في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

حول ندوة تجديد الفكر الديني
د. حيدر إبراهيم والموقف من الدين

خالد الحاج عبد المحمود


بسم الله الرحمن الرحيم

حول ندوة تجديد الفكر الديني
د. حيدر إبراهيم والموقف من الدين
(3-3)



النقد والنقد الذاتي:


في نقده للجمهوريين يزعم د. حيدر أنهم لا يقبلون النقد، ولا يمارسون النقد الذاتي.. ما دليله؟! لا دليل!! هو فقط يقرر، كما رأينا في جميع الحالات التي ذكرناها.. وتقريره في معظم الحالات نقيض الواقع!! وفي جميع الحالات يختلف عن الواقع!!
لقد ظل الجمهوريون، طوال الوقت يعرضون دعوتهم في أركان النقاش، في الجامعات ومؤسسات التعليم العليا، وفي الميادين، والأسواق والشوارع.. ويجدون من النقد الجائر الكثير جداً، وهو نقد يقوم على البهتان، والكذب، وينسبون أصحابه للفكرة ما ليس منها، بل في كثير من الحالات ما هو ضدها.. ولم يضق الجمهوريون بهذا النقد غير الموضوعي، ويردون عليه بكل هدوء وموضوعية.
وكذلك جاب الجمهوريون معظم نواحي السودان، مدنه وقراه، يعرضون دعوتهم، ويجدون من الأخوان المسلمين والسلفيين بصورة خاصة، ليس النقد وحسب وإنما العنف، وكانوا يردون على كل ذلك بموضوعية، وتحمل للأذى.. والسلوك في الفكرة يقوم على (كف الأذى، وتحمل الأذى، وتوصيل الخير للناس).
وفي حملة الدعوة الخاصة، وصل الجمهوريون كل من له اسم، في الفكر أو السياسة أو الدين.. كانوا يصلون إلى هؤلاء في منازلهم، يعرضون عليهم الدعوة، ليسمعوا رأيهم فيها.. وشملت حملة الدعوة الخاصة تقريباً جميع الزعماء السياسيين، ورجال الدين، وأساتذة الجامعات، وأئمة المساجد.. ولم نسمع قط أن الجمهوريين كانوا لا يقبلون النقد، بل على العكس من ذلك، الصورة التي تركها الجمهوريون، في جميع المواقع، هي سعة الصدر وتقبل الآخر مهما كانت مواقفه متطرفة في العداوة.. ومن مبادئ الجمهوريين الأساسية، عدم رد الاعتداء، وهذا أمر مشهود لهم.. فإذا جاء د. حيدر بآخرة، لينكر كل هذا، ويناقضه بصورة صارخة، ويزعم أن الجمهوريين لا يتقبلون النقد، فهذا يؤكد بصورة قاطعة تطرفه في التحامل على الجمهوريين، وحرصه الشديد على أن ينسب لهم نقائص، ليست فيهم، ولا تلحق بهم.
ثم أين هذا النقد الذي يتحدث عنه د. حيدر؟! هل أقواله هذه التي نحن بصددها، لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالنقد الموضوعي؟! هل النقد أن تنسب للآخرين نقيض ما يقولون به، أو أن تنسب لهم مواقف هي نقيض لمواقفهم المشهودة؟!
