الأوهام))
دعونا نوضح ماذا قال الأستاذ محمود حول مزاعم هذا الكاتب ليعرف القراء الكرام أين الحقيقة واين الوهم!!
يقول الأستاذ محمود، إن كل المعارف التي كتبت في كتب الفكرة الجمهورية أو التي قيلت في الأحاديث العامة والخاصة، إنما تهدف إلى أمر واحد، هو أن يأخذ الناس أنفسهم بالطريق النبوي بتجويد وإتقان، فالمعرفة بقامة النبي الكريم الروحية أساسية لشحذ الهمم وتفعيل السلوك.. وقد ورد في التاريخ أن أويس القرني لم ير النبي، لأنه كان ملازماً لوالدته، وعندما التقى بالصحابة في موسم الحج طلب من أبي بكر وعمر أن يصفا له النبي، فوصفاه شكلا، فرد عليهم: والله ما رأيتموه إلا كالسيف في غمده!! فكلما ارتقت المعرفة بالقامة المقلدة زادت فعالية التغيير في النفوس.. فالنبي متحرك في ثلاث مقامات: الرسالة، النبوة والولاية.. والنبوة مرتبة وسط بتجويدها تثمر من أعلاها ولاية ومن أسفلها رسالة.. فالسيف الذي ورد في عبارة أويسس القرني هو (النبوة)، وغمده (الرسالة) فالنبوة حجبت بالرسالة، والنبوة نفسها لمن يقلدها بإتقان تكون غمدا للولاية.. والمعرفة بهذه المقامات ضرورية لممارسة منهج السنة بعلمية حتى يتحقق التغيير المنشود في الإنسان المعاصر نحو إنسانيته..
المصطلحات التي يركز عليها صاحب (الصيحة) تارة للإثارة وأحيانا للسخرية، كالمقام المحمود، المسيح المحمدي، الحقيقة المحمدية والانسان الكامل...الخ، ليست من تأليف الجمهوريين وإنما كلها واردة في القرآن والحديث، وما فعله الأستاذ محمود هو تبيين معانيها من أجل تصحيح العقيدة عند عامة المسلمين لترتفع إلى العقيدة في مستوى السنة..
جاء في حديث جابر الأنصاري: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).. نور النبي هو الحقيقة المحمدية.. والحقيقة المحمدية هي أول قابل لتجلِّ الذات الإلهية المطلقة، ومقامها هو مقام (الوسيلة) الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لأحد من عباده، فاسألوا الله أن أكون هو) وقال: (من سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي).. ومقام الوسيلة هو المقام المحمود: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) ولذلك فإننا عندما نسمع الأذان نقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمداً (الوسيلة) والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد).. وعندما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ)، فإن المقصود بالوسيلة، في الحقيقة، النبي الكريم، إضافة إلى الإيمان والتقوى المذكورين في صدر الآية.. فالنبي الكريم في حقيقته إنما هو قمة الخلائق الذي يقف بيننا وبين الذات الإلهية المطلقة، ويقيد لنا من العلم بالذات ما تطيقه عقولنا بمقتضى حكم الوقت، فهو إذن، مركزية الإمداد الروحي لحركة تطور البشرية حيث وجدت.. فالذات المطلقة فوق العقول وفوق اللغة، وتقصر معطيات عقولنا وطاقتها عن الإحاطة بها، ولذلك فإن كلمة "الله" في حقها ما هي إلا إشارة، فنحن إنما نعبد الذات المطلقة عن طريق وسيلة هذه الحقيقة المحمدية التي قلنا إنها أول قابل لتجلِّ الذات المطلقة..
الإنسان الكامل الذي ورد كثيراً في كتب الجمهوريين هو النبي الكريم في مقام حقيقته المحمدية، ولا أحد غيره مقصود بهذه التسمية من الناحية الروحية.. وعندما يقول القرآن : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وكانت يد النبي هي التي فوق أيديهم، إنما أراد أن يشير إلى أن النبي الكريم هو أكبر من يمثل الله من الناحية الروحية على الأرض.. ولذلك فمن آمن به فقد آمن بالله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)، ومن أحبه فقد أحب الله.. جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين).. والسبب في ذلك هو إن مراد الإيمان أن ينقل السالك إلى المعرفة بهذه الحقيقة، لأنها لدى التناهي حقيقة كل إنسان، وإلى هذا يشير الحديث: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" فهذا الحديث يقرر أن آدم نفسه مصدره هذه الحقيقة المحمدية، وبالتالي فإن جميع أبنائه مشمولون بهذا المعنى، ولذلك قلنا إن الحقيقة المحمدية لدى التناهي إنما هي حقيقة كل إنسان..
