((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




السفر الأول

مقدمة الطبعة الثانية

بســـم الله الرحمـــن الرحـيم
(( كما بدأنا أول خلقٍ نعيده !! وعداً علينا .. إنا كنا فاعلين ))
صدق الله العظيم


مقدمة


احتفالاً بمرور ثلاثين عاماً على تأسيس حركة الأخوان الجمهوريين نقدم ، هنا ، الطبعة الثانية لأول كتاب صدر عنهم وقد كان بعنوان (السفر الأول) وبتاريخ 26 أكتوبر عام 1945م ، الموافق 20 ذو القعدة عام 1364هـ .
إن الذي يطلع على محتوى دعوتنا ، اليوم ، ثم يرجع إلى كتابنا (السفر الأول) ، الذي خرج قبل ما يربو على ثلاثين عاماً ، سوف يقف على ظاهرة فريدة ، ليس لها ضريب ، في تاريخ الحركات الفكرية ، على الإطلاق .. هذه الظاهرة هي الاتساق ، والانسجام التام الذي ينظم سائر كتاباتنا ومواقفنا ، طوال هذه الحقبة من الزمان .. فلا تناقض ولا تخبط ، ولا تخليط .. فإنك واجد في (السفر الأول) كل بذور دعوتنا التي ندعو بها اليوم ، وكل إرهاصات مواقفنا المشهودة ، المرصودة حتى اليوم .. هذه الظاهرة لها ما وراءها !! فهي أبلغ دلالة على تحقق داعي هذه الدعوة "بالتوحيد" وعلى صدور كل شيء عنها منتظماً في سلك "التوحيد" ..
هذه واحدة .. والثانية أن دعوتنا قد كانت مرعية ، ومحفوظة ، ومسددة ، وهي في ذلك الطور الأول ، لأنها إنما هي ، حتى في ذلك الطور الأول ، دعوة إلى الإسلام ، في صدق وإخلاص .. ولقد زخرت الثلاثون عاماً الأخيرة بتبويب هذه الدعوة ، وبتمديد خطوطها ، وتفصيل مجملها .. حتى خرجت للناس كما يعرفونها اليوم ، دعوة إلى الإسلام على بينة وبصيرة .. و(السفر الأول) وثيقة تشهد بأن حركة الجمهوريين ، منذ نشأتها ، هي السهر الدائم على مصلحة هذا البلد ، والهم الدائم بمصير أبناء هذا البلد .. فإن (السفر الأول) قد دعا إلى تحقيق استقلال السودان عن الحكم الثنائي ، بإصرار صلب ، ثم هو قد دعا إلى إعطاء الاستقلال مضمونه الحقيقي ، بنظر ثاقب ، وذلك بالتخطيط له اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً .. وهو ما كان يميز الجمهوريين عن الأحزاب الطائفية التي لم تطرح برنامجاً للتعمير والإصلاح في أي يومٍ من الأيام .. وإنما كانت هذه الأحزاب واجهات سياسية تتصارع فيما بينها على السلطة من أجل توسيع النفوذ الطائفي ..
والكتاب أيضاً ، يتناول بالمعالجة الموضوعية ، من قبل ثلاثين عاماً المشاكل الأساسية التي لا زالت تواجه مجتمعنا السوداني حتى اليوم .. وسنتناول فيما يلي بعضاً من سمات هذا السفر الخالد : -

