والخوف، من حيث هو، هـو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك، ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهـو خائف، ولا تتـم كمالات الأنوثـة للأنثى وهي خائفة، في أي مستوى من الخوف، وفي أي لـون من ألوانه، فالكمال في السلامة من الخوف.
ولن يتم تحرير الفرد من جميع صور الخوف الموروث إلا بالعلم.. العلم بدقائق حقيقة البيئة الطبيعية التي عاش، ويعيش فيها، والتي كانت سببا مباشرا لترسيب الخوف في أغوار نفسه، فإن الخوف جهل والجهل لا يحارب إلا بالعلم.. ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بإعطاء الفرد صورة كاملة، وصحيحة، عن علاقته بالمجتمع، وعن علاقته بالكون، وهو ما نحن بصدده منذ حين.

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)

menu search

هؤلاء هم الوهابية

خالد الحاج عبد المحمود


بسم الله الرحمن الرحيم

((وإنَّا أو إيَّاكم لعلي هدى أو في ضلال مبين))
صدق الله العظيم


"والتبشير بالإسلام أمر يتطلب أن يكون المبشِّر، من سعة العلم بدقائق الإسلام، وبدقائق الأديان، والأفكار، والفلسفات المعاصرة، بحيث يستطيع أن يجري مقارنة تبرز امتياز الإسلام على كل فلسفة اجتماعية معاصرة، وعلى كل دين، بصورة تقنع العقول الذكيَّة.."
(من كتاب الثَّورة الثَّقافية للأستاذ/ محمود محمد طه)


الوهَّابية:
مقدمة تاريخية:


الوهَّابية هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان المولود بقرية العيينة 1703م والمتوفي 1792م، وقد عاش ابن عبد الوهاب حوالي التسعين عاما.. وكان والده يعمل قاضياً، وقد تلقى محمد على يدي والده الفقه على مذهب الامام أحمد، وتردد على مكة والمدينة، طلباً للعلم، وأخذ على عدد من العلماء، من بينهم الشيخ محمد بن سليمان الكردي، والشيخ محمد حياة السندي.. وزار ابن عبدالوهاب البصرة، وعاد منها مطروداً، حسب رواية بن بشر مؤرخ الوهابية..
وقد تحالف الشيخ مع أمير العيينة، عثمان بن حمد بن معمر، وقد أورد مؤرخ الوهابية عبدالله فليبي في كتابه تاريخ نجد، أن الشيخ قال لأمير العيينة (إن نصرتني ملكت نجد) وفي رواية (إني آمل أن يهبك الله نجداً وعربانها).. وهذه القولة تشير بوضوح أن للشيخ طموحات محددة، يسعى إلى تحقيقها، بالتحالف مع الحكام والأمراء.. وقد توكد ذلك، فيما بعد، عندما تحالف مع آل سعود، ولقد زوج أمير العيينة، ابنة عمه، الجوهرة بنت عبدالله بن معمر لابن عبد الوهاب.. وقد قام الأمير عثمان بن حمد بطرد ابن عبد الوهاب، وتشير المصادر الوهابية، إلى أن السبب في ذلك، وقوع أمير الدرعية تحت ضغوط من الأمراء المجاورين، في الاحساء، وقطيف، وحريملاء، والبصرة.. وفيما بعد تمكن ابن عبدالوهاب من قتل عثمان بن حمد..
