((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الضحية غير واجبة!!
لا علي الفقراء!! ولا علي الأغنياء!!

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
(واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم، من قبل ان يأتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون) ..
صدق الله العظيم ..


مقدمة الطبعة الثانية:


هذه هى مقدمة الطبعة الثانية من كتابنا: (الضحية غير واجبة !! لا على الفقرء ولا على الاغنياء) .. وهو كتاب قد اثار اهتمام السادة القراء بصورة ملحوظة، وقد استغربه الكثيرون ، لطول ما كانوا يظنون ان الضحية واجبة، على الرغم من انها ليست كذلك . وعنوان الكتاب انما كان فى اتجاه توكيد كونها غير واجبة، لا على الفقراء، ولا على الاغنياء ، لدحض رأى الفقهاء القائل بأنها انما تجب على الموسرين فقط، ذلك الرأى الذى لم يبن على اى سند واضح لا من نصوص السنة المطهرة، ولا من عمل الاصحاب، ولا من آراء التابعين ! وانما هو محض تخريج ، جرت به العادة، ويعوزه السند كما سلفت الى ذلك الإشارة ، وتعوزه المعرفة بروح الدين، كما تعوزه دقة التمييز التى حدت بالموسرين من اكابر الصحابة على تركها، وعلى التصريح بانهم انما يفعلون ذلك، لكى لا يظن الفقراء انها واجبة ! وسيجد القارئ الكريم اثبات كل اولئك فى متن هذا الكتاب ..

الضحية عادة !!


ونحن نحب ان نؤكد للمسلمين اليوم، ان كون الناس قد ألفوا الضحية زمنا طويلا، لايجعل منها واجبا بحال من الأحوال، بل على النقيض من ذلك تماما، فإنه متى ما اتضح بالاسانيد، والادلَة الدوامغ، من احاديث النبى، ومن عمل الاصحاب، بانها ليست واجبة، لا على الفقراء! ولا على الاغنياء! فقد وجب الإقلاع الفورى عنها، فهي محض عادة، إعتادها الناس، فقويت على مر الزمن، حتى ظنَها الناس، لطول ما ألفوها واجبا .. ولقد اسهم تخريج الفقهاء الخاطئ بانها انما تجب على الموسرين فقط، فى ترسيخها، وتعميقها، فى حياة الناس .. وهو تخريج لم يوفق اطلاقا فى رفع العنت والمشقة ،عن الفقراء ،ان كان قد قصد به الى ذلك، وذلك لسبب بسيط، وهو انَ كل مسلم يرى انه لئن يخطئ فى جانب تقدير حاله من الفقر فيضحى ، رغم المشقة والعنت، خير له من ان يخطئ فى جانب الترك لواجب دينى ، قد يكون قادرا عليه!! هذا بالاضافة الى الاعتبارات الاجتماعية العديدة التى تدفع الفقراء الى ان يضحوا رغم رقة حالهم، ما دام الاغنياء يضحون ..
ونحن بالأضافة الى الأسانيد الضافية التى وردت فى متن الكتاب نضيف فى هذه المقدمة مزيدا من الاسانيد الدالة على عدم وجوبها على الامة .. فقد جاء فى "سبل السلام" الجزء الرابع عن الضحية ما يلى: (جاء فى صحيح مسلم عن عائشة قالت ان رسول الله امر بكبش اقرن فأتى به ليضحى به، فقال: يا عائشة هلمى المدية اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم اخذها، واخذه، فاضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله تقبل من محمد وآل محمد ومن امة محمد ثم ضحى به) ..
قال ابن حزم: (لم يصح عن احد من الصحابة قال انها واجبة) ..
كما ورد عن جابر، قال: (ذبح النبي يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجأين "مخصيين" فلما وجههما قال: "أني وجهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض علي ملة إبراهيم حنيفا و ما أنا من المشركين، لا شريك له، و بذلك أمرت و أنا المسلمين.. اللهم منك و لك عن محمد و أمته بإسم الله و الله أكبر ثم ذبح" رواه أبو داؤود و إبن ماجة)..
و يحتجنا البعض في القول بعدم وجوب الضحية بالآية (فصل لربك و أنحر) و في مواجهة ذلك نذكر ما أخرجه جرير عن أنس (كان النبي صلي الله عليه و سلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر، فهي تعيين لوقت النحر، لا لوجوبه "كأنه يقول إذا نحرت فبعد صلاة العيد. و من أجل ذلك ذهب الجمهور من الصحابة و التابعين لعدم الوجوب")..

المسلمون أمام أحد أمرين!!


هذا ما كان من أمر زيادة الأسانيد في توكيد عدم وجوب الضحية على الأمة، ونحن نوجه الحديث فى ختام هذه المقدمة الى المسلمين عامة، والى العلماء منهم بوجه خاص، بأن عدم وجوب الضحية امر ثابت بصريح الأحاديث النبوية، وبصريح اقوال اكابر الصحابة وفعلهم، فلا حجة لمن يزعم بانها واجبة، على فقير او غنى .. فالموسرون من اكابر الصحابة لم يضحوا، فلم يبق الا ان القول بوجوبها على الاغنياء محض تخريج وجبت مراجعته الفورية، فالحق احق ان يتبع …
وعلى كل فالناس امام احد خيارين، فامَا ان يكون ما قلناه فى امرها حقَا- (وهو حق لا مراء فيه، كما سيرى القارئ فى متن هذا الكتاب) – فيجب الاخذ به، وتوعية الناس وفقه، دون ابطاء … وامَا ان يكون غير ذلك، فتجب معارضته بالاسانيد، والدلالة القطعية من احاديث النبى، وعمل الاصحاب .. وإنَا لعلى يقين تام من ان َذلك غير ممكن ، ولو كان ممكنا لفعله خصومنا فى الرأى من علماء الشريعة، ولذلك فانه يتوجب على سائر المسلمين الا يدعوا فرصة لعلماء الشريعة لتمييع قضايا الدين، واتخاذ المواقف الوسطية، وان يحملوهم على اتخاذ موقف واضح من هذين الموقفين، فانه ليس بعد الهدى الا الضلال …
وانا لنسأل الله ان يهدينا وان يهدى بنا، انه سميع مجيب …