لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

التحدى الذى يواجه العرب

التحدي الذي يواجه البشرية:


والتحدي الذي يواجه العرب اليوم هو في الحقيقة نصيبهم من التحدي الذي يواجه البشرية المعاصرة جمعاء.. والتحدي الذي يواجه البشرية هو ان موطنها الذي تعيش فيه اليوم - هذا الكوكب الذي نعيش فيه - قد انكمش واصبح صغيرا، بفضل الله، ثم بفضل سرعة المواصلات الحاضرة، حتى لقد اصبح الناس - كل الناس - جيرانا، بعضهم لبعض واصبح مطلوبا اليهم ان يتعايشوا في حسن خلق، وحسن معاملة، وفي سلام، والا فما تطيب حياة لجيران يتشاكسون كل صبح جديد.. بايجاز فان التحدي الذي يواجه البشرية اليوم هو ان الكوكب الذي نعيش فيه قد اكتملت له الوحدة المكانية، وقد أصبح يتطلب من البشرية التي تعيش فيه ان تحقق الوحدة الفكرية بين أفرادها حتى يستطيعوا ان يتعايشوا في سلام - ان لم نقل يعيشوا في سلام - مع اختلاف الوانهم، ولغاتهم، وعاداتهم، وعقائدهم، فان هم عجزوا عن ذلك فسيكون مصيرهم مصير كل الاحياء الذين عجزوا عن ان يوائموا بين حياتهم وبين بيئتهم - وقد جرت بذلك سنة الاولين..
وتوحيد البشرية عن طريق الفكر - وليس هنالك من طريق سواه - يتطلب مدنية تعطي منزلة الشرف للفكر، وما هكذا المدنية الغربية الحاضرة: لا في شقها الرأسمالي الغربي، ولا في شقها الشيوعي الشرقي.. بل ان هذه المدنية الغربية لتقوم أساسا على انكار الفكر.. فهي مدنية مادية، يستوي في ذلك شقها الشيوعي، مع شقها الرأسمالي. فليس الاختلاف بين الشيوعية والرأسمالية الا اختلاف مقدار.. وواضح جدا عند الشيوعية تحقير الفكر، وكبت حريته.
والمدنية الغربية أعلنت افلاسها، ووصلت الى نهاية مقدرتها التطورية.. وعجزت عن استيعاب طاقة بشرية اليوم، وتطلعها الى تحقيق الاشتراكية والديمقراطية في جهاز حكومي واحد.. لان الانسان المعاصر يريد الحرية، ويرى ان الاشتراكية حق طبيعي له، ووسيلة لازمة لتحقيق هذه الحرية، ومن خطل الرأي عنده، ان يطلب اليه، ان يتنازل عن حريته لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الاشتراكية، كما تريد له الشيوعية الماركسية الآن. أو ان يطلب اليه ان يحقق حريته الديمقراطية في ظل نظام اقتصادي رأسمالي لا تتوفر له فيه حاجة المعدة والجسد الا بشق الانفس، كما تريد له الرأسمالية الغربية..
فالتحدي الذي يواجه البشرية اليوم، من بيئتها الجديدة، يتطلب بزوغ شمس مدنية جديدة، تلقح الحضارة الغربية الآلية، الحاضرة، وتنفخ فيها روحا جديدا، يعطيها المقدرة على التوفيق بين حاجة الفرد الى الحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة الى العدالة الاجتماعية الشاملة.. مدنية تضع حاجة الفرد هذه في مركز التنظيم، ثم تفرع تشريعها في الاشتراكية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على اعتبار يجعل المجتمع البشري الوالد الشرعي للفرد البشري الكامل.. وهو ذلك الفرد الذي تحقق له كمال حياة الفكر، وكمال حياة الشعور.. وما نريد أن نطيل هنا في الحديث عن فشل المدنية الغربية فانا قد فصلنا ذلك في كتابنا "الرسالة الثانية من الاسلام".

