وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
ولقد يحسن بنا، في مقامنا هذا أن نطلعك على رأينا في ما هو الشرع؟؟ وما هو النص؟؟ فالشرع عندنا شرعان: شرع كان عليه النبي، في خاصة نفسه، وشرع كانت عليه الأمة.. فأما الشرع الذي كان عليه النبي، في خاصة نفسه، فهو معروف بالسنة.. والسنة، عند الفقهاء، هي عمل النبي، وقوله، وإقراره.. فانتهى بذلك الأمر عندهم بألاّ فرق بين السنة والشريعة.. فشريعة النبي هي سنته.. والأمر عندنا بخلاف ذلك.. عندنا أن النبي كنبي قد كلف بشرع لم تكلف به الأمة.. ولقد قال في أمر نبوته، وأمر رسالته للأمة: ( أدبني ربي فأحسن تأديبي، ثم قال: خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين..) فصدر هذا الحديث نبوة، وعجزه رسالة، والفرق بين النبوة وبين الرسالة كالفرق بين النبي والرجل من سائر أمته.. وعن هذا الفرق الشاسع وردت الإشارة بقوله: ( نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم..) وهذا يعني أن شريعة الرسالة تختلف، اختلاف مقدار عن شريعة النبوة ( عن السنة).. شريعة الرسالة تنزّل من شريعة النبوة لتخاطب الناس على قدر ما تطيق عقولهم، ولتكلفهم بالقدر الذي يستطيعون التزامه، من غير مشقة، ولا عنت، ولتحل مشاكلهم التي تواجههم، في معاشهم، وفي معادهم، حلا يحفز تقدمهم، من غير أن يشتط عليهم، أو يتوانى بهم..