في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

حول ندوة تجديد الفكر الديني
د. حيدر إبراهيم والموقف من الدين

خالد الحاج عبد المحمود


بسم الله الرحمن الرحيم

حول ندوة تجديد الفكر الديني
د. حيدر إبراهيم والموقف من الدين
(1-3)



القراء الكرام
تحية طيبة

نعتذر عن تأخير نشر هذا المقال وذلك للظروف التي تمر بها البلاد
قدَّم نادي الفلسفة السوداني بالاشتراك مع مركز أبحاث ودراسات الديمقراطية والمجال العام، بمسرح جامعة النيلين ندوة بين الأستاذة أسماء محمود وفريق من حزبها.. ود. حيدر إبراهيم وفريق من جماعته، وكان موضوع الندوة: هل هنالك جدوى لتجديد الفكر الديني؟ بتاريخ 24 اغسطس 2021.. وقد استمعت لتسجيل الندوة، وأنا هنا بصدد التعقيب على أقوال د. حيدر إبراهيم والتي وجدتها غريبة بصورة مدهشة!!

كان مدخل د. حيدر كما يلي: (بعتقد انه الإصلاح الديني، هو دين بشري موازي للدين الالهي لانو الدين جا كدين موحى به من عند الإله فلذلك بعد الناس، نزل الدين إلى الأرض، هنا بدأ التدخل البشري فلذلك أي اشكال من اشكال التجديد او الاصلاح او الاجتهاد، هي تشبه ما يمكن ان نسميه دين بشري موازي للدين الموحى به لذلك عشان كدا انا بقول، ما ممكن يكون في اصلاح ديني، الدين لا يمكن اصلاحه الا بتغيير الدين الاصلي الجا اها دي دا المأزق بتاع الفكرة الجمهورية!!)..