التحدي الذي يواجه العرب:


والتحدي الذي يواجه العرب اليوم هو نصيبهم من هذا التحدي العام للبشرية، ولكنه أشد توكيدا وأكثر الحاحا. وذلك لعدة اسباب، أهمها اثنان: أحدهما ان العرب يعيشون في منطقة هي سرة العالم، وعندها تلتقي القارات الثلاث، اوربا، وآسيا، وأفريقيا، وهي منطقة صنع فيها التاريخ، منذ فجر التاريخ، ولا يزال يصنع، ولقد نشأت فيها، وعلى صلة بها، والتقت على ارضها جميع المدنيات، وبخاصة تلك التي تجمع بين المادة والروح، وتطلب للانسان الرغيف لانه لا يعيش بدونه، وتطلب له وراء الرغيف الحرية لانه لا يعيش بالرغيف وحده.. "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة من الله" كما قال المسيح أو "الدنيا مطية الآخرة" كما قال محمد..
وثانيهما ان العرب - دون سائر الناس - هم أهل الكتاب، هم اهل القرآن، والقرآن هو روح الله الذي اذا نفخ في هيكل الحضارة الغربية، الآلية، العملاقة الحاضرة، عادت اليه الحياة واستقامت فيه الموازين وملك القدرة على ان يسير بالبشرية الى منازل السلام.. فالمدنية الغربية المادية، منفوخا فيها الروح الاسلامي، هي المدنية الجديدة، التي بها تستطيع البشرية ان تحدث الوحدة الفكرية والتي تتطلبها وحدة بيئتها الجديدة.. وبالتقاء الوحدتين يقوم التناسق التنظيمي، وعلى هذا التناسق يقوم العدل الموزون، على تطبيق حكم القانون، وبالعدل الموزون يحل في الارض السلام..
ولكن العرب اليوم يعيشون على هامش الحياة، على قشور من المدنية الغربية "وهي في لبابها فاسدة فكيف بقشورها؟" وعلى قشور من الاسلام. وقد استدار الزمان دورته، وأصبحت منطقة العرب مسرحا لصراع حضاري جديد، هو ما نشهده الآن من حوادث يدمى لها القلب، تجري بين العرب واليهود.. هذه الحوادث المؤلمة هي في الحقيقة بمثابة أتعاب الولادة التي تصحب ميلاد المدنية الجديدة، في مهد المدنيات، والعرب هم القابلة التي على يديها يستهل المولود الجديد، ولكنهم عن دورهم هذا مذهولون.. يظنون ان اسرائيل هي سبب مشكلتهم، وما دروا ان اسرائيل نتيجة وليست سببا!! والسبب هو ان العرب لا يحتلون في التاريخ المعاصر المكان اللائق بهم.. مع انهم يعيشون في فترة تؤرخ تحولا جوهريا في الحياة البشرية، على هذا الكوكب.. تحولا لم يسبق للبشرية به عهد.. بهذا التحول ينتهي عهد، ويبتدئ عهد.. ينتهي عهد طفولة البشرية، ويبتدئ عهد رجولتها وهذا ما عنيناه حين تحدثنا عن التحدي الذي تواجه به البيئة المعاصرة البشرية اليوم..
لكأن منطق تطور الحياة البشرية المعاصرة على هذا الكوكب يقول للعرب ان عليكم الآن ان تدخلوا التاريخ في القرن العشرين، كما دخله أوائلكم في القرن السابع، فأشرقت بدخولهم على عالم يومئذ شمس مدنية جديدة، أو ان تخرجوا عن التاريخ لبقية التاريخ.. هذا هو التحدي الذي يواجه العرب، وما اسرائيل الا قفاز التحدي قذف به في ارض فلسطين.. وهو لم يقذف به الاستعمار الغربي، وانما قذفت به قوة ما الاستعمار الغربي الا أداة من أدواتها ولقد سبق لهذه القوة ان تحدت العرب في القرن السابع قبل أن يدخلوا التاريخ، فقالت: "ولا تهنوا وتدعوا للسلم وانتم الاعلون، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم * انما الحياة الدنيا لعب ولهو وان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم * ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا، ويخرج اضغانكم * ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني، وانتم الفقراء، وان تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم" هذا هو التحدي الذي يواجه العرب اليوم، كما واجه أوائلهم بالامس.. اما ان تدخلوا تاريخ يومكم، بالاقبال على الله - او ان تخرجوا عن التاريخ الى الابد، "وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