وحياة النبي الكريم كانت تجسيداً للقرآن، وقد وصفته السيدة عائشة فقالت: كان خلقه القرآن.. قال تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين "..
وعندما حضرت النبي الكريم الوفاة، كان يردد: بل الرفيق الأعلى.. بل الرفيق الأعلى.. والرفيق الأعلى هو هذه الحقيقة المحمدية، وقد حققها بالنزع ونزل بالمقام المحمود في البرزخ، والبرزخ وسط بين عالمي الملكوت والملك وبذلك رفرف المقام على عالم الملك.. وسيعود النبي الكريم، مرة ثانية، لينزل بالمقام في عالم الملك، وإلى ذلك تشير الآية: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادٌّك إلى معاد"، وفي هذا المعنى قال ابن عباس: عجبت لمن ينتظر عودة عيسى ولا ينتظر عودة محمد!!
إذن حركة التطور في المجتمع البشري، موجهة، روحيا، في مسيرتها الطويلة بالحقيقة المحمدية نحو إنزال هذه الحقيقة وتجسيدها على الأرض، ولن يحققها أحد غير النبي الكريم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو أكبر من عمل ولا يزال يعمل على إنزالها من عالم الأرواح، إلى عالم الأجساد، لذلك قال عنه الأصحاب: (كان محمدٌ كأنما نصب له علمٌ فشمر بطلبه).. ولعلنا لا نحتاج لأن نذكر بأن الاعتبار في الدين دائما للروح (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) فالإنسان بدون الروح لم يكن شيئا مذكورا..
يقول الأستاذ محمود في كتابه (رسائل ومقالات – الثاني) في توضيح هذه النقطة بالذات: (فصلاة الله رحمة، برفع الحب.. وصلاة الملائكة استغفار بالتفدية.. وصلاة المؤمنين عبارة بالتوقير.. والمؤمن منتفع بالصلاة.. والنبي منتفع بها لأن أجر النبي يزيد بزيادة المهتدين من أمته كماً وكيفاً.. والمؤمن يزيد هدى كلما وقر في صدره حب النبي، وتوقير النبي، وذلك ما تفعله الصلاة عليه كلما ذكر اسمه.. فإذا قال قائل في مجلسك: محمد أو قال: النبي، فقد وجب أن تقول: (صلى الله عليه وسلم).. أو أن تقول (اللهم صلى وسلم على حبيبك) إلى آخر هذه العبارات، الطيبات التي تقرب النبي إلى قلبك وترقق قلبك، وتحفظه من آفة الغلظة، وآفة الجفاء، وصلاة المؤمن على النبي هذه هي أدنى مراتب الصلاة عليه، وهي توقير وتقديس عن جهل.. والتقديس بديل عن المعرفة، ما دونه بديل.. ويجب أن يكون مقدمة للمعرفة، ومرحلة انتقال إليها، وإلا، يظل لازمة ثابتة لا تتطور.. وإنما تطوره بأن يصير توقيراً عن علم.. هذه صلاة المؤمن على النبي، فإذا ارتفع المؤمن، فأصبح مسلماً، ارتفعت صلاته على النبي، فأصبحت معرفة بالمقام.. وأصبح لها حظ يتفاوت من صلاة الله على النبي.. وهي أعلى الصلاة عليه وهي ليست لفظية) انتهى..
الشاهد في الأمر أن النبي الكريم عندما قال: (من سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) يعني من اهتدى بالهدى النبوي، وليس المقصود مجرد الانتماء الشكلي.. وذلك لأنه وكما ورد في كلمة الأستاذ محمود التي اقتطفناها من كتابه رسائل ومقالات (أجر النبي يزيد بزيادة المهتدين من أمته)، والمهتدين تعني الذين تحققوا بمعرفة يقينية مكنتهم من تغيير أخلاقهم.. خلاصة القول إن كل كمال مرتقب لن يتم تحقيقه إلا بباب النبي الكريم، فهو على الدوام في مقدمة الركب وقائد الخلائق كلها..
إذا وقع في ذهن القارئ حجم المعرفة بمقام النبي الكريم الروحي، وسنته التي هي عمله في خاصة نفسه، لدى الدقة، يتضح الفهم الجاهل القاصر، والمغرض عند البعض، من أن هناك أحد غير النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم سيحقق مقام الإنسان الكامل مقام (الوسيلة) أو(المقام المحمود)..
هذه هي الأفكار من مصادرها بالنص، فهل لهذا الكاتب أدنى عذر في أن يفهم عكس الحقيقة!!؟؟ على كل حال لا نملك إلا أن نقول له: (إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود) وسأواصل في تصحيح هذه الأوهام..