((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

في عهد السلام الفكر، لا الحيوان، هو القربة والفداء

في عهد السلام الفكر، لا الحيوان، هو القربة والفداء:


لقد أسقط الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم الضحية عن أمته!! ووعي أصحابه ذلك، والتزموه، إيذانا بنهاية عهد القربة الي الله، والفداء بالحيوان، وافتتاحا لعهد القربة، والفداء بالفكر!! الفكر المروض بالعبادة، المؤدب بأدب الدين، المخلّص من هوى النفس، وهو الفكر المستقيم، ولقد كان جوهر السنة النبوية هو الفكر المستقيم حتى يمكن أن نعرف السنة بأنها الفكر!! قال الأستاذ محمود محمد طه في كتاب "طريق محمد" (وقد كانت حياة النبي كلها خيرا، وحضورا، وفكرا، في كل ما يأتي وما يدع، وكما كانت عبادته فكرا، وتجديدا، لا عادة فيها، كذلك كانت عاداته، في الفكر، عبادة، ووزنا بالقسط.. فقد كان يقدم الميامن علي المياسر، ويحب التيامن، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما وكان في جميع مضطربه علي ذكر، وفكر، فهو لا يقوم، ولا يجلس، إلا على فكر، وكذلك كان نومه، وأكله، ولبسه، حتي كانت حركاته تجسيدا لمعاني القرآن وكان من ثمرات صلاته، وفكره، وذكره، في جميع حالاته، حلاوة شمائله التي حببته الى النفوس، ووضعته مكان القدوة) انتهي. والنبي الكريم هو القائل (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) ذلك بأن الفكر المستقيم جماع تكاليف الإسلام، فما أنزل القرآن، وما شرعت الشرائع، وما عزمت العزائم إلا لإنجاب الفكر المستقيم، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل اليهم، ولعلهم يتفكرون)!

والكرامة البشرية إنما لا تتحقق، في قمتها، إلا إذا صحح الفرد البشري حاله، وطور قدرته من داخله، عن طريق فكره، لا بوسيلة خارجة عنه، كالحيوان، يفدي بها نفسه، أو يتقرب بها الى الله. ففداء الفرد البشري نفسه بنفسه، بوسيلة الفكر في الاستغفار، والشكر، مثلا، وهما عملان فكريان، في المقام الأول، إنما هو إيقاظ لهذه القوى الدرّاكة وتنمية لها لتتحمل مسئوليتها التامة عن تصحيح خطئها، والتسامي بحالها.. وفي فداء الفرد البشري نفسه بنفسه، عن طريق فكره، فداء للحيوان من أن يتخذ وسيلة تقرّب أو تفدية، وتوسيع، بذلك، لقاعدة الحياة، وتسام بالعلاقة مع كل الأحياء والأشياء.