ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الرسالة الثانية من الإسلام

الباب السادس: المسلمون - المجتمع الصالح

المسلمون


المسلمون كأمة لم يجيئوا بعد ، ولقد تنبأ المعصوم بمجيئهم في آخر الزمان ، وذلك حين يبلغ الكتاب أجله ، ويجئ موعود الله تعالى في قوله (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، وهو في الآخرة من الخاسرين )) ويومئذ يدخل الناس في الدين كافة ، ولا يجدون عن ذلك منصرفا ، لأن جميع المشاكل لا تجد حلها إلا فيه . وما نرى إلا أن الأرض أخذت تتهيأ لظهور شريعة المسلمين التي بها تكون المدنية الجديدة ، وما بدون المدنية الجديدة للناس خلاص من إفلاس النظم الاجتماعية المعاصرة . وذلك أمر سلفت الإشارة إليه في صدر هذه الرسالة ، حيث قلنا أن الإنسانية كلها ، في هذه الآونة ، في التيه ، وقد ضل سعي المدنية الغربية ، واستعلن إفلاسها ، وأصبحت قضايا الديمقراطية ، والاشتراكية ، والحرية الفردية ، تتطلب الحلول ، وتلح في الطلب ، ولا يجئ الحل إلا من تلقيح المدنية الغربية . أو قل ، إن أردت الدقة ، الحضارة الغربية - بروح جديد ، هو روح الإسلام ، وإنما رشح الإسلام لهذا المقام مقدرته على حل الإشكال القائم بين الفرد والجماعة ، وبين الفرد والكون ، وهو أمر أسلفنا في تفصيله القول.
وما ينبغي أن يلتبس إسم المسلمين المعنيين هنا ، مع الاسم التقليدي الذي تتسمى به الأمة الحاضرة . فإننا قد أسلفنا القول بأنها لم تتسم بهذا الاسم إلا من الإسلام الأول ، وإلا فهي الأمة المؤمنة . فما من أمة من الأمم السوالف تستحق هذا الاسم . وكل ما ذكر عن الأمم من إسلام فإنما هو الإسلام الأول . إلا ما كان من أمر طلائع البشرية ، فإنه الإسلام الأخير ، أو قل هو درجة في الإسلام الأخير، فما للإسلام الأخير غاية فتبلغ . وهم بذلك طلائع الأمة المسلمة التي لم تجئ إلى اليوم .. قال تعالى في ذلك .. (( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، وإسماعيل ، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ، ويعلمهم الكتاب ، والحكمة ، ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم * ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ، ولقد اصطفيناه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ، ويعقوب ، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ، إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، إلها واحدا ، ونحن له مسلمون )).. قوله (( ربنا واجعلنا مسلمين لك )) يعني الإسلام الأخير ، وقد كانا مسلمين من ذلك الطراز . وأما قوله (( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك )) فإنه يعني ، في المدى القريب ، أمة مسلمة على مستوى الإسلام الأول ، ثم يتداعى بها الترقي ، والتطور حتى تبلغ ، في المدى البعيد ، مراقي الإسلام الأخير . وقد استجيب لهما في ذلك . قوله (( ووصى بها إبراهيـم بنيه )) يعني وصاهـم بالكلمة وهـي (( لا إله إلا الله )) وكذلك وصاهم يعقوب . (( يا بني ! إن الله اصطفى لكم الدين ، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) يعني فلا تموتن إلا وأنتم متمسكون بالملة ، وبالكلمة (( لا إله إلا الله )) .. وقوله (( قالوا نعبد إلهك ، وإله آبائك ، إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحق ، إلها واحدا ، ونحن له مسلمون )) يعني أيضا الإسلام الأول.
وقال تعالى في ذلك (( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ، قالوا آمنا ! واشهد بأننا مسلمون . )) فإسلامهم هنا مطابق للإيمان ، وهو ما وقع به الإذن بالوحي . فإن الله إنما أوحى إليهم أن يؤمنوا .. فلما آمنوا وقالوا (( آمنا )) وقع لهم أن هذا الإيمان إسلام وكذلك قالوا (( واشهد بأننا مسلمون )) والعارف يسمع إجابة القدس إياهم في فحوى : (( قل لم تسلموا ولكن قولوا آمنا )) . لم يسلموا الإسلام الأخير .. أعني درجة البداية منه .. وإنما أسلموا الإسلام الأول .
ونحن إنما جزمنا بأن إسلام كل هؤلاء هو الإسلام الأول لأن أدنى مراتب الإسلام الأخير الخروج عن الشريعة الجماعية والدخول في الشريعة الفردية ، وذلك بإتقان العمل بالشريعة الجماعية حتى يحسن الفرد التصرف في الحرية الفردية المطلقة . فالإسلام الأخير مرتبة فرديات .. والفردية لا تتحقق لأحد وهو منقسم على نفسه ، فلا بد له من إعادة الوحدة إلى بنيته ، فلا يكون العقل الواعي في تعارض وتضاد مع العقل الباطن ، وبفض التعارض بينهما تتم سلامة القلب ، وصفاء الفكر ، وجمال الجسم ، فتتحقق حياة الفكر ، وحياة الشعور .. وهذه هي الحياة العليا .. (( وإن الدار الآخـرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون )) فالحيوان هنا ضد الموتان ، وهي الحياة الكاملة ، غير المؤوفة بالنقص ، ولا بالمرض ، ولا بالموت .
وإعادة الوحدة إلى البنية تعني أن الإنسان يفكر كما يريد ، ويقول كما يفكر ، ويعمل كما يقول .. وهذا هو مطلوب الإسلام ، وذلك حيث يقول (( يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ؟ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون . ))

المجتمع الصالح


ولا يبلغ أحد هذا المبلغ الرفيع من الحياة إلا بوسيلتين اثنتين: أولاهما وسيلة المجتمع الصالح ، وثانيتهما المنهاج التربوي العلمي الذي يواصل به مجهوده الفردي ليتم له تحرير مواهبه الطبيعية من الخوف الموروث .
والمجتمع الصالح هو المجتمع الذي يقوم على ثلاث مساويات: المساواة الاقتصادية ، وتسمى في المجتمع الحديث الاشتراكية ، وتعني أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض . والمساواة السياسية ، وتسمى في المجتمع الحديث الديمقراطية ، وتعني أن يكون الناس شركاء في تولي السلطة التي تقوم على تنفيذ مطالب حياتهم اليومية . ثم المساواة الاجتماعية ، وهذه ، إلى حد ما ، نتيجة للمساويين السابقتين ، ومظهرها الجلي محو الطبقات ، وإسقاط الفوارق التي تقوم على اللون ، أو العقيدة ، أو العنصر ، أو الجنس ، من رجل ، وامرأة . فإنه يجب ألا يكون هناك تمييز بين الأفراد يقوم على أي اعتبار من هذه الاعتبارات . فالناس لا يتفاضلون إلا بالعقل ، والخلق . ومحك ذلك العدل في السيرة بين الناس ، والنصح ، والإخلاص للمواطنين ، في السر والعلن ، وروح الخدمة العامة ، في كل وقت ، وبكل سبيل .
والمساواة الاجتماعية تستهدف محو الطبقات ، ومحو الفوارق بين المدن والأرياف ، وذلك بإتاحة الفرص المتساوية للتثقيف ، والتمدين ، حتى يكون التزاوج بين جميع الأفراد في المجتمع أمرا عاديا .. وهذا هو المحك الصادق في مبلغ المساواة الاجتماعية ..
والمجتمع الصالح ، بعد أن يقوم على هذه المساويات الثلاث ، التي يتكفل القانون بتنظيمها ، ورعايتها ، يقوم أيضا على رأي عام سمح لا يضيق بأنماط السلوك المختلفة ، لدى النماذج البشرية المتباينة ، ما دام هذا السلوك لا يعود إلا بالخير والبركة على المجتمع .
وللرأي العام أحكام تصدر من وراء حكم القانون ، وهي غير ملزمة لأحد ، ولا منفذة بسلطة ، ولكنها قد تكون ، مع ذلك ، أكثر فعالية من القانون ، في ردع الشواذ والمارقين . ويمكن للرأي العام بالطبع ، أن يصدر حكمه على أي سلوك لا يوافق عليه ، ولكن يجب تجنب العنف في إحداث أي تغيير في ذلك ، فإن العنف لا يبعث إلا إحدى خصلتين : إما العنف ممن يطيقون المقاومة ، أو النفاق من العاجزين عنها ، وليس في أيهما خير .. ثم ، لدى الضرورة ، يمكن لأحكام الرأي العام ، والعرف الجماعي ، أن تدخل حرم القانون ، وذلك باقتراح التشريعات التي تسد النقص الذي بدا لمن شاء ، وبالطبع لن تكون التشريعات غير دستورية ، ودستورية القانون عندنا معروفة ..