أما زعم د. حيدر أن الجمهوريين لا يمارسون النقد الذاتي، فهو أكثر مجافاة للواقع وللموضوعية، من زعمه أنهم لا يقبلون النقد.. النقد الذاتي عند الجمهوريين يا دكتور هو دين!! ويقوم على الممارسة اليومية طوال الحياة.. النقد الذاتي يقوم على قول المعصوم: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".. النقد الذاتي عند الجمهوريين يقوم على انشغال الفرد بعيوب فكره، وعيوب نفسه، وعيوب سلوكه، في دقائق الأمور.. وهذا يتم وفق برنامج ثابت.. فمثلاً الوضوء هو عبارة عن عمل دقيق في النقد الذاتي فعندما يغسل المتوضيء أعضاء الوضوء، عليه أن يحاسب نفسه على العضو الذي يغسله، هل قام بأي ممارسة خطأ، فمثلاً اليد هل مسكت حراماً، أو تخاذلت عن نصرة مظلوم.. أم مسكت المصحف لتتلو.. فإذا تذكر خطأً، ندم عليه وتاب واستغفر.. وإذا تذكر عمل خير شكر الله عليه.. وهكذا بالنسبة لكل عضو: الفم هل تحدث فيما لا يعنيه، أو صدر منه قول زور، أم دعا إلى معروف وتلى القرآن، واليدان ماذا فعل بهما قبل وضوءه، والأذنان ماذا سمعتا.. إلى آخر أعضاء الوضوء.. هذه المحاسبة تجري بصورة دائمة في جميع حالات الوضوء.. وفيها يحاسب المتوضيء للصلاة المعينة أعضاءه على ما جرى منها بعد الصلاة السابقة.. هذا عن الوضوء ولكن محاسبة النفس تجري في جميع الأوقات خصوصاً بعد الخطأ، وفي صلاة الليل والسحر.. وعمل السالك في هذا الصدد هو أن يكف أذاه عن الناس، ويوصل إليهم الخير.. فلا يؤذيهم بفعل، أو قول، أو ظن سوء.. وهذا يراقب فيه نفسه طوال الوقت.. وما يفلت من المراقبة يجبره بالمحاسبة التي ذكرنا طرفاً منها.. هذه صورة عامة جداً عن النقد الذاتي عند الجمهوري.. وهو يقوم على منهاج "طريق محمد" صلى الله عليه وسلم.. والأمر الأساسي في هذا النقد أنه يقوم على موجهات من الله ورسوله.. وليس عمل فكر يقوم على الهوى، كما هو الحال عند غير الملتزمين دينياً.. وهذا النقد، الله تعالى فيه هو الرقيب، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. على النقد الذاتي في الصورة التي ذكرناها يقوم تطور الفرد الروحي، وترقيه في المقامات من النفس السفلى إلى النفس الكاملة وما يصحب هذه المقامات من فرقان، ودقة فكر وصفائه.. ومعلوم أن المعصوم قال: "الدين المعاملة".. وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. وكلا الأمرين لا يتم إلا بموجهات تأتي من خارج النفس، تأتي من الله ورسوله.. ويستهدف النقد الذاتي تحقيق الاستقامة، وهي صفاء الفكر وسلامة القلب.. فالنقد الذاتي الذي نتحدث عنه، هو عمل لمصلحة الفرد الذي يمارسه في المكان الأول ثم هو عمل لمصلحة الجماعة..
من المؤكد أن د. حيدر لا علاقة له بالنقد الذاتي الذي تحدثنا عنه.. بل هو لا علاقة له بالنقد الموضوعي العام.. فاتهامه للجمهوريين هو ليس أكثر من إسقاط!!

العلمانية:


تحدث د. حيدر عن العلمانية، فقال عنها في صورة تعريف: (العلمانية أيدولوجية ذات طابع سياسي واجتماعي، بتعمل على حياد الدولة في إدارة شئون الناس).. هل يمكن أن يكون هذا تعريف للعلمانية؟ أو حتى مجرد وصف لأساسياتها؟! سنرى مفارقة حديث د. حيدر عن العلمانية عندما نتعرض لها بعد قليل.. ولكننا هنا نورد له نصاً آخر يتناول فيه علاقة العلمانية بالدين، فهو يقول: (العلمانية لا تعني الإلحاد، ولا تعني محاربة الدين).
ولكي نظهر مفارقة أقوال حيدر عن العلمانية نورد هنا التعريفات المعتمدة لها.. فمثلاً ورد في دائرة المعارف البريطانية : (العلمانية – سيكوليرزم – secularism ) : ( هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة، طفقت (السيكوليرزم – Secularism ) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم بالانجازات الثقافية، والبشرية، وبإمكان تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة. وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين، ومضادة للمسيحية..).. أما في معجم أوكسفورد قد ورد : ( العلمانية تعني:
1 – دنيوي أو مادي، ليس دينياً، ولا روحياً، مثل التربية اللادينية، الفن، الموسيقى اللادينية السلطة اللادينية، أو الحكومة المناقضة للكنيسة.
2- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق، والتربية.).