العرب بين الأمس واليوم:


ما أشبه الليلة بالبارحة!! أليس حقا ان التاريخ يعيد نفسه، وإن كان لا يعيدها بنفس الصورة؟؟ ألم يكن العرب في القرن السابع الميلادي يعيشون على هامش التاريخ؟ ألم يكن عالمهم الصغير، يومئذ، منقسما بين كتلة شرقية هي الامبراطورية الفارسية، وكتلة غربية، هي الامبراطورية الرومانية؟ ألم تكن المدنية التي تربط بين الكتلتين يومئذ مدنية واحدة في الجوهر، مختلفة في المظهر، كما هو الحال الآن بين مدنية الكتلة الشيوعية، والكتلة الرأسمالية؟ ألم يكن العداء والتنافس مشبوبا بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، يومئذ، كما هو اليوم؟ ألم يكن العرب عظم النزاع بين الكتلة الشرقية، والكتلة الغربية، يومئذ، كما هم اليوم؟ بلى!! كل أولئك قد كان. بيد ان العرب يومئذ لم ينحازوا الى أي من الكتلتين المتصارعتين وانما عصمهم الله بالاسلام فلزموه، وبه عرفوا النقص في كل من الكتلتين، فأنشأوا بينهما كتلة ثالثة فقهت عن الله قوله "يأيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" فأقبلوا على ربهم ينصرونه في أنفسهم بالتزام الصدق، في القول، والعمل، فنصرهم، ففضوا في كتلتهم الوسطى، الكتلتين الشرقية والغربية، وانشأوا على انقاضهما عالما جديدا، ومدنية جديدة.
ورب قائل يقول ان دخول العرب التاريخ في القرن السابع، اقتضى ارسال الله محمدا. والجواب قريب وهو ان الله موجود، ومحمدا موجود الآن، ولكن العرب هم الغائبون، حين نسوا الله فانساهم أنفسهم.. ان العرب قد زعموا، في أيامنا هذه، ان الاسلام يفرقهم، وان العروبة تجمعهم - الاسلام دين التوحيد يفرق!! فهل هناك غفلة اكبر من هذه الغفلة؟ ولقد اعتصم العرب المعاصرون بدعوة القومية العربية، وهي دعوة عنصرية في وقت يقوم الصراع العالمي فيه على اسس مذهبية.. وهم ينكرون انها عنصرية، ويلج بهم الانكار حتى تورطوا في خيانة فكرية، حين سطوا على تراث الاسلام فنحلوه للعرب، فقالوا ان القومية هي وحدة اللغة، والثقافة، والتاريخ، ولقد يعلم أقل الناس علما ان العرب لم تكن لهم ثقافة، ولا تاريخ، ولا حتى لغة موحدة، قبل ان يمن الله عليهم فيصبحوا مسلمين..

القومية العربية دجل:


