((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الصوم ضياء والصلاة نور

العبادات وسائل

العبادات وسائل


وأول الفكر أن نعرف أن الله غني عن عبادتنا، غني عن صومنا، وعن صلاتنا، وانما كلفنا بهذه العبادات، لمصلحتنا نحن، ولنستفيد منها في تربية نفوسنا، وتهذيبها، ومعرفتها ((ومن عرف نفسه فقد عرف ربه)) ولذلك يجب أن نسأل أنفسنا، فالصوم ضياء، فهل استضأنا به؟ والصلاة نور فهل نورنا بها نفوسنا؟ الحق أننا لن نستفيد من هذه العبادات، الا اذا عرفنا أنها وسائل، والنصوص التي تدل علي أنها وسائل كثيرة ومباشرة، وقد أوردناها كثيرا ويكفينا هنا أن نور الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين) ونحن نستعين بالوسائل الي الغايات وأدني الذكاء يطالبنا بأن ننظر في أعمالنا، هل نحن متقدمون ((بالوسيلة)) نحو ((الغاية))، أم هل نحن نقف بها في أول مراحلها؟؟ أم هل نحن نستعملها الي عكس غايتها فنزداد بها بعدا؟؟ وحين نعرف للعبادات قيمتها، وفائدتها العظمي لنا، وانها وسيلتنا الي القرب من الله، والرضا به، فعلينا أن نقيس صومنا وصلاتنا ومدي استفادتنا منهما في القرب من الله . والأدب في حضرته يبدأ من بدايات بسيطة نراعي فيها الحضور، والحكمة في كل عباداتنا، وفي كل ما نأتي، وما نترك، حتي نستطيع أن نتأدب في حضرة الله، وفي معيته: ((ان الله مع الصابرين)) وانما تكون المعية في مراتب التنزل حسب درجات الصبر .. فالصبر ((لله)) عبادة، والصبر ((في الله)) جهاد، والصبر ((بالله)) مجاهدة، والصبر ((مع الله)) معرفة، والصبر ((عن الله)) محبة .. فالصابر عن الله هو المحب .. وانما تكون معية الله معه بالذات .. والصابر في درجات الصبر المختلفة التي ذكرناها انما تكون ((المعية)) معه بالأسماء، أو بالصفات، أو بالأفعال، كل حسب مقامه .. ((وما منا الا له مقام معلوم)).
وهكذا يعدنا الاسلام للكمال، وللمقامات العاليات في درجات القرب من الله .. ولو قد كنا نصوم ونصلي كما يجب لتحركنا من حالة الغفلة والبعد الحاضر، وسرنا الي معية الله لنجد فيها العلم بالله، والعلم بنفوسنا .. والعلم بالنفوس هو العلم بالله .. وهو هو ((العلم)) الذي تحتاج اليه الانسانية الحاضرة، وتبحث عنه .. فانها هي قد تقدمت في معرفة آيات الآفاق ولكنها لا تزال تجهل النفس البشرية .. وما العلم بالآفاق الا مقدمة وتمهيد للعلم بالنفس: (سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق ..) وهذا العلم هو الذي سيعود به الاسلام في عصر ((العلم التجريبي المادي)) .. وهو هو ((العلم)) الذي سيتوج علمنا المادي الحاضر، ويقومه، ويوجهه .. وهذا ((العلم)) علي عزته، وعظمته، فان منهاجه بين أيدينا نحن المسلمين .. منهاجه هو الصوم، والصلاة، اذا أحسنا الصوم والصلاة والقاعدة هي: (واتقوا الله ويعلمكم الله)، وهي: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) ..