من التعريفين يتضح موقف العلمانية من الدين.. وكل دارس للتاريخ يعلم أن الكنيسة في القرون الوسطى كانت تسيطر على حياة الناس، وتدعوهم إلى الزهد في الحياة الدنيا وملذاتها.. وعندما جاء عصر النهضة، وبعد الإصلاح الديني، حصلت ثورة ضد التوجه الكنسي بصورة خاصة في مجال الاستمتاع بالحياة الدنيا وملذاتها، الأمر الذي كان يمارسه رجال الدين بالأموال الطائلة التي كانت تجمع للكنيسة، ويحرمونه على الآخرين كما أن رجال الدين في القرون الوسطى كانوا يمنعون أي تفكير لا يقوم على الرؤية الإنجيلية ونشأت محاكم التفتيش التي كانت تصف كل فكر جديد بـ(الهرطقة) وقد تعاقب أصحابه، عقوبات قاسية، كالقتل حرقاً بالنار، ولذلك كرد فعل على ممارسات الكنيسة هذه، ظهرت العلمانية.. وكلمة (علمانية) من العالم – الدنيا – وهي تدعو كما جاء في التعريف للحياة الدنيا وتبعد الحياة الأخرى التي يدعو لها رجال الدين المسيحي، ومن هنا جاء الاسم (علمانية)، يعني (دنيوية).. ولما كانت الكنيسة تحرم الفكر الحر، جاءت العلمانية تدعو للفكر الحر، وتناول الفكر لكل شيء، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالله وبالدين – الأمر الذي كانت تحرمه الكنيسة.. فبداية العلمانية هي الدنيوية وحرية الفكر.. وتطورت العلمانية عبر الزمن، ودخلت فيها فلسفات أساسية، إلى أن ظهر (عصر التنوير) في القرن الثامن عشر ووصلت العلمانية إلى قمة تصوراتها.. وكان العلم المادي التجريبي قد بدأ قبل ذلك وأخذ منهجه في المعرفة، الذي عرف بـ(المنهج العلمي).. ولا يزال هو المنهج المعتبر عند العلمانيين وفي الحضارة الغربية عامة.. وهم يعتبرونه المنهج الوحيد الموثوق بنتائجه لأنه يقوم على التجربة، وفي إطار الواقع المادي.. ومنذ البداية كانت المادية هي أساس العلمانية.. ولكنها تبلورت وتوكدت عبر الزمن.. في عصر التنوير قامت العلمانية على مباديء أساسية، من أهمها (العقلانية)، وهي توكيد لما بدأ في عصر النهضة.. والطبيعة.. ومن أهم مبادئ العقلانية:
1- الاعتماد الكلي على العقل، دون الحاجة إلى أي شيء غيره.
2- طبيعة الكون وطبيعة العقل شيء واحد، ولذلك العقل قادر على فهم كل شيء في الوجود، إذا توفرت له المعلومات الضرورية.
3- العقلانية، تقوم على نظرة كونية، الأساس فيها (الطبيعة).
4- العقلانية ترفض وجود أي شيء خارج الطبيعة أو وراء الطبيعة، أو غيبي، ما لم يكن غيباً مرتبط بالوجود الطبيعي.
5- الطبيعي، في العقلانية، هو المادي، الذي يمكن للعقل أن يدركه.
6- الوسيلة الوحيدة للمعرفة، في العقلانية، هي المنهج العلمي.
7- العقلانية ليست منهجاً فكرياً، وإنما هي أكثر من ذلك، هي أسلوب حياة، فيه الحياة تقوم على مبادئ العقلانية المذكورة.
لقد حلم التنويريون بأنهم في وقت قريب سيحققون السلم العام، والحرية والرخاء، والمساواة.. بل حلموا بأن يصلوا إلى جنة الأرض.. ولكن أحلامهم هذه تحطمت بعد وقت قصير على صخرة الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.. خصوصاً الثانية.. وبعد الحرب العالمية الثانية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين حدث تحول هائل في مبادئ العلمانية، وفي الحضارة الغربية عموماً.. فقد حدثت ردة ضد العقل، وبعد أن رفعوه إلى درجة التأليه، عادوا للهجوم ضده وظهرت مدارس علم النفس، مثل فرويد وسكنر، والسلوكيين عامة الذين رأوا أن الإنسان لا يسيره عقله، وإنما رغائبه وعقله الباطن.. وظهرت جماعة ما بعد الحداثة التي رأت في العقل أنه مجرد وسيلة للعيش – أداة – وليس للمعرفة.. كما ظهر البراغماتيون بمواقفهم المتطرفة ضد العقلانية.. واليوم، لا أحد من المفكرين، يقول بالعقلانية حسب مفهومها الفلسفي.
