لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

التحدى الذى يواجه العرب

وحيرة المسئولين في السودان:


والحيرة، والقلق، واليأس، أولئك الذين جاءوا في أذيال الهزيمة، وتركوا ظلال الكآبة على تصرفات الساسة، المسئولين وغير المسئولين، ورجال الاعلام، وحملة الاقلام في ساير البلاد العربية، تركوا في السودان أسوأ الاثر. فلقد كان عندنا احزاب، وسياسيون، زعموا مرة، ان غيرتهم على اخلاق الشعب، وحرصهم على حماية عقيدة الشعب، من الالحاد الذي تروج له الشيوعية، وتبني عليه دينها، قد دفعهم، في محاربة الشيوعية الى ان يستبيحوا من حرمة الديمقراطية ما لا يستباح، فيعدلوا الدستور المؤقت ليسنوا من القوانين ما يحرمون به نشاط الحزب الشيوعي السوداني، وما يخرجون به، من الجمعية التأسيسية، نوابه الثمانية.. وأكثر من هذا، فانهم لا يزالون يصرون على ان يصموا الدستور المستديم، الذي زعموا انهم يكتبونه اليوم، بالجور على الحقوق الاساسية للمواطنين الشيوعيين، هؤلاء الساسة يدعون اليوم جميع العرب الى ان ينسقوا اقتصادهم، وتعاملهم، وكفاحهم، مع أصدقائهم الروس.. ويغالطون فيقولون ان صداقتنا للاتحاد السوفيتي لا تعني ان نصبح شيوعيين.. وهو قول ظاهر التهافت، اذ ما الذي يعصم عامة الشعب عن الشيوعية ومسئولوه، وحملة اقلامه، ورجال اعلامه يذيعون عليه كل يوم مبلغ اخلاص وعظمة وقوة اصدقائنا الشيوعيين.

ويستغلون حيرة الصحافة:


وصحفنا - حتى ما كان محافظا منها - تطفح بالمقالات الشيوعية، والاساليب الشيوعية تحت عناوين "التعايش السلمي" مثلا أو "تفسير الاشتراكية للمواجهة العربية الصهيونية" أو "التحليل الصيني عسكريا للنكسة".. والاساليب الشيوعية في اللغة العربية محشوة بالالفاظ الغريبة التي يستعاض بها عن عمق الفكر، مثل "التحليل الديلكتيكي الطبقي" أو "الامبريالية الامريكية" أو "النظرية الانهزامية" أو "النغمة اليمينية البرقراطية" أو "الدفاع عن عقائدية التحرر" أو "التيارات الانتهازية" أو "التعايش السلمي والتطور التلقائي" أو "استبدال الاطار الحتمي الميكانيكي بالاطار الاحتمالي" أو مثل هذا الاسلوب "هو الذي يمكن الحركات القومية الثورية من مواجهة الهجوم الرجعي الاستعماري ويزودها بوضوح كامل لوضع استراتيجية ثورية وواقعية ترصد احتمالات وامكانيات التدخل الاستعماري المسلح وتضع في الاعتبار انعكاسات سياسة التعايش السلمي".
هذه مجرد أمثلة مما تطفح به جرائدنا الآن وهو حديث يزيد في الحيرة الحاضرة، وينشر القلق الفكري، ويوهم انصاف المتعلمين انهم حين يرددون هذه العبارات في كتاباتهم انما يظهرون بمظهر المثقف الفاهم. وقد تورط في هذا الظن اناس ليسوا شيوعيين. بل انهم ليعادون الشيوعية أشد العداء، ولكنك حين تقرأ لهم تظنهم شيوعيين.
وهذا الحزب الشيوعي السوداني قد وجد، الآن، في ظلام هذه الحيرة، من الفرص ما لم يجدها أو ما يقرب منها في عمره الطويل.. وهو لم يضيع فرصته هذه، فأخذ باسم "ازالة آثار العدوان" وباسم محاربة الصهيونية والاستعمار الانجلو امريكي (على حد تعبيره) يسوق الشعب سوقا شطيطا الى حظيرة الشيوعية الماركسية اللينينية.