من الواضح أن هذا هو جوهر فهم د. حيدر للدين، وهو بكل أسف لا علاقة له بالدين، لا من قريب ولا من بعيد!! فعبارته: (بعتقد انه الاصلاح الديني، هو دين بشري موازي للدين الالهي).. عبارة مناقضة للتوحيد بصورة أساسية.. حسب التوحيد لا يمكن أن يوجد أي عمل بشري يكون موازياً للعمل الإلهي، خلي عنك أن يكون ديناً بشرياً موازياً للدين الإلهي!! لا يوجد دينان في الوجود، وإنما هو دين واحد، هو دين الله الذي لا دين غيره.. جاء من كتاب الرسالة الثانية، في المقدمة وتحت عنوان جانبي، "الرسالة الثانية من الإسلام" جاء قوله: (الإسلام دين واحد وهو دين الله الذي لا يرضى غيـره.. قال تعالى فيه: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ، طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ؟؟" وهو، بهذا المعنى إنما هو الاستسلام الراضي بالله رباً، وبالإسلام جاء جميع الأنبياء من لدن آدم وإلى محمد.. قال تعالى في ذلك: "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا، وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَىٰ، وَعِيسَىٰ، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.. اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ".. ((شرع لكم من الدين)) هنا لا تعنـي الشرائع وإنما تعنـي ((لا إله إلا الله)).. ذلك بأن شرائع الأمم ليست واحدة، وإنما هي مختلفة اختلاف مقدار، وذلك لاختلاف مستوياتها.. وإنما ((لا إله إلا الله)) هي الثابتة، وإن كان ثباتها في مبناها فقط، وليس في معناها.. وإنما يختلف معناها باختلاف مستويات الرسل وهو اختلاف مقدار أيضا.. قال المعصوم في ثبات مبنى ((لا إله إلا الله)): "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي ((لا إله إلا الله))".. فجميع الديانات السماوية جاءت بـ "لا إله إلا الله" وجميع الكون وما يحدث فيه من أحداث، هو مظهر وتجلي لـ "لا إله إلا الله".. وهي تعني أن الفاعل لكبير الأشياء وصغيرها هو الله.. الله تعالى هو الفاعل الوحيد في الوجود، ولا فاعل معه!! وكل فاعل من دونه، من خلقه، فعله محاط به من قبل فعل الله، فهو ليس مغايراً لفعل الله، وإنما هو فعل الله متنزل للخلق.. وعلى ذلك الوجود كله مسلم لله في الحقيقة.. وهذا هو دين الإسلام العام.. أما دين الإسلام الخاص، دين البشر، فهو نفس دين الإسلام العام، الاختلاف فقط ان من يسلم فيه من البشر يكون واعياً وراضياً بإسلامه.. الإسلام العام هو دين الإرادة.. والإسلام الخاص، إسلام البشر، الذي جاء به الأنبياء والمرسلون، هو دين الرضا. يقول الأستاذ محمود من كتاب الرسالة الثانية: (فما هو الإسلام؟ أسلم: إنقاد واستسلم والإسلام، في الحقيقة، الإنقياد والإستسلام.. ونعني بالحقيقة ما فطرت عليه الأشياء.. والله تبارك وتعالى يعني هذا حين قال: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ؟" والدين يعني هنا الشأن، والسيرة، والسنة.. ودين الله يعني سنة الله في خلقه، وهي ما فطرت عليه الأشياء.. ولقد فطرت الأشياء منقادة لله، "وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" والإسلام، بهذا المعنى هو دين الخلائق جميعها، في البداية، وفي النهاية، وفيما بين البداية والنهاية.. ولا يستثنى من ذلك الإنسان.. بيد أن الرحمة الإلهية لم ترض للخلائق الإنقياد بغـير إرادة، فمدت، بدقائق لطفها، لطليعتها، وهو الإنسان، أن يتوهم أنه يختلف عن بقية المخلوقات، وهذا الوهم هو مصدر شقائه في الحال، وهو مصدر سعادته في المآل، وإنما دخل عليه هذا الوهم بما أدخل الله عليه من إرادة الحرية، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ، وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".. و((كان ظلوما جهولا)) مدح في قالب ذم.. فإنه من أجل هذه الأمانة جاءت الكرامة لبني الإنسان، والله تبارك وتعالى يقول: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
يقول تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا".. عبارة "وهو محسن" هي سر الآية.. وهي أيضاً سر الآية التي تقول: "وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى* وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ".. وإنما كانت عبارة "وهو محسن" سر الآيتين، ذلك لأن جميع العناصر الصماء مسلمة وجهها لله ولكنها غير محسنة -غير واعية وغير مدركة- فلا عبرة بإسلامها، لأنها مسلمة في منطقة الإرادة، ولم تبلغ أن تكون مسلمة في منطقة الرضا، فذلك حظ البشر وحدهم.. فالإسلام بهذا المعنى هو دين البشرية، وغرضه مجاراة الوهم البشري، الذي أوحت به إرادة الحرية، حتى يتم الخروج عنه إلى الإسلام الواعي.. والإسلام الذي هو دين البشرية، ظهر بظهور العقل، وظل يواكب نمو العقل في تطوره الطويل، من بداية ساذجة ضعيفة إلى نهاية حكيمة مستحصدة. والإسلام الذي هو دين البشرية، هو نفسه الإسلام الذي هو دين الله، الذي جاء في قوله تعالى: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ، طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ". وعن الإسلام الذي هو دين البشرية وردت الآية: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ".. قوله: "وهو في الآخرة من الخاسرين" يعني أن محاولاته كلها ستفشل، فيرد في أخرياتها إلى الاستسلام بعد أن تعييه الحيلة.
زعم د. حيدر بأنه يمكن أن يكون هنالك دين بشري موازي للدين الإلهي، زعم يجعله خارج الموضوع -موضوع الدين- الذي يتحدث عنه.. فهذا الذي يقوله، في الدين مستحيل إستحالة مطلقة.. فد. حيدر دلل بقوله هذا أنه لا يفهم أي شيء عن الدين.. وقطعاً لا يفهم أي شيء من دعوة الأستاذ محمود محمد طه!!
من هذه النقطة الخاطئة، والمفارقة جداً للدين، بنى د. حيدر كل أقواله اللاحقة التي سنتعرض لها، ونقول منذ الآن، هي خارج الموضوع.. مرة أخرى من المستحيل، استحالة مطلقة أن يكون هنالك دين للبشر موازي لدين الله!! فحتى من يكفر، كفره في الحقيقة من الله، يقول المعصوم: "من آمن فقد آمن بقضاء وقدر، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر".. واضح جداً أن د. حيدر لا يفرق بين الله، والإله.. بل هو لا يفرق بين المصطلحات المختلفة دون ذلك!!
موضوع د. حيدر مع الدين انتهى من هنا.. فنقطته التي ذكرناها، باطلة، ولا تعلق بالدين بأي صورة من الصور، وهو يبني عليها قضاياه التالية، فهذه القضايا منذ الآن نحكم عليها بأنها باطلة، فما بُني على الباطل فهو باطل.. ولكن لنواصل لنرى من المفارقات ما لا يخطر على بال!!