ومن الجانب الآخر، فإن العقيدة في العلم اهتزت بصورة كبيرة، نتيجة للتطور العلمي الذي قاد إلى العلم الحديث، عند النسبية ونظرية الكم.. فالعلم أصلاً كان ضد الغائية، ويبني على السببية وحدها.. واهتز الموقف من السببية بصورة كبيرة.. أولاً انتهت الحتمية السببية بصورة نهائية وأصبحت ولا أحد من العلماء يقول بها.. انتهى بها الأمر أن تكون مجرد احتمال إحصائي.. وانتهى اليقين في المجال العلمي.. ويرجع ذلك لنظرية (عدم اليقين) لهايزنبيرج وللنظرية الكمية.. وأصبح البناء المادي، حسب دراسة جزيئات الذرة، لا يقوم على الانتظام، بل على الشواش chaos .. وهذا بصورة عامة ما انتهت إليه العلمانية في وقتنا الحاضر، وبالطبع الأمر يحتاج لبعض التفصيل، لا مكان له هنا.
قولك عن العلمانية: (العلمانية، أيدولوجية ذات طابع سياسي واجتماعي، بتعمل على حياد الدولة في إدارة شئون الناس) هذا القول ليس عن العلمانية، وإنما هو على أحسن الفروض قول عن الدولة العلمانية.. والعلمانية ليست مجرد أمر يتعلق بالسياسة والاجتماع، وإنما هي فلسفة لها نظرتها في جميع المجالات كما عرضنا صورة لها فيما قلناه أعلاه.
والدولة في العلمانية تقوم على فلسفة أساسية، هي الليبرالية.. ولا مجال للحديث عنها ولكن من أهم مظاهرها مفهوم الحرية الفردية، ومفهوم الاقتصاد الحر.. وعلى هذين الموضوعين قامت السياسة، والقيم الأساسية للدولة.. فجاءت الديمقراطية، في مجال حرية المجتمع.. وجاءت الرأسمالية، في مجال حرية السوق.. وليس من الضروري أن نفصل في هذا الأمر.
الشاهد أنك لم تقل أي شيء يحسن السكوت عليه، عن العلمانية، وإنما، كعادتك، أشرت إشارة مبتسرة عن ثمرة العلمانية في مجال الدولة.
وأنت قلت :(أنا داير أوضح أن العلمانية لا تعني الإلحاد، ولا تعني محاربة الدين).. وهذا خطأ أساسي.. فكون العلمانية تعني محاربة الدين، هذا يظهر من بداية العلمانية، في صراعها مع الكنيسة ومع الدين القائم.. وهو صراع استمر إلى اليوم.. ليس من الضروري أن تكون العلمانية تعني الإلحاد.. فهي لا تعني الإلحاد.. ولكنها تقوم على قطع العلاقة بالغيب.. فمجرد كونها مادية، هي ضد الدين بالضرورة.. والمسألة الأساسية هي أن العلمانية، كما رأينا في تعريفها، تقوم على الدنيوية.. والدين يقوم على اعتبار الدنيا والآخرة معاً.. فدفاعك هذا دفاع متهافت، لا قيمة له.. موقف العلمانية من الله، في أحسن الأحوال، هو: أن الله خلق العالم، وخلق له قوانينه، ومنذ أن خلقه لم يعد يتدخل فيه، وإنما ترك تسييره لقوانين الطبيعة.. مثل صانع الساعة، الذي يجهزها في صورتها الكاملة، ثم يتركها تعمل من نفسها دون تدخل منه في عملها.. وحتى هذا التصور نظرية الكم تجاوزته.. فالعالم عندهم، لم يعد يعمل بصورة منتظمة كالساعة، وإنما هو يعمل بصورة عشوائية كما ذكرنا.
على كل، العلمانية اليوم هي دين جميع البشر في الأرض تقريباً.. فحتى أصحاب الأديان السماوية أصبحوا علمانيين، بمعنى أنهم دنيويين، وماديين.. يظهرون الدين ويبطنون المادية.. الإسلام اليوم غائب، وقد تفرق المسلمون، وأصبحوا على قشور من الدين، وقشور من الحضارة الغربية.. وأدركتهم النذارة النبوية، التي قال فيها المعصوم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".. ففرقة واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، هي الناجية وهي على الدين.
لقد تحدثت كثيراً عن السلفيين وعن الأخوان المسلمين وفشلهم.. وهذا موضوع لا أريد أن أعلق عليه.. فموضوع الندوة أساساً يتعلق بالفكرة الجمهورية (الفكرة الجمهورية نموذجاً).. وقد ساويت أنت بين الفكر السلفي والفكرة الجمهورية وكأنهما شيء واحد في الدعوة للإصلاح.. وهذا خروج على الموضوع.. أنت خرجت عن الموضوع:
1- من حيث المحتوى.. فقد كانت نقاطك جميعها خاطئة، بل مناقضة لأمر الفكرة الجمهورية، والدين.