إن عمليات الطرد المتكررة لابن عبدالوهاب، تشير إلى أن دعوته كانت تثير الاضطرابات والقلاقل، بين المواطنين في المناطق التي يحل بها، وكثير من سكان المنطقة كانوا من الشيعة، ومجاورين للعراق، الموطن الكبير للشيعة، وكان ابن عبدالوهاب منذ بداية دعوته يهاجم التصوف، والتشيع، وما يعتبره أعمال شرك، وبدع، من أعمال هاتين الفئتين، ويتضح ذلك من أقوال مؤرخي الوهابية، الذين يصفون البيئة التي نشأ فيها ابن عبدالوهاب بأنها بيئة (غارقة في الجهل، ونشأ فيها الشرك، وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور، والبناء عليها، والتبرك بها، والنذر لها، والاستعاذة بالجن، والذبح لهم، ووضع الطعام لهم في زوايا البيوت لشفاء المرضى، ولنفعهم وضرهم!!) وقد أصبحت محاربة هذه المظاهر، هي جوهر دين الوهابية، ولايكاد يوجد عندهم شيء خارج هذا الإطار!! ولما كانت هذه المظاهر تنسب للشيعة والصوفية بوجه عام، فقد أصبحت كل دعوة الوهابية، تقوم على معاداة التصوف والصوفية، وتكاد تقتصر على ذلك..
لم يواصل الشيخ تعليمه، بسبب العداوات والقلاقل التي أثارها، وبسبب انشغاله بالتحالفات السياسية.. وحسب رواية بشر "وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك وقع بينه وبين الناس في البلد (يقصد حريملاء)، فأقام على ذلك سنين حتى توفي أبوه عبدالوهاب في سنة 1153هـ ثم أعلن دعوته"..
كان تحالف بن عبدالوهاب الثاني، والأهم، مع أمير الدرعية محمد بن سعود، وذلك سنة 1158هـ، وقد تمت بين الرجلين بيعة، تقوم على أن يكون لابن سعود السلطة السياسية، ولابن عبدالوهاب السلطة الدينية.. وكانت أهم بنود هذه البيعة تتمثل فيما يلي:
1. تكون الإمارة في يد محمد بن سعود وأولاده..
2. يكون للشيخ، وتلامذته المشيخة والقضاء أي الشئون الدينية..
3. أن يلتزم الشيخ بالبقاء تحت راية بيت آل سعود فلا يخرج داعياً إلى غيرهم ولا يرتحل عنهم..
4. أن لا يعترض الشيخ على ما يأخذه ابن سعود من أموال من الدرعية وغيرها من الذين يخضعون لسلطانه..

