((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




لا إله إلا الله

التوحيد صفة الموحِّد

التوحيد صفة الموحِّد:


زي ما قلنا (لا إله إلا الله) نفي، واثبