في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

بسم الله الرحمن الرحيم
(واتَبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون)..
صدق الله العظيم..


مقدمة الطبعة الثانية:


هذه هي مقدمة الطبعة الثانية من كتابنا: (الضحية غير واجبة!! لا على الفقراء!! ولا على الأغنياء!!).. وهو كتاب قد أثار اهتمام السادة القراء بصورة ملحوظة، وقد استغربه الكثيرون، لطول ما كانوا يظنون أن الضحية واجبة، على الرغم من أنها ليست كذلك.. وعنوان الكتاب إنما كان في اتجاه توكيد كونها غير واجبة، لا على الفقراء، ولا على الأغنياء، لدحض رأي الفقهاء القائل بأنها إنما تجب على الموسرين فقط، ذلك الرأي الذي لم يبن على أي سند واضح لا من نصوص السنة المطهرة، ولا من عمل الأصحاب، ولا من آراء التابعين!! وإنما هو محض تخريج، جرت به العادة، ويعوزه السند كما سلفت إلى ذلك الإشارة، وتعوزه المعرفة بروح الدين، كما تعوزه دقة التمييز التي حدت بالموسرين من أكابر الصحابة على تركها، وعلى التصريح بأنهم إنما يفعلون ذلك، لكيلا يظن الفقراء أنها واجبة!! وسيجد القارئ الكريم إثبات كل أولئك في متن هذا الكتاب..

الضحية عادة!!


ونحن نحب أن نؤكد للمسلمين اليوم، أن كون الناس قد ألفوا الضحية زمنا طويلا، لا يجعل منها واجبا بحال من الأحوال، بل على النقيض من ذلك تماما، فإنه متى ما اتضح بالأسانيد، والأدلَة الدوامغ، من أحاديث النبيَ، ومن عمل الأصحاب، بأنها ليست واجبة، لا على الفقراء! ولا على الاغنياء! فقد وجب الإقلاع الفوري عنها، فهي محض عادة، اعتادها الناس، فقويت على مر الزمن، حتى ظنَها الناس، لطول ما ألفوها واجبا.. ولقد أسهم تخريج الفقهاء الخاطئ بأنها إنما تجب على الموسرين فقط، في ترسيخها، وتعميقها، في حياة الناس.. وهو تخريج لم يوفق إطلاقا في رفع العنت والمشقة، عن الفقراء، إن كان قد قصد به إلى ذلك، وذلك لسبب بسيط، وهو أنَ كل مسلم يرى أنه لئن يخطئ في جانب تقدير حاله من الفقر فيضحى، رغم المشقة والعنت، خير له من أن يخطئ في جانب الترك لواجب ديني، قد يكون قادرا عليه!! هذا بالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية العديدة التي تدفع الفقراء إلى أن يضحوا رغم رقة حالهم، ما دام الأغنياء يضحون..
ونحن بالإضافة إلى الأسانيد الضافية التي وردت في متن الكتاب نضيف في هذه المقدمة مزيدا من الأسانيد الدالة على عدم وجوبها على الأمة.. فقد جاء في "سبل السلام" الجزء الرابع عن الضحية ما يلي: (جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت إن رسول الله أمر بكبش أقرن فأتى به ليضحي به، فقال: يا عائشة هلمي المدية اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها، وأخذه، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به)..
قال ابن حزم: (لم يصح عن أحد من الصحابة قال إنها واجبة)..
كما ورد عن جابر، قال: (ذبح النبي يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجأين "مخصيين" فلما وجههما قال: "أني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.. اللهم منك ولك عن محمد وأمته بإسم الله والله أكبر ثم ذبح" رواه أبو داؤود وابن ماجة)..
ويحتجنا البعض في القول بعدم وجوب الضحية بالآية (فصل لربك وانحر) وفي مواجهة ذلك نذكر ما أخرجه جرير عن أنس (كان النبي صلي الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر، فهي تعيين لوقت النحر، لا لوجوبه "كأنه يقول إذا نحرت فبعد صلاة العيد.. ومن أجل ذلك ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين لعدم الوجوب")..

المسلمون أمام أحد أمرين!!


هذا ما كان من أمر زيادة الأسانيد في توكيد عدم وجوب الضحية على الأمة، ونحن نوجه الحديث في ختام هذه المقدمة إلى المسلمين عامة، وإلى العلماء منهم بوجه خاص، بأن عدم وجوب الضحية أمر ثابت بصريح الأحاديث النبوية، وبصريح أقوال أكابر الصحابة وفعلهم، فلا حجة لمن يزعم بأنها واجبة، على فقير أو غني.. فالموسرون من أكابر الصحابة لم يضحوا، فلم يبق إلا أن القول بوجوبها على الأغنياء محض تخريج وجبت مراجعته الفورية، فالحق أحق أن يتَبع..
وعلى كُلٍ، فالناس أمام أحد خيارين، فإمَا أن يكون ما قلناه في أمرها حقَا - (وهو حق لا مراء فيه، كما سيرى القارئ في متن هذا الكتاب) – فيجب الأخذ به، وتوعية الناس وفقه، دون إبطاء.. وإمَا أن يكون غير ذلك، فتجب معارضته بالأسانيد، والدلالة القطعية من أحاديث النبي، وعمل الأصحاب.. وإنَا لعلى يقين تام من أن َذلك غير ممكن، ولو كان ممكنا لفعله خصومنا في الرأي من علماء الشريعة، ولذلك فإنه يتوجب على سائر المسلمين ألا يدعوا فرصة لعلماء الشريعة لتمييع قضايا الدين، واتخاذ المواقف الوسطية، وأن يحملوهم على اتخاذ موقف واضح من هذين الموقفين، فإنه ليس بعد الهدى الا الضلال...
وإنا لنسأل الله أن يهدينا وأن يهدى بنا، إنه سميع مجيب …