ولم يقف العرب المعاصرون بفرية القومية العربية عند هذا الحد، وانما حملهم التعصب لها على جاهلية جعلتهم يحرفون القرآن عن مواضعه فيقولون "الله أكبر، والعزة للعرب" كما هو مكتوب على لافتات كثيرة في شوارع الخرطوم، في ايام انعقاد مؤتمر القمة العربي. والذي قاله الله أحق ان يقال، بل وجب الا يقال غيره، عند كل مؤمن، وكل مسلم: قال الله تعالى عن العرب المؤمنين، ناقصي الايمان والكفار، ((الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعا)) وقال تعالى عن العرب المنافقين ((يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولله العزة، ولرسوله، وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون)) ولم يقل العزة للعرب اطلاقا، بل قال ما ينقض دعوى العنصرية رأسا على عقب، ((يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ان الله عليم خبير)) وقال على لسان نبيه ((الناس لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم)) وقال أيضا ((ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى)) وقال عن سلمان الفارسي وهو أعجمي ((سلمان منا أهل البيت)) وما ذاك إلا لقوة إيمان سلمان مما ألحق نسبه بأهل البيت، وقال عن بلال، وهو عبد حبشي، وكان يؤذن للصلاة بين يدي رسول الله، ولا يحسن النطق بالشين في الشهادتين قال ((سين بلال عند الله شين)) فأين كل اولئك مما تدعيه القومية العربية؟ هل تريدون الحق؟ إذن فاسمعوا!! إن العرب لم يرزأوا في دينهم، ولا في دنياهم بمثل ما رزئوا به بدجل دعوى القومية العربية.. وعن تاريخ نشأة هذه الفرية يحدثنا الدكتور فيليب حتّي في كتابه "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين" الجزء الثاني صفحة 352 فيقول، تحت عنوان "القومية والنضال من أجل الاستقلال" ((بدأت هذه اليقظة القومية العربية حركة فكرية خالصة، مركزة على درس لغة العرب وتاريخهم وأدبهم. وكان روادها في الغالب من المفكرين السوريين، وبنوع خاص، من نصارى لبنان الذين تثقفوا في الجامعة الامريكية في بيروت. فهؤلاء هم الذين شرعوا في تطويع العربية الفصحى لتغدو أداة جديدة صالحة للتعبير عن الفكر الحديث. على ان الفكرة القومية، وما استتبعته من تشديد على الشئون المدنية والقيم المادية، جرت في اتجاه معاكس لارفع المثل، وأعز التقاليد الاسلامية، التي لا تقر، ولو مبدئيا، بأية رابطة غير رابطة الدين. ثم ان اختيار الشعوب الناطقة بالعربية لهذا الطراز الجديد من القومية، وثورة الحسين شريف مكة سنة 1916 على الاتراك العثمانيين، صدعا البقية الباقية من الامل بقيام وحدة اسلامية شاملة، وأقاما في مكانها وحدة عربية جامعة. أساسها اللغة والثقافة العلمانية، لا العقيدة الدينية الخالصة)) هذا ما قاله الدكتور فيليب عن القومية العربية، وقد كان ذلك في أوائل القرن العشرين، اما اليوم فان القومية العربية، مع بروز الدعوات المادية الالحادية، أمست أسوأ من مجرد دعوة عنصرية، ذلك بأنها ترى في الاسلام منافسا خطيرا لها، فأخذت تتوجه اليه بالحرب، كما هو الشأن في سوريا، على يدي حزب البعث.. وفي مصر زعموا لها فلسفة اقتصادية، أسموها الاشتراكية العربية، وما هي، في الحقيقة، ولدى التحليل الأخير، غير الشيوعية الماركسية.. فكأن القومية العربية على يدي جمال عبد الناصر أخذت تبيع الشيوعية للعرب تحت اسم مستعار لا يثير شكوكهم ولا ينبه فيهم حاسة الشعور بالخطر الذي يتهددهم. ومن أجل ذلك حل الحزب الشيوعي نفسه في مصر، ومن أجل ذلك أصبح جمال عبد الناصر عزيزا لدى الاتحاد السوفيتي، ولدى الصين، ولدى يوغسلافيا، ولدى الاحزاب الشيوعية في كل البلاد العربية، وبخاصة لدى الحزب الشيوعي السوداني. وتلك عزة الغرض من ورائها معروف ومهما يكن من الامر فان الدجل الحاضر لن يرقى الى طمس الحقائق العلمية وهي متوفرة ودامغة بان العرب لم يدخلوا التاريخ في القرن السابع الميلادي كعرب وانما دخلوه بعد ان اصبحوا مسلمين وهم لن يدخلوه في القرن العشرين كعرب وانما سيدخلونه اذا رجعوا الى ربهم والى دينهم، فأصبحوا مسلمين.