الإسلام والسفر الأول


لقد كانت (الفكرة الجمهورية) إسلامية منذ يومها الأول .. ولقد كانت ، في ذلك ، واعية ، متحررة .. ها هو (السفر الأول) يتحدث عنها: (نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد ، في شحوب أصيل حياة العالم ، هذه المدبرة ، إلى فجر حياة جديد ، على هدى من الدين الإسلامي ، وبرشد من الفحولة العربية ، وبسبب من التكوين الشرقي. ولسنا ندعو ، أول ما ندعو ، إلى شيء أكثر ، ولا أقل من إعمال الفكر الحر فيما نأتي وما ندع ، من أمورنا ـ الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد ـ ويسأل عن قيمة كل شيء ، وفي قيمة كل شيء ، فليس شيء عنده بمفلت عن البحث ، وليس شيء عنده بمفلتٍ من التشكيك . فلا يظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر ، ولا يظنن أحد أن النهضة الاقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر ، ولا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ، ممتعة بغير الفكر الحر) .
هذه كانت (الفكرة الجمهورية) .. دعوة إلى الإسلام في معنى ما هي دعوة إلى الفكر الحر .. فإن الإسلام دعوة ، أوكد دعوة ، إلى تحرير الفكر .. وذلك مقتضى قوله تعالى : "وأنزلنا إليك الذكر ، لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون !” .. غير أن الجمهوريين لم يسموا أنفسهم باسم الإسلام لاعتبارات مرحلية .. فكان اسمهم ، في البدء (الحزب الجمهوري) . ذلك بأنهم قد دعوا ، في ذلك الوقت إلى قيام (حكومة سودانية ، جمهورية ، ديمقراطية ، حرة !) بينما كانت الحكومة الوطنية منقسمة على نفسها بين الأحزاب الاتحادية التي تنادي بالوحدة مع مصر تحت التاج المصري ، والأحزاب الاستقلالية التي كانت متهمة بالدعوة إلى تاج محلي بالتحالف مع بريطانيا .. فكلاهما كان (ملكياً) . فجاء (الجمهوريون) يدعون إلى (الجمهورية الديمقراطية) .. وقد قالوا في السفر الأول : (رأت هذه الجماعة التي تكونت باسم الحزب الجمهوري أن أنسب نظام يلائم نفسية هذا الشعب ، ويتجاوب مع رغائبه ، ويخدم أغراضه ، ويحمي منافعه هو ـ قيام حكومة جمهورية ديمقراطية حرة) .
وفي عام 1951 جاء الأستاذ محمود محمد طه بالفكرة الإسلامية المفصلة ، ومبوبة المحتوى .. غير أن الجمهوريين ظلوا على اسمهم القديم ـ الحزب الجمهوري .. فلم يسموا أنفسهم باسم الإسلام خشية أن يختلط اسمهم باسم الدعوات (الإسلامية) التي لا حظ لها من الإسلام إلا الاسم (كالإخوان المسلمين) .. واتجه الجمهوريون إلى ملء المحتوى الإسلامي لدعوتهم ، بلسان حالهم ـ وهو الأخلاق ، وبلسان مقالهم ـ وهو الحجة البالغة . فلما أخذ محتوى دعوتهم في الظهور هوناً ما أسمى الجمهوريون الدعوة باسم (الدعوة الإسلامية الجديدة) ، وأسموا أنفسهم (الأخوان الجمهوريون) .. والأخوان ، هنا ، هم ، بما حققوا من إتباع السنة النبوية ، النواة الصالحة لأخوان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الذين أشار إليهم في الأثر المشهور "واشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد !" ، والأخوان الجمهوريون ، بذلك ، طلائع الأمة الإسلامية المرتقبة ، التي يبشرون بمجيئها ، ويمهدون لهذا المجيء بإقامتهم الإسلام في أنفسهم ، وبدعوة الناس إليه ، فعمل (الأخوان الجمهوريين) اليوم إنما هو ، ليكونوا غداً (الأخوان) وليكونوا (المسلمين) .. فإن هذين الاسمين هما اللذان سوف ينطبقان عليهم ، يومئذ . غير أن دعوتهم ، وهي إلى الإسلام ، سوف يتأذن الله بشيوعها ، في كل بقعة من بقاع هذا الكوكب ، فيدخل الناس فيها أفواجاً .. ويومئذ فلن تميز بين الناس العقيدة ، لا ، ولا العنصر !! ذلك بأن هذا الكوكب سوف تحكمه حكومة عالمية واحدة ، تخضع لها سائر الدول ، فلا يكون التمييز بين الناس إلا على أساس أقاليمهم .. وتصير البشرية إلى الإنسانية حيث الوحدة التي في إطارها تنمو وتزدهر الخصائص الأصيلة لكل إقليم ..
هذا هو الإسلام في محتواه الإنساني "فطرة الله التي فطر الناس عليها" . وهو إنما يقوم على الأصول المشتركة بين الناس كافة ـ وهي العقل والقلب .. أو ما يعرف بالمواهب الطبيعية .. ولذلك جاء تعريف التعليم في (السفر الأول) ، بأنه "تنمية المواهب الطبيعية" !! وتلك أبلغ دلالة على وجود الدعوة إلى الإسلام في مستواه الإنساني بذرة في هذا السفر ، كلما تهيأت لها الظروف نمت وازدهرت وآتت أكلها .. ولقد وردت الإشارة إلى هذا المستوى من الإسلام الذي يفضي فيه التمييز العقيدي إلى التمييز الإقليمي في السفر الأول بما يلي: "على هدى من الدين الإسلامي ، وبرشد من الفحولة العربية ، وبسبب من التكوين الشرقي" !!