2- خروجك الثاني عن الموضوع هو حديثك عن الفكرة على اعتبار أنها تقع في إطار الإصلاح الديني كبقية المحاولات الإصلاحية الأخرى، التي أشرت إليها.. وهذه مغالطة، وخروج عن الموضوع بصورة كبيرة، فالفكرة الجمهورية تدعو إلى رسالة من القرآن وتبشر بها.. هي تدعو إلى الرسالة الثانية من الإسلام.. وتبين محتوى هذه الرسالة.. وكما ذكرنا النبي صلى الله عليه وسلم صاحب رسالتين: الرسالة الأولى محمدية، والرسالة الثانية أحمدية، وأوردنا النصوص في ذلك.. والرسالة الثانية لها رسولها الذي سيطبقها، وهو مأذون من الله، هذا الرسول هو المسيح المحمدي، وهو محمد في مقام ولايته.. وهذه مصطلحات لا أعتقد أنك يمكن أن تدرك منها شيئاً، ولكن على الأقل كان ينبغي أن تشير إليها، وتشير إلى أن الفكرة ليست إصلاحاً في إطار آيات الفروع – الشريعة – وإنما هي رسالة، كما هو الأمر الوارد في مصادر الفكرة.
3- وأنت تتحدث عن الفكرة من خارجها بدليل أنك لم تورد ولا نص واحد عن مواضيع الفكرة التي تزعم أنك تناقشها أو تنقدها.
محاولات تطبيق الشريعة فشلت، وستفشل، لأنها لا تقوم على أي إذن من الله.. ولذلك هي عمل بشري، وليست ديناً.. من المستحيل أن يطبق الدين في الأرض دون إذن من الله، ومأذون منه تعالى.. ثم هي محاولات قامت على سحب الماضي على المستقبل – الأمر الذي توافقهم أنت عليه بحديثك عن رسالة واحدة للقرن السابع والقرن الواحد والعشرين!!
النقد للفكرة الجمهورية، كان ينبغي أن يتناول قضاياها الأساسية: وعلى رأسها طبيعة الوجود والطبيعة الإنسانية وعلاقتهما ببعضهما.. هذا هو الموضوع الأساسي.. ويلحق به القانون الطبيعي الذي يسير الوجود.. ثم مصادر المعرفة في الفكرة، ومنهاج المعرفة.. مفهوم التطور في الفكرة واختلافه مع المفهوم الداروني.. التربية وقيمتها للفرد والمجتمع.. الأخلاق والمعاملة، وأثرهما في نمو الفرد وتطوره نحو إنسانيته.. ثم الحلول العملية التي تقدمها الفكرة للواقع المعاصر.. حلول قضايا الوجود الإنساني، وتحقيق فرديته ونموه وتطوره من النفس اللوامة إلى النفس الكاملة، والعمل الذي يتم من خلال ذلك على الفكر والقيم والشعور.. ثم تنظيم المجتمع وقضاياه الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع.. والدولة، والدستور الذي ينظم العلاقة بين الفرد والجماعة.. وكيف أن القرآن دستور للفرد، ودستور للجماعة في آن معاً.. وكيف يتكامل المستويان من الدستور في حل مشكلة الفرد وتنظيم المجتمع.. معالجة الفكرة لقضايا الإنسانية المعاصرة خصوصاً قضية السلام.. هذه هي المواضيع الكبيرة، والتي لم تشر أنت إلى شيء منها.. فكيف تكون متحدثاً عن الفكرة؟! أنت لم تتحدث عن الدين، ولا عن الفكرة، وإنما تناولتهما، تناولاً من خارجهما يتناقض مع القضايا الأساسية فيهما.. وعلى رأسها قضية التوحيد.. أنت يا د. حيدر غير مؤهل للحديث عن الدين، لا لأنه صعب، بالعكس هو بسيط جداً، والخطاب فيه للأميين.. ولا لأنك غبي.. لا!! ولكن لسبب أهم من ذلك هو أنك غير حريص بأن تعرف أي شيء عن الدين، وفي نفس الوقت أنت حريص على نقده بصورة شاملة.. هذا هو الحجاب الذي يحول بينك وبين فهم الدين – الاعتراض عليه، بصورة مبدئية، وقبل أن تعرفه!!
