والخوف، من حيث هو، هـو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك، ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهـو خائف، ولا تتـم كمالات الأنوثـة للأنثى وهي خائفة، في أي مستوى من الخوف، وفي أي لـون من ألوانه، فالكمال في السلامة من الخوف.
ولن يتم تحرير الفرد من جميع صور الخوف الموروث إلا بالعلم.. العلم بدقائق حقيقة البيئة الطبيعية التي عاش، ويعيش فيها، والتي كانت سببا مباشرا لترسيب الخوف في أغوار نفسه، فإن الخوف جهل والجهل لا يحارب إلا بالعلم.. ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بإعطاء الفرد صورة كاملة، وصحيحة، عن علاقته بالمجتمع، وعن علاقته بالكون، وهو ما نحن بصدده منذ حين.

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)

menu search

الصوم ضياء والصلاة نور

الفكر هو السنة


لقد كرم الاسلام الفكر كل التكريم، واعظمه كل الاعظام، قال تعالي ((وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون)) .. فلكأن الاسلام كله، انما هو نهج لتحرير الفكر، ولتسديد الفكر، ولقد قال المعصوم ((تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة)) ولذلك كانت ((السنة)) النبوية المشرفة، نهجا مرسوما لمحاربة العادة، ولايقاظ الفكر .. يجري هذا منها في أبسط المستويات، وأيسرها، مما يستوي في المشاركة فيه الأمي، والجاهل، والمتعلم، فهو قد كان في حركاته، وسكناته، يقدم ميامنه علي مياسره .. وكان يفضل الميامن ويخصها بالبر .. كان اذا دخل علي بيت الخلاء مثلا، يقدم شماله، ويؤخر يمينه، فاذا قضي حاجته وخرج قدم يمينه .. وكان اذا كان قائما علي فراش وثير، وهو أوطأ من النعل، وأراد أن ينتعل نعله، قدم رجله اليسري .. واذا كان الفراش الذي تحت قدميه غليظا، والنعل أوطأ منه، قدم رجله اليمني .. وبمثل هذا الصنيع البسيط يتحرك الفكر، وينشط، وتدخل في الأعمال الروح، وبهذه البداية البسيطة يسلك السالك لنهج ((السنة)) طريق ((الحكمة)) ذلك لأن الحكمة انما هي وضع الشيء في موضعه، وتفضيل الفاضل علي المفضول من الحكمة لأنه وضع الأشياء في مواضعها، وهذه البداية البسيطة تتداعي بنا الي أعلي قمم المعرفة ..