الوحي:


يقول د. حيدر في النص الذي نقلناه أعلاه: (لأنه الدين جاء كدين موحى به من عند الإله).. كلمة موحى هذه، ليست لها أي اعتبار في أقوال د.حيدر، بل ذهب ليبني على عكس ما تعطيه من معنى.. فالوحي للرسل يعني إرسال جبريل، مَلَك الوحي، برسالة للرسل، ليقوموا بتوصيلها وتطبيقها على أممهم، وعلى ذلك الوحي هو خطاب من الله إلى الناس، ليفهموا ما يريده الله منهم ويعملوا به.. ولكن د. حيدر جعل العلاقة بين الله والناس علاقة توازي!! هو جعل للبشر دين موازي لدين الله!! فقد أوردنا قوله: (بعتقد ان الاصلاح الديني، هو دين بشري موازي للدين الإلهي)!! هل هذا يصدق!! البداهة حسب نصه نفسه، تقول أن الاصلاح الديني هو عبارة عن فهم لما أوحى الله به.. هذا ما تعطيه مجرد كلمة موحى به، فمن أين أتى د.حيدر بقوله: (هو دين بشري موازي للدين الإلهي)؟! هنالك خلل خطير في عقلية د. حيدر فيما يتعلق بالله.. من حديثه أعلاه تفهم أن البشر يجب ألا يتدخلوا فيما أوحى الله به لهم.. إذن فلماذا أوحى؟! الوحي في الإسلام هو ما استقر بين دفتي المصحف، مع أقوال المعصوم، فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.. والقرآن تنزل في قوالب اللغة العربية ليفهم الناس الذين يفهمون عن طريق اللغة.. يقول تعالى: "حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ".. وأحاديث المعصوم هي شرح للقرآن في مستوى الناس.. الناس، كل الناس، لا يفهمون القرآن كله، وإنما يفهمون ما تنزل إلى مستواهم.. يقول المعصوم: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم..).. ويقول تعالى: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا".. وبما أن عقول الناس متغيرة، ووسعهم متغير، اقتضت الحكمة الإلهية تعدد الرسل، حسب الظروف التاريخية، إلى أن ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.. وكل هذا من بدائه الأمور.
ولأن النبوة خُتِمت، فقد جاء القرآن على مستويين: مستوى فروع يناسب الناس في القرن السابع، ومستوى أصول يناسب مستقبل البشرية عندما تتطور الحياة وتصبح مستعدة للأصول.. فالإسلام، كما هو في المصحف يقع في رسالتين.. هذا هو الواقع، ولم يخترعه الجمهوريون كما يزعم د. حيدر.. هنالك مستوى في القرآن يقوم على الحرية، ورفع الوصاية عن الراشدين.. ومستوى يقوم على الوصاية.. وصاية النبي على الأمة.. ووصاية المسلمين على غير المسلمين.. ووصاية الرجال على النساء.. هذا المستوى هو الذي ثبت عملياً، وبعد تجربة المخاطبة بالأصول في مكة، ثبت عملياً أنه هو الذي يناسب الناس في ذلك الوقت، فجاءت الشريعة في المدينة تقوم على الفروع، وظل النبي صلى الله عليه وسلم وحده على الأصول.. وهذا أمر مؤصل وواضح جداً ومفصَّل في كتب الفكرة، خصوصاً كتاب الرسالة الثانية، لكن يبدو أن د. حيدر لم يطلع على شيء من الفكرة التي يتحدث عنها.. أو على الأقل أطلع ولم يفهم.. فهو لم يذكر أي شيء عن الفكرة.. ولم يورد ولا نص واحد منها، ومع ذلك قال ما قال.. إن الاختلاف بين الأصول والفروع أمر بداهة، فمثلاً يقول تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".. هذه الآية آية حرية، تبيح حتى حق الكفر.. ولكنها منسوخة بآية الفرع، التي تقول: "فإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ".. وجاء عليها الحديث النبوي: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني أموالهم ودمائهم أمرهم إلى الله..).. كل هذا مفصَّل في كتب الفكرة ومحاضراتها، ولم يجيء به الجمهوريون.. وهو ما يقوم عليه موضوع الرسالة الثانية.. فالإسلام في القرآن يقوم على رسالتين، رسالة لأمة المؤمنين، تقوم على آيات