الماركسية دين ودولة ولكن:


ومع ان كارل ماركس ليس اول اشتراكي، وهو، على التحقيق، لن يكون آخر اشتراكي يفلسف الاشتراكية، وانما هو يمثل مدرسة في الاشتراكية لها حسناتها ولها سيئاتها، وما يوضع في كفة سيئاتها اكثر مما يوضع في كفة حسناتها، الا ان هذا التشويش الفكري قد مكن للشيوعيين الماركسيين ان يوهموا الناس ان الاشتراكية العلمية تبدأ بالماركسية اللينينية وتنتهي بها.. وانك، ان اردت ان تكون اشتراكيا علميا، فلا سبيل لك الا ان تكون ماركسيا. والحق ان الاشتراكية لن تنتصر في الارض، وهي لا بد منتصرة، الا اذا هزمت التفكير المادي الماركسي اللينيني. أو قل صححت الاخطاء الكبيرة، الحاضرة، التي هي السبب في هزيمة الاشتراكية، في روسيا وفي الصين، على السواء.
فالماركسية دين يحارب الاديان بالضراوة التي تحارب بها الضرة ضرتها ليخلو لها الجو وهي دين قد طوق علماءه بالعصمة، ورفعهم الى مرتبة الانبياء، بل انه جريا وراء طبيعته الوثنية المادية، قد رفع ماركس ولينين الى درجة الالوهية المعبودة، فترى اتباعه يحجون الى قبر لينين، يطوفون حوله كما يطوف حجيج المسلمين ببيت الله الحرام. فالماركسية دين بلا اله، او قل انه دين إله أنبياءه.. وهذا التأليه فيما يخص ماركس، ولينين، واضح بقدر كاف، ولكنه فيما يخص "ماوتسي تونغ" أوضح بكثير، فأقوال "ماو" في الصين، اليوم، تطبع، وتجلد، وتحمل، في تقديس يشبه تقديس النصارى للانجيل، وتقديس المسلمين للمصحف . و(( ماو )) هو اله الصين اليوم .. والدين الماركسي انما انكر وجود الله لسبب بسيط وهو ان ماركس عندما عجز عن ادراك الله، اتخذ من العجز فضيلة فانكر وجود الله.. والدين الماركسي يدعو الناس من حيث لا يدري ليعودوا الى الوثنية التي خلفتها البشرية منذ آلاف السنين، فهو بذلك دين رجعي ممعن في الرجعية، بل هو أحق بهذا الوصف من الذين يصمهم، دائما، به، من اعدائه.. والحديث عن الماركسية كدين مستغرب بالطبع، والسبب في الاستغراب ان الناس ألفوا الماركسية كفكرة اشتراكية فقط، وما ذاك الا لان ماركس أعطى الاهتمام الاول، في فلسفته، للاقتصاد، واختفى أصل الفلسفة، الا عن الذين يبحثون، ولهؤلاء تظهر الماركسية كفلسفة للانسان والكون.. وههنا يظهر خطلها وقصورها، "فالمادية الديلكتيكية"، وهي فلسفتها، تقول "ان حركة الفكر هي انعكاس للحركة الواقعية منقولة الى دماغ الانسان ومستقرة فيه" و"الحركة الواقعية" عندهم هي حركة العناصر، بما في ذلك الصراع الطبقي، وهي حركة حتمية ميكانيكية، وحتميتها تلقائية فيها.. فهم لا يعترفون ان هذه الحتمية تنبعث عن ارادة محيطة، في عقل كلي، هو الذي يخلق الطبقية، والتاريخ، ويصنعهما.. وههنا يجيء انفصام السلسلة.. وانقطاع الدورة... وتلقائية التحول قد قال بها، قديما، قوم ليسوا فلاسفة، وانما هم جهلة، ولقد قص القرآن علينا من خبرهم ، فقال، جل من قائل: (( وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا الا الدهر، وما لهم بذلك من علم، ان هم الا يظنون * واذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم الا ان قالوا أئتونا بآبائنا ان كنتم صادقين * قل الله يحييكم ، ثم يميتكم ، ثم يجمعكم الى يوم القيامة ، لا ريب فيه ، ولكن اكثر الناس لا يعلمون )) ـ (( وما يهلكنا الا الدهر )) هي موضع الضلال في كل تفكير إلحادي، ((ولكن اكثر الناس لا يعلمون)) هي موطن العلة في كل ملحد.. ولما كان الدين الماركسي معقدا، وصعبا، فهو لم يطلب من اتباعه العلم به، وانما طلب منهم الايمان به - طلب منهم الايمان بالكفر - وهذا هو السبب في تعصب عامة الماركسيين..

