((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الصوم ضياء والصلاة نور

تصحيح الصلاة واتقانها

تصحيح الصلاة واتقانها


ولمكانة الصلاة، وعزتها، ولعظيم فائدتها للمصلي المجود، فقد جاء التوجيه باتقانها، وبالحضور والخشوع فيها .. ولنجد بركات الصلاة، ولنحسن التوسل بها الي الله، يجب الا نمارسها بالعادة، والغفلة، كما نفعل الآن .. وانما يجب أن نعامل الصلاة كأشرف عمل، وأهم عمل، وأبرك عمل، ولذلك فهي تستحق الحضور، والخشوع، بل أن الحضور هو روحها، وان هي خلت من الحضور، لا تعتبر صلاة: ((رب مصل لم يقم الصلاة)) .. والحضور في الصلاة انما يبدأ قبل الدخول فيها، فهو يبدأ من محاربة الغفلة، والانحراف، في سائر يومك، وذلك بمراقبة جوارحك، وحفظها من الوقوع في المعاصي .. ثم بالمحاسبة، تتدارك ما أفلت عن المراقبة، فالمحاسبة تكون في الوضوء، فأنت حين تتوضأ بالماء، اعلم أن الماء هو رمز للعلم، ولذلك حين تطهر ظاهرك بالماء اجتهد في أن تطهر باطنك بالعلم، وذلك لأن أعضاءك التي يقع عليها الوضوء هي نفسها التي تدخل النور علي قلبك، ان أحسنت استعمالها، أو تدخل عليه الظلام اذا أسأت استعمالها .. فمثلا حين تطهر يديك بالماء، استرجع في فكرك، ماذا فعلت بهذين الكفين، بين الصلاتين، بين صلاتك الماضية، والصلاة التي تتهيأ لها الآن؟ هل آذيت بهما أحدا؟ أم هل قبضت بهما مالا حراما؟ وهل قبضتهما عن فعل معروف؟ أم هل فعلت بهما فعلا لا يحل لك. فان تذكرت شرا فأندم، وتب، واستغفر .. وان تذكرت خيرا فأشكر الله، اذ وفقك الي الخير .. وكذلك أفعل مع لسانك أثناء المضمضة، ومع سائر أعضاء الوضوء، حتي اذا انتهيت من الوضوء، بنية متجددة، مع كل عضو، وبالتوبة، والندم، ومراجعة أعمالك، تكون قد انتهيت من طهارة الظاهر، والباطن .. وقد تهيأت بذلك للحضور في الصلاة .. فبادر اليها، ولا تجعل بينك وبينها وقتا قد تعود اثناءه الي الغفلة مرة أخري .. وأنت مقبل علي الصلاة، تذكر أنك مقبل علي أهم عمل، وأعظم عمل – مقبل علي لقاء الله .. وتذكر ان النبي الكريم كان حين يدخل الصلاة بالتكبيرة انما يدخل في حضرة الاحرام، وحضرة الاحرام حضرة حرمة – حضرة حرمة الله – وذلك حيث يكون الله أكبر من كل شيء في قلبه، هي في قلبه كما قالها بلسانه .. ثم أنه هو قد قال ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) .. فلذلك يجب أن نضبط صلاتنا، ونصححها علي صلاة النبي الكريم الذي نحن مأمورون بمحاكاته، وان نراقب حالنا في الصلاة وهل الله هو الأكبر في صدورنا كما قلنا بألسنتنا؟ ولذلك نتأدب في حضرته .. أم أن الأكبر عندنا أشياء أخري .. نشرد بفكرنا معها، مبتعدين عن حضرة الله؟ .. ومما يعين علي الحضور قراءة القرآن بوعي، وتدبر، قراءة مفسرة، حرفا، حرفا، ونقف فيها علي رؤوس الآيات، ونتذكر أننا، حين نقرأ القرآن، انما يكلمنا الله مباشرة فعلينا أن نحسن السماع وأن نتوخي الفهم عن الله فان الله يكلمنا!! ومن الأدب أن نسمع منه، وأن نفهم عنه ما يكلمنا به، فهذا الشعور يشدنا الي الحضور .. وكذلك نحاول أن نؤدي كل حركات الصلاة، وأقوالها، بذكر، وفكر، حتي اذا خرجنا من حضرة الاحرام ((بالسلام)) نراجع حضورنا في الصلاة .. ونندم علي التقصير فيه، فان هذه المراجعة، وهذا الندم، يمحو تقصيرنا، وينمي حضورنا، مهما قل .. ويدخلنا بفضل الله في المجاهدين، المهديين السبل .. ثم أعلم أن الصلاة مربوطة بالمعاملة .. بل أن المعاملة هي الصلاة الوسطى .. فحين كانت حضرة الصلاة، تبدأ بالتكبيرة، وأدبها الحضور مع الله، فان حضرة السلام، تبدأ بقولك ((السلام عليكم)) وانت خارج من حضرة الاحرام .. وأدب حضرة السلام، أن تكون في سلام مع خلق الله .. وحضرة السلام هذه، هي الصلاة الوسطى، كما أسلفنا القول، لأنها تملأ الوقت، بين الوقتين، بين الصبح، والظهر مثلا، بالمعاملة الاسلامية، المطلوبة، بأن تراقب الله، وأنت تعامل خلقه .. وحضرة السلام لها ثلاث درجات: أولاها، وأدناها، أن تصرف شرك عن الناس، بكف أذاك عنهم، ثم في الدرجة الثانية، تزيد علي ذلك بتحمل الأذي منهم، ثم في الدرجة الثالثة توصل الخير لكل الناس، وان آذوك، وهذه هي الدرجة الرفيعة، فان لم تبلغها، فحافظ علي الحد الأدني، وكف أذاك عن الناس، وذلك بمراقبة جوارحك، وكفها عن المخالفات ..
فبالمراقبة ينشط عقلك ويكون فكرك الموجه بالشريعة وبالسنة هو الموجه لتصرفاتك .. وبالمحاسبة تقل انحرافاتك وتزيد استقامتك، كل حين .. وبالصوم تقوي روحك، وارادتك، فتتخلص من الغفلة، ومن العادات السيئة .. وبالصلاة تتجسد الطمآنينة، ورضا النفس، وقرة العين، كما قال النبي الكريم ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) .. وبكل اولئك تجد سعادتك في اسعادك للآخرين .. وتجد القرب من الله .. وهذه اشارات بسيطة لما يحققه لنا الصوم، وتحققه لنا الصلاة، ويحققه لنا المنهاج الديني المتكامل، وهو منهاج بسيط يبدأ من بدايات بسيطة هي في متناول الانسان العادي، ثم يترقي بنا حسب طاقتنا، وحاجتنا، ووسعنا، الي قمة المعرفة بالله: ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)) .. وليعرف الناس أهمية، وقيمة، هذا المنهاج، ويحسنوا تطبيقه، فيجدوا نتائجه، ويجسدوها، فيدعوا الي الاسلام بلسان حالهم قبل لسان مقالهم، لكل اولئك أصدرنا هذا الكتيب .. والله المسئول أن يتقبله وأن ينفع به ..