وقد حدث خلاف بين المؤرخين حول موافقة بن عبد الوهاب على هذا البند الأخير، ولكن أقره بن بشر وهو ثقة بالنسبة للوهابية..

الجهاد والهجرة:


لقد ارتبطت الوهابية، منذ البداية، مع آل سعود، بالعمل الحربي.. وكان الشيخ ــ على الأقل في البداية ــ هو شخصياً من يجهِّز المقاتلين، وكانت أول سريَّة للوهابية، حسب مؤرخها عثمان بن يشر النجدي، بأمر الشيخ، يقول بن بشر:" ثم أمر الشيخ ــ أي محمد بن عبالوهاب ــ بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا، فأول جيش غزا، سبع ركائب، فلما ركبوها واعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا أظنه على بعض الأعراب ففتحوا ورجعوا سالمين"..
وقد طلب ابن عبدالوهاب من الذين دخلوا في مذهبه الهجرة اليه، يقول ابن بشر: "ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية، واستوطنوا، كانوا في أضيق عيش، وأشد حاجة.." ويقول: "وكان الشيخ ـــ رحمه الله ـــ لما هاجر إليه المهاجرون يتحمل الدين الكثير في ذمته لمؤونتهم وما يحتاجون اليه"..
ومن المناطق التي هاجمها ابن عبدالوهاب، موطنه الأصلي العيينة، فخرب القرية، وقتل الكثير من أهلها، ومن بينهم الأمير عثمان بن حمد الذي مرَّ ذكره، وقد اتَّهمه ابن عبدالوهاب بالشرك، وهو الذي كان قد آواه قبل ذلك!! وكان مال بن عبدالوهاب، الذي ينفق منه هو الذي يأتيه من الغنائم..
وتاريخ الوهابية، بعد تحالفهم مع آل سعود، هو تاريخ حركة آل سعود، وحروبهم التي شنوها على مختلف أراضي الجزيرة العربية.. فبعد وفاة محمد بن سعود 1179هـ خلفه عبدالعزيز بن محمد بن سعود على حكم الدرعية، واستطاع أن يفتح الرياض 1187هـ واستمرت حروبه حتى 1202هـ، وفتح الأحساء، ومكة، والطائف، بعد حروب طويلة مع الشريف غالب بن مساعد شريف مكة.. وغزا عبدالعزيز جنوب العراق، ودخل كربلاء، وهدم ضريح قبر سيدنا الحسين، وأخذ الكنوز التي كانت عند الضريح، وهذا مما جعل أحد الشيعة، يقوم بطعن عبد العزيز وقتله عام 1218هـ.. وقد خلف عبدالعزيز ابنه سعود، وواصل الفتوحات، بعد أن توصل إلى صلح مع الشريف غالب..
وبعد حروب طويلة، آلت معظم الجزيرة العربية، لآل سعود وسموا المنطقة التي سيطروا عليها (المملكة العربية السعودية) وأقاموا فيها ملكاً وراثياً.. وقد قويت المملكة، وصارت دولة ثريَّة، بعداكتشاف البترول بها، ووجدت الحماية الدائمة، من الدول الغربية، المستفيدة من البترول.. وقد ظل التحالف السعودي الوهَّابي، قائماً، منذ ذلك التاريخ والى اليوم.. فلآل سعود السلطة السياسية، ولآل الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلطة الدينية، بالطبع تحت هيمنة الملوك والأمراء من آل سعود.. وأصبح الوضع ملكاً وراثياً، يدعمه دينياً، ويبرره آل الشيخ، مقابل امتياز دينيٍ وراثيٍ هو الآخر.. وقد قامت الدولة السعودية، الثالثة عام 1913م وهي مستمرة إلى اليوم..
وفي اطار دعم نفوذهم، وتأمين سلطتهم، اتجه السعوديون إلى استغلال الدين، مستعينين على ذلك، بالثروة الطائلة التي وفرها لهم البترول، ولم يقتصر استغلالهم للدين على الداخل فقط، وإنما سعوا لأن تكون لهم مكانة خاصة بين الدول العربية والإسلامية بحكم سيطرتهم على الأماكن الإسلامية المقدَّسة، فعملوا على نشر المذهب الوهابي خارج السعودية، وفي مختلف دول العالم العربي والإسلامي، معتمدين في ذلك على ثروتهم الطائلة، وعلى نشاط حلفائهم، وأتباعهم، من الوهابية، ذلك النشاط الذي يقوم أساساً على أموال الدولة السعودية في تجنيد الأتباع للدعوة.. فمن هذا الجانب، الدعوة الوهابية، هي دعوة جماعة وظفت نفسها، لقيام، وحماية واستمرارية نظام معين، هو نظام الأسرة السعودية، المالكة.. وارتبطت هذه الجماعة ببيعة ملزمة لها، تضمنت هذه البيعة ألاَّ تسأل اسرة آل سعود عما تفعل في الجانب السياسي، وعملياً التزم الوهابيون بذلك، وظلوا طوال تاريخهم وإلى اليوم هم السند الديني الذي يبرر حكم آل سعود، ويعطيه الغطاء الديني.. ولم يحدث في تاريخ الوهابية، كجماعة، أن أشاروا ولو مجرد إشارة لصور الفساد الكثيرة، التي ظلت تجري في حكم النظام السعودي، طوال تاريخه.. فمن هذا الوجه، الوهابية، ليست أيدولوجية حزب، وإنما هي أيدولوجية أسرة!! وهذا أمر يتفردون به، وليس له أيِّ شبيه.. فالأمويون، أو العباسيون، كانوا يستغلون الدين في حكمهم، لكن لم تكن لهم فرقة دينية ذات مذهب محدد، توظفه لهذا العمل، مثل جماعة الوهابية..