العرب في التيه:


ومع ذلك فان هذه الجهالة الكبرى، وهذه الغفلة المفلسفة، وهذه النكسة البشرية، الفكرية، الموبقة، تسمي نفسها، في أيامنا الحاضرة، (( ثورية وتقدمية )) وتطرق أبواب العرب المسلمين، فتجد، من قادة العرب المسلمين، من يفتح لها هذه الابواب على مصاريعها .. في غفلة وفي بلاهة..
ان العرب اليوم في التيه .. وهم في التيه ولا موسى لهم، ولا هارون، ولا يوشع .. بل ولا مولى لهم .. نسوا الله فنسيهم الله: (( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى )).
ان هذا أمر لا يصح السكوت عليه، ولا بد من عمل سريع.. واول ما تجب الاشارة اليه هو ان المشكلة التي تواجه العرب اليوم ليست، كما يظنون، مشكلة أرض فلسطين، التي اقتطعها اليهود بمعاونة بريطانيا وامريكا، وموافقة الاتحاد السوفيتي، وبعض الدول الاخرى، فشردوا أهلها، واقاموا فيها دولة اسرائيل.. المشكلة اكبر من ذلك، واخطر.. هذه المشكلة الكبيرة، الخطيرة هي ان المرحلة الحاضرة من تطور المجتمع البشري، على هذا الكوكب، الذي نعيش فيه، قد واجهت العرب بتحد لم يسبق لهم ان ووجهوا به، بهذه الصورة الحاسمة، وما ارض فلسطين الا البقعة التي فيها رمي قفاز التحدي ..
ولقد واجه العرب هذا التحدي بغير ادواته، حين ظنوه دولة اسرائيل، فدخلوا معها في حرب يوم 15 مايو عام 1948 فانهزموا، فذهبوا يبحثون عن أسباب الهزيمة، فلم يهتدوا الى اصل المشكلة، ولكن تفكيرهم هداهم الى ان سبب الهزيمة هو فساد الحكام العرب، وتواطؤهم مع الاستعمار الغربي، الذي صنع اسرائيل وساندها في الحرب ضد العرب فثاروا ببعض حكامهم، واجلوهم عن مواطن القيادة، وجاءوا بقيادات جديدة فظنوا أنهم بذلك قد اهتدوا الى اصل المشكلة، وظنت هذه القيادات الجديدة ان مشكلتها هي دولة اسرائيل، ومن ورائها الدول الغربية، أو قل انها ارادت ان تفهم ان مشكلتها هي الدول الغربية التي تستخدم اسرائيل، بعد ان زرعتها في ارض العرب، كقاعدة عسكرية ضدهم.. فواجهت الغرب بالعداوة على نحو ما برز في الصورة التي بها تم تأميم قناة السويس، فأضافت بذلك مشكلة جديدة، من غير ان تهتدي الى أصل المشكلة، وقد جرت على نفسها عدوان 29 اكتوبر عام 1956، فانهزمت فيه، في الحقيقة، ولكنها توهمت انها كانت فيه منتصرة، لسبب واضح هو ان الصراع بين الكتلتين اوقف العدوان قبل ان يبلغ أهدافه .. فظنت به الهزيمة، وبنفسها النصر، وكذلك زاد بعدها عن أصل المشكلة، وزاد ضلالها.. ثم جرت على نفسها عدوان 5 يونيو من عام 1967 فانهزمت هزيمة نكراء، ولقد كنا نرجو لها ان تهتدي بهذه الهزائم المنكرة، المتكررة، الى أصل هذه المشكلة.. ولكن الدلائل تدل على ان القيادات العربية تبعد كل يوم عن فهم أصل هذه المشكلة .. وما القرارات التي اتخذت اخيرا، في مؤتمر القمة، الذي عقد بالخرطوم بين التاسع والعشرين من أغسطس والحادي من سبتمبر من هذا العام، الا أحدث دليل على ضلال القيادات العربية عن أصل المشكلة..