السفر الأول والسودان :


لقد كان السودان ولا يزال ، هو شغل الجمهوريين الشاغل ، وكانت ثقتهم ، ولا تزال ، في أصالته لا تحدها حدود ، وكانوا ، ولا يزالون ، يبوئونه دور الريادة بين كافة بلاد العالم .. فقد قال الأستاذ محمود محمد طه في السفر الأول "ويؤمن الحزب الجمهوري إيماناً لا حد له بالسودان ويعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف إلى ذخر الإنسانية ألواناً شهية من غذاء الروح ، وغذاء الفكر ، إذا آمن به أبناؤه فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة ، ومقوماته بالإهطاع نحو الغرب ، ونحو المدنية الغربية ، في غير روية ولا تفكير" .
هذا هو رأي الجمهوريين في السودان منذ ذلك التاريخ .. والسودان ، عند الأخوان الجمهوريين ، هو الأرض التي سيقوم عليها أنموذج المجتمع الإنساني الذي سوف يتسع ليضم سائر بقاع الأرض ، وذلك بظهور الإسلام على الدين كله ، يوم تشرق الأرض بنور ربها ..

السفر الأول والأحزاب الطائفية :


إن البصيرة النافذة هي التي تتخطى حجب الزمان وتتجاوز الملابسات الوقتية ، فيصدق المستقبل حكمها على الناس وعلى الأحداث .. قال الأستاذ محمود محمد طه في السفر الأول : "لماذا عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر (مؤتمر الخريجين) اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات ، ولم تتجه إلى الشعب تجمعه وتنيره ، وتثيره لقضيته ؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولاً ثم جاءت مبادؤها أخيراً ؟ ولماذا جاءت هذه المبادئ ، حين جاءت ، مختلفة في الوسائل ، مختلفة في الغايات ؟؟ ولماذا يحدث تحور وتطور في مبادئ بعض هذه الأحزاب بكل هذه السرعة ؟؟ ثم لماذا تقبل هذه الأحزاب المساومة في مبادئها مساومة جعلت أمراً كالوثيقة عملاً محتملاً ، وقد وقع واستبشر به بعض الناس ؟؟ نعم لسائل أن يسأل عن منشأ كل هذا – والجواب قريب !! هو انعدام الذهن الحر ، المفكر ، تفكيراً دقيقاً في كل هذه الأمور" ..
هذا ما قاله الأستاذ محمود قبل ثلاثين عاماً ، والأحزاب الطائفية يومئذ في مهدها .. فانظر كيف دلت الأيام على صدق قوله حينما تصدرت هذه الأحزاب العمل السياسي وتعاقبت على السلطة طوال هذه الحقبة من الزمان .. إن الأستاذ محمود قد وضع يده على بذور الفناء التي صحبت نشأة الأحزاب الطائفية .. "انعدام الذهن الحر المفكر" .. فأحزابنا كانت طائفية النشأة ، ولا يكون مع الطائفية ذهن حر مفكر على الإطلاق ..
لقد وظف الجمهوريون أنفسهم منذ ذلك التاريخ لاجتثاث جذور الطائفية الضاربة في نفوس شعبنا الذي استغلت فيه الزعامات الطائفية حبه للدين ، فضللته ، واستغلته ، أسوأ الاستغلال ، في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي . ونحن نرى أن القضاء على الطائفية القضاء المبرم لا يتم إلا بالتوعية بالدين الصحيح بين أفراد شعبنا .. وهو ما يقوم به الأخوان الجمهوريون ، اليوم ، في اتصالهم بأفراد الشعب ، اتصالاً يومياً دؤوباً ..

السفر الأول والتعليم:


وقال السفر الأول عن التعليم ما يلي : ـ
(فلو كان المؤتمر ـ مؤتمر الخريجين ـ موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق ، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه ، ولأيقن أن سياسة (سر كما تشاء) المتبعة في التعليم الأهلي سيكون لها سود العواقب في مستقبل هذه البلاد ، فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة ، وتنفير النشء من الأرياف ، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم) .
هذا ما قاله الأستاذ محمود محمد طه قبل ثلاثين عاماً .. فانظر كيف تتفاقم اليوم أزمة التعليم ! وانظر كيف تتحقق اليوم ، هذه النبوءة :
(فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة وتنفير النشء من الأرياف ، وتحقير العمل الشاق في نفوسهم) !!
ألا نرى اليوم ، خريجينا في الجامعات ، والمعاهد والمدارس ينفرون من العمل في الأرياف ؟؟ ألا نرى اليوم طلابنا يحتقرون العمل اليدوي ؟؟ لقد ظل الجمهوريون يرفعون راية الإصلاح في نظامنا التعليمي منذ ثلاثين عاماً ، وقد أصدروا سفراً عن التعليم ، أعيدت طبعته في الأيام الأخيرة .. والجمهوريون دعاة إلى الثورة الثقافية التي فيها يلتقي الفكر بالواقع ، فتعود للعمل اليدوي مكانته ، ويعود إليه احترامه .. وتصدر في هذه الأيام الطبعة الثانية من كتاب (الثورة الثقافية) للأستاذ محمود ، وبذلك تنتظم أوليات دعوتنا مع أخرياتها في سلك التوحيد "كما بدأنا أول خلقٍ نعيده !" .

السفر الأول ومشكلة الجنوب:


لقد وضع الجمهوريون يدهم على إرهاصات مشكلة الجنوب منذ ثلاثين عاماً ، فسبقوا بذلك وقتهم ، وتقدموا الأحداث .. فها هو السفر الأول يقول : ـ (والمكان الأول من هذه العناية سينصرف لمواطنينا سكان الجنوب الذين قضت عليهم مدنية القرن العشرين أن يعيشوا حفاة عراة جياعاً مراضاً بمعزل عنا)
ويقول السفر الأول وهو يعدد أهداف (الفكرة الجمهورية): (العناية بالوحدة القومية ، ونرمي بذلك إلى خلق سودان يؤمن بذاتية متميزة ، ومصير واحد ، وذلك بإزالة الفوارق الوضعية من اجتماعية وسياسية ، وربط أجزاء القطر شماله وجنوبه وشرقه وغربه ، حتى يصبح كتلة سياسية متحدة الأغراض متحدة المنافع ، متحدة الإحساس)
هكذا وضع الجمهوريون أسس الوحدة القومية منذ ذلك التاريخ .. فهي وحدة جغرافية البناء التحتي ، فكرية وشعورية البناء الفوقي ..

السفر الأول والمسألة الاقتصادية :


و قال الجمهوريون في السفر الأول قبل ثلاثين عاماً وهم يرسمون الخطوط العريضة للتنمية الاقتصادية (ترقية الفرد من ناحيته الإنتاجية والمعيشية حتى يتمكن من استغلال موارد بلاده الزراعية والصناعية بإنشاء جمعيات تعاونية لهذا الغرض ، إنشاء نقابات توجه العمال التوجيه الصحيح) .. كما جاء في أهداف الجمهوريين (ترقية الفرد والعناية بشأن العامل والفلاح) .
و نحن نرى أن الجمهوريين ، منذ ذلك التاريخ ، جعلوا تنمية الفرد هي الغاية من وراء التنمية الاقتصادية والاجتماعية .. وقد فصلوا هذا المبدأ ، فيما بعد ، فأبرزوا مزية الإسلام التي ينماز بها عن سائر الفلسفات الاجتماعيات ، وهي مقدرته على التوفيق بين حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة متخذاً الأخيرة بمثابة الغاية من الأولى .. انظر كيف وضع الجمهوريون أساس الاشتراكية الديمقراطية بدعوتهم إلى إنشاء الجمعيات التعاونية قبل ثلاثين عاماً !! وانظر كيف دعا الجمهوريون إلى قيام نقابات للعمال في ذلك الوقت الذي لم تنشأ فيه بعد الحركة النقابية !! وإلى العناية بشأن الفلاح قبل قيام اتحادات المزارعين!!

السفر الأول والمرأة


و قال "السفر الأول" في مسألة المرأة:
(وسيولي هذا الحزب هذه المسألة عناية ما عليها من مزيد . وسنرى !!) . وصدق الجمهوريون المرأة وعدهم فأولوا مسألتها عناية ما عليها من مزيد! وصاروا اليوم ، هم وحدهم نصراء المرأة الحقيقيين .. فإنهم هم الذين دعوا إلى تطوير التشريع الإسلامي من فروع القرآن حيث قوامة الرجل على المرأة إلى أصول القرآن حيث مساواة المرأة بالرجل .. وأخرجوا في ذلك النشرات والأسفار ، (كتطوير شريعة الأحوال الشخصية) و(كخطوة نحو الزواج في الإسلام) واحتفلوا بعام المرأة العالمي ، وأخرجوا خلاله ستة عشر كتاباً ، ذاعت بين الناس وأحدثت أثرها الحميد ، وأقاموا المحاضرات والندوات وأركان النقاش في جميع أنحاء البلاد .. يبصرون أفراد شعبنا ، عامة ، والمرأة خاصة ، بحقوق المساواة المدخرة لها في أصول القرآن . وفوق ذلك فقد ربى الأستاذ محمود المرأة ذات الدين ، السالكة في طريق السنة النبوية .. وخرج من تلميذاته من تعد مفخرة للمرأة .. وللبشرية كافة ، عبر تاريخها الطويل ، فخرجت المرأة ، متمثلة في (الأخت الجمهورية) إلى الشوارع والأماكن العامة تدعو إلى الدين .. ولأول مرة في تاريخ الأديان ..
لقد قال الأستاذ محمود محمد طه عام 1945 عن مسألة المرأة : (وسيولي هذا الحزب هذه المسألة عناية ما عليها من مزيد وسنرى !!) وها هو عام 1976 يشهد ، عند الجمهوريين ، إعزاز المرأة وتكريمها بتأهيلها للدعوة إلى الدين .. ولقد رأينا أي عناية أولى الجمهوريون مسألة المرأة ..

السفر الأول والتعليم الديني


قال السفر الأول وهو يدعو إلى إنهاء ازدواجية التعليم المتمثلة في التعليم الديني والتعليم المدني : -
(ما يرى الحزب الجمهوري أن يكون هناك تعليم ديني وتعليم مدني كل في منطقة منعزلة عن الأخرى .. ولا يرى أن يكون للرجل أخلاق في المصلى وأخرى غيرها في الحانوت أو الشوارع ، وإنما يرى أن يتعلم كل الناس أمور دينهم وأمور معاشهم ، ثم يضطربون في ميدان الحياة بأجسام خفيفة وأرواح قوية ، وقلوب ترجو لله وقاراً) .
هذا هو رأي الجمهوريين في (التعليم الديني) .. كان ولا يزال .. فإن هذا النمط من التعليم الذي يمارس اليوم هو الذي يخرج طبقة من يعرفون (برجال الدين) .. وهم السبب وراء الجفوة المفتعلة بين الشباب والدين . وقد صوروا الدين ، بسوء تمثيلهم له ، صوراً شوهاء .. ومن ثم دعوتنا إلى تنقية معين الدين الصافي من كدوراتهم ، وعزلهم عن التمسح بأستاره .. هذا شرط أساسي من أشراط البعث الديني لا محيص عنه ، وهكذا ، فإن معاركنا مع رجال الدين ، والتي تدخل في هذه الأيام أطوارها الحاسمة ، إنما هي معارك مبدئية .. فنحن لا ننطلق فيها من أضغان شخصية .. أو قصد سيء ..
أما بعد ، فسنترك القارئ الكريم مع (السفر الأول) .. ليتابع فيه ظاهرة انسجامه مع ما نذيعه اليوم من محتوى الدعوة الإسلامية الجديدة . فهو قد كان نواة هذه الدعوة .. ولا تصدر هذه الأفكار المنسجمة المتسقة إلا من نفس حققت (بالتوحيد) (وحدتها) فلما فكرت أو قالت أو فعلت كان فكرها وقولها وفعلها (موحداً) .. وكانت دعوتها دعوة ، بأبلغ لسان ، إلى التوحيد ..
فإلى الكتاب ، والله ولي التسديد