إن أسلوبك هذا في الفكر – الذي يغيب الفكر، والموضوعية – قد عرفته عنك قبل ذلك.. فقد تعرضت لي بسبب حديث لي عن د. النعيم.. وفي كتابتك تلك هاجمتني هجوماً شديداً، لأنني أوردت في حديثي عن د. النعيم كلمة (هرطقة).. فوجدتها فرصة، كنت تنتظرها، لتهاجمني ذلك الهجوم الشخصي.. وما يهمني هنا عن ذلك الهجوم، هو عدم موضوعيته.. فكلمة (هرطقة) التي هاجمتني فيها، لم تكن من عندي، وإنما هي كلمة د. النعيم استخدمها في حق نفسه.. ولم تتريث أنت، ولم تتحرى مصدر الكلمة.. وكأنك تنتظر الفرصة لمهاجمتي، فوجدتها في تلك الكلمة.. فكنت خارج الموضوع، وبعيداً عن الموضوعية.. وقد ذكرت من جانبي أن دفاعك الحار عن د.النعيم يدل على أن هنالك علاقةً ما بينكما.. والآن اتضحت تلك العلاقة، واتضح ما يجمعكما!!
لاحظت أنك تقف موقفاً مبدئياً ضد استخدام النصوص الدينية، فأنت تقول مثلاً : (أنا ما عايز أول حاجة أناقش نصوص، أنا عايز أناقش واقع.. يعني أنا ما يهمني مهما زاد عدد النصوص لكن يهمني دائماً ماذا فعل المسلمون؟).. أولاً قولك هذا فيه وصاية متطرفة على الطرف الآخر، فأنت تحدد له ما يقول وما لا يقول.. الداعية الديني تهمه النصوص لأنه يتحدث عن الدين، وينبغي أن يطالب بالنصوص.. لا أحد طلب منك أن تؤمن بالنصوص.. المهم المعنى من النصوص هذا هو الذي تقوم عليه الحجة في استخدام النصوص، وليس مجرد ذكر النص.. فأنت أترك النصوص، وناقش المعاني التي يتحدث عنها صاحب النصوص.. لا أعتقد أنك تعترض على إيراد النصوص من أحاديث الفلاسفة والمفكرين.
أنت تقول: (دا السؤال الأنا عايز إجابته!! فبختم بي أنه أسأل ماذا تبقى من الحزب الجمهوري ليساهم في بناء إنسان سوداني جديد وسودان جديد؟).. لا شيء من الفكر الجمهوري ذهب، حتى تسأل ماذا تبقى منه!! تبقى من الفكرة الجمهورية كل ما تدعو إليه.. وبالنسبة لك أنت تفهمها بخلاف ما هي عليه.. ما بقي من الفكرة الجمهورية، ليس لبناء إنسان سوداني، وسودان جديد، وإنما لبناء إنسان عالمي، وعالم جديد.. عالم ينتقل فيه جميع البشر، من مرحلة البشرية إلى مرحلة الإنسانية، وهذه نقلة تساوي نقلة البشر الحاليين من مرحلة الحيوانية إلى مرحلة البشرية.. بقي من الفكر الجمهوري حل جميع مشاكل الإنسانية، وعلى رأسها مشكلة السلام.. وهذا أمر حتمي، لأنه أمر الله، وليس أمر الجمهوريين أو غيرهم.. وموعد تحقيقه حتمي وقريب إن شاء الله، عند قيام الساعة الصغرى، ومجيء المسيح المحمدي رسول الرسالة الثانية، والذي به تملأ الأرض عدلاً، ويعم فيها السلام، حتى أن شجر الشوك يفقد شوكه، لعدم الحاجة إليه.. وهذا أمر وشيك، وقد أظلنا، وتمت جميع علاماته، ولم يبق غير الإذن الإلهي به، وهو ينتظر في كل لحظة.. يرونه بعيداً، ونراه قريباً، فما من الله بد.. يقول تعالى : ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا)).. والله غالب على أمره.. آمن من آمن، وكفر من كفر!!
نصيحتي للزميل القديم: قبل أن تكتب عن أي شيء، أو تتحدث عنه، حاول أن تلم به أولاً!! أعط الدين مساحة في فكرك وفي حياتك، فإنك قطعاً ستحتاجه!! يقول الأستاذ محمود، في إهداء كتاب (طريق محمد) صلى الله عليه وسلم : (إلى الراغبين في الله وهم يعلمون، والراغبين عن الله وهم لا يعلمون..
فما من الله بد).

خالد الحاج
18 / 12 / 2021م