الفروع.. ورسالة لأمة المسلمين، التي لمّا تأتي بعد، وتقوم على آيات الأصول.. الرسالة الأولى تقف عند درجة الإحسان، والرسالة الثانية تتجاوز درجات الإيمان، في مراقي اليقين إلى مرحلة الإسلام الأخير.. والرسالة الثانية هذه هي ما يبشر به الجمهوريون، وقد فصَّلوا في أمرها.. الرسالة الأولى محمدية.. يقول تعالى: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ".. والرسالة الثانية أحمدية.. يقول تعالى: "وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ".. لا توجد مترادفات في القرآن، كما قد يتوهم الدكتور.. فالتوحيد يمنع ذلك منعاً باتاً.. الرسالة الأولى رسولها محمد.. والرسالة الثانية رسولها أحمد، وهو مقام ولاية النبي محمد، وهو المسيح المحمدي.. من أجل ذلك الجمهوريون لم يدعوا تطبيق الإسلام على الناس، وإنما قالوا بوضوح: إن وظيفة التطبيق لا تكون إلا لمأذون من الله، وهذا المأذون هو المسيح المحمدي المبشر به في القرآن وفي الحديث، وهو "الحقيقة المحمدية".. أنا أعلم أن كل هذا ليس لد. حيدر مواعين تستوعبه، ولكن لا بد من ذكره للإيضاح، ولاعتبار الآخرين من القراء.
يقول د. حيدر: (الدين لا يمكن اصلاحه الا بتغيير الدين الاصلي الجا.. اها دي.. دا المأزق بتاع الفكرة الجمهورية..).. لا يوجد أي مأزق إلا في ذهنك، وفي عدم إلمامك بأوليات الفكرة الجمهورية.. ومن قال لك أن "الدين لا يمكن اصلاحه إلا بتغيير الدين الأصلي"؟! هذا مجرد تقرير من عندك لا علاقة له بالواقع.. وحسب الواقع، الدين - القرآن - بدايته في الأعالي، عند الله في إطلاقه، وتنزل إلى مستوى الناس في الأرض.. ومهما فهم الناس الدين، هنالك مستوى أعلى يكون غائباً عنهم "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ".. ولن يأتي يوم يفهم فيه الناس كل القرآن، وهذا في السرمد، لأن الله تعالى مطلق ولا يمكن للمحدود أن يحيط بالمطلق.. فالسير في الدين سير سرمدي، لا انتهاء له.
يقول د. حيدر: (لذلك انا بعتبر الاصلاح الديني هو فكر من افكار الأزمة! فكر أزمة! يكون فيه الدين بشكله الذي تنزل به، ثم تحصل مستجدات عصرية بشرية يحاول الدين ان يجيب على الاسئلة الجديدة التي طرأت، هنا الاصلاح الديني دائماً بيدخل في مأزق، طبعاً بيلجأ دائماً لمسألة التأويل..).. كما قلت المأزق في ذهنك أنت، ولا وجود له خارج ذهنك.. المستجدات العصرية الدعوة تناولتها بالتفصيل، وفي جميع المجالات، ولكنك لم تتعرض لقضية واحدة منها، الأمر الذي يجعل حديثك عبارة عن مجرد تقرير من عندك، مخالف للواقع مخالفة تامة.
يقول الدكتور عن التأويل: (والتأويل هو قراءة بشرية لدين موحى به او دين منزل من عند الاله! النقطة دي طبعاً نقطة دقيقة جداً.. يعني هل الدين نزل وفيه بعض النواقص، ودايرين بعض الحركات البشرية ان تكمل هذه النواقص؟!).. النواقص موجودة في فهمك للدين، أو في الحقيقة عدم فهمك للدين!! الدين كامل وليس فيه أي نقص، ولكنه خطاب من المطلق إلى المحدود _ إلى الإنسان.. فالإنسان يتطور دائماً في فهم الدين، حسب توفيق الله له، وحسب مجهوده في التقوى.. ولأن الدين كامل فهو لا يتطور، وإنما يتطور الأفراد في فهمه.. يقول الأستاذ محمود: (هذا هو القرآن.. وهو، بهذه الصفة الخالدة، لا يخضع للتطور، وإنما إليه ينتهي تطور كل متطور..).. عبارة (والتأويل هو قراءة بشرية لدين موحى به او دين منزل من عند الاله! النقطة دي طبعاً نقطة دقيقة جداً).. التأويل يا دكتور ليس قراءة بشرية كما تزعم أنت، في جهالة ليس لها مثيل.. التأويل من عند الله، وليس قراءة بشرية.. العلم بالله كله من عند الله.. ومنهج الدين في العمل في العبادة والمعاملة يقوم على خلق الصلة بالله لتلقي العلم عنه تعالى.. يقول تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).. "ويعلمكم الله" فالله هو المعلم، والمعلم لكل شيء "وهو بكل شيء عليم".. التأويل لا يقوم إلا عندما يتخلى العبد عن إرادته وعلمه، فيأتيه العلم من الله.. فالصورة كلها عكس زعمك الفطير جداً.. من الواضح جداً أنه لا علاقة لك بالدين، لا فكرة جمهورية ولا غيرها.. التأويل ببساطة هو رد الشيء إلى أصله، رده إلى ما يؤول إليه.. وأصل القرآن كله هو الله.. الله تعالى ليس كأحد من خلقه، ولا يتكلم بلغة، ولا بجارحة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.. فالقرآن ليس هو اللغة العربية، وإنما صُبَّ في قوالب اللغة العربية، لنفهم نحن الذين نفهم عن طريق اللغة.. التأويل هو الدين، وقد دعا المعصوم لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل).. وعن التأويل يقول تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).. والدكتور ليس ممن نسوه فحسب، وإنما هو ممن أنكروه.. وإنكاره هو إنكار للدين!!
يقول الدكتور: (القرآن بقول بي صورة واضحة، انو ما فرطنا في الكتاب من شيء، وبالتالي اي محاولة لانك تعمل اضافات البتسميها اصلاح ديني او تجديد ديني او اجتهاد.. بتبقى شكل من اشكال تدخل البشر في ما هو موحى!!).. هذه الحجة ليست لك، وإنما هي عليك تماماً.. هل أنت تؤمن بقول الله تعالى: "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ"؟! أم فقط تذكرها للمحاججة؟! هل تستطيع أنت أن تخرج من الكتاب كل شيء؟ وإذا أصلاً الكتاب يحتوي على كل شيء، فمن أين تأتي الإضافة التي يمكن أن يضيفها البشر؟ هل من الكتاب أم من خارجه؟ إذا كانت من الكتاب فهذا يدحض حجتك عن موضوع الإضافات.. فالموضوع ليس إضافة وإنما هو من الكتاب.. وإذا كانت الإضافات التي تزعم أن دعاة التجديد يضيفونها هي من خارج الكتاب، فهذا دليل قاطع أنه ليس في الكتاب كل شيء.. دعاة التجديد لا يعملون إضافات كما تزعم أنت، فقولك هذا محض تحريف.. هم يستخرجون من الكتاب ما يحتاجون إليه، وعن علم من الله وليس منهم، مرة أخرى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).. إذن، فالموضوع هو علم عن الله، عن طريق منهاج التقوى، الذي وضعه الله.. تخريجك هذا هو تحريف لا قيمة له، وبعيد كل البعد عن المنطق الموضوعي.. فد. حيدر يريد أن يقول أنه طالما في الكتاب كل شيء فعمل المجددين هو إضافة تجعل القرآن وكأنه ناقص وليس فيه كل شيء.. وهذه مجرد فهلوة، فعمل المجددين هو فهم وليس إضافة ولا تعديل.. وحتى بأسلوبك أنت طالما أن في الكتاب كل شيء، لا يمكن أن يضاف إليه شيء، وهو ليس منه.. إنك تجهل هذا الأمر بصورة تامة.. فما هو الكتاب؟ لعلك تعتقد أنه القرآن بين دفتي المصحف، وهذا غير صحيح.. يقول تعالى: "حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ".. فأم الكتاب عند الله، ويتوسل إلى معرفتها بمنهاج الدين _منهاج التقوى_ الذي لم تشر إليه ولو بكلمة واحدة.. وهو عند الجمهوريين "طريق محمد" صلى الله عليه وسلم.. فهنالك اختلاف درجة بين: الكتاب، والقرآن، والفرقان.. ولو اطلعت على الفكرة لوجدت هذا الأمر، ولكنك تتحدث عن الموضوع من خارجه!! ثم إنك طلبت من أستاذة أسماء ألا تذكر لك النصوص.. وهو طلب عجيب جداً، فأنت تحدد للطرف الآخر ما يقول، وما لا يقول!! ثم انك تتناقض.. تطلب منها ألا تذكر النصوص، وتبيح لنفسك أن تذكر النصوص بهذه الصورة المشوهة، ودون أي فهم.. العبرة بمعنى النص وليست بالنص.. انك يا صاحبي تفكر بالكلمات، ودون تحديد معانيها.

خالد الحاج عبدالمحمود
رفاعة في 10 / 12 / 2021م