في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هل هذا هو الإسلام؟
هل هذه هي مصر؟

الأصول والفروع


المشهور أن من القرآن ما هو مكي، ومنه ما هو مدني، وظاهرة القرآن المكي، والقرآن المدني، هذه لا تعني عند السلفيين، أكثر من أن القرآن المكي نزّل في مكة، والقرآن المدني، نزّل بالمدينة، وأن الفرق بين المكي، والمدني، هو فرق زمان النزول، ومكان النزول. ولكن الجمهوريين نبهوا الى مدى أعمق.. وهو أن الفرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، فرق مستوى وأن القرآن المكي قرآن أصول، فهو يمثّل أصول الإسلام، ومبادئه الأساسية، والقرآن المدني، يمثل النزول الى الفروع، تدريجا للناس، ومراعاة لوسعهم، بعد أن عجزوا عن الأصول ولذلك كانت الآيات المكية آيات اسماح، وحرية، لأن الحرية هي آصل أصول الإسلام، فبدئت بها دعوته، وهو يقدّس الحرية الفردية للدرجة التي ينهى فيها النبي الكريم على كمال خلقه، عن السيطرة على حرية المشركين الجاهليين عبدة الأوثان، فقال تعالى: ((فذّكر إنما أنت مذكّر* لست عليهم بمسيطر)) وقال تعالى: ((أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)) وبعد ثلاثة عشرة سنة ثبت بالتجربة عجز المدعوين عن الإرتفاع الى هذا المستوى، فجاء الإنتقال من مستوى الحرية الى مستوى الوصاية وجاء التدّرج من آيات الإسماح الى أن نزلت آية السبف ((فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)) ونٌسخت آية الحرية الفردية وهي آية الديمقراطية بآية حكم الفرد الرشيد وهي ((فأعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر.. فإذا عزمت فتوّكل على الله.. إن الله يحب المتوكلين)) وحين قامت الشريعة على مستوى الوصاية فانها قامت على آيات الفروع، الآيات المدنية، والسبيل لبعث الإسلام الآن، ليسع مطلب الإنسان المعاصر في الحرية، ويوجه تطوراتنا الدستورية، ليس هو إنكار نصوص الوصاية، الثابتة، والتي كانت أحكم ما تكون لوقتها، والإستعاضة عنها بالدساتير الوضعية، وإنما السبيل هو تطوير التشريع، بالإنتقال من آيات الفروع، إلى آيات الأصول، آيات المسئولية والحرية فعلى هذه الآيات يقوم "الدستور" الذي يكفل لكل مواطن حقوقه الأساسية، ويحمى هذه الحقوق ويمكنّه من ممارستها. فلمعزة الحرية الفردية في الإسلام فإنه في اصوله لا يأتمن أحدا عليها مهما كان حظه من الكمال، ولذلك قال تعالى: ((فذّكر انما انت مذكّر، لست عليهم بمسيطر)) والحرية لا تقوم في فراغ وانما تلازم توأمتها الاشتراكية.. وهنا أيضا تسعفنا آيات الأصول فهى تقرر أن المال مال الله وليس لنا منه الا ما نستهلكه ويطلب منا أن ننفق ما زاد عن حاجتنا. قال تعالى: ((ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو)) والتزاما بهذه الآية فقد كان النبي الكريم ينفق عنه كل ما زاد عن حاجة لحظته الحاضرة. ولكن هذا المستوى كان أكبر من قامة مجتمع القرن السابع، كما أن الاشتراكية نفسها لم تكن قد أتت ظروفها، فكان ان تنّزل من هذا الأصل، الى آية الفرع: ((خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم)) وعلى هذه الآية قامت شريعة المال فخدمت مرحلتها حتى استنفدتها، وبعث الإسلام ليلبّي مطالب الإنسان المعاصر المادية لن يكون بتلك التخريجات المنحرفة، التي ترقّع النظام الرأسمالي، وتبرّره، وتتحدث عن جواز بعض صور الربا، وانما يكون بتجاوز الرأسمالية كلها، ووضع آية "العفو" موضع التنفيذ، وعلى قاعدة هذه الآية تقوم الاشتراكية، فتحرّم ملكية وسائل الإنتاج على الفرد الواحد أو الأفراد القلائل.. ولو كان في الأمر سعة لأوضحنا ميز الديمقراطية في الإسلام عن الديمقراطية الغربية، وميز الاشتراكية في الإسلام عن الاشتراكية في الماركسية، ولرددنا على قول "الإمام الأكبر" ((والأصل الأصيل في الإسلام، هو حرية الفرد في المال وذلك في إطار المبادئ الإسلامية العامة)) فلو كان هذا هو الأصل الأصيل لكان أول من أقامه النبي الكريم ولكن النبي كان ينفق كل ما زاد عن حاجة لحظته الحاضرة وقد روى عنه أنه تقدم اصحابه ليؤمهم في الصلاة، فرفع يديه للتكبيرة، ثم خفضهما، وهرول للحجرة، ورجع – فرأى بعض الاستغراب في أعين أصحابه، فقال: ((لعلكم راعكم ما فعلت؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإني تذكرت أن في بيت آل محمد درهما فخشيت أن ألقى الله وأنا كانز)) ولكنا نكتفى بهذه الشذرات عن الدعوة الإسلامية الجديدة كمؤشر ومدخل لمن أراد أن يتوّسع فيها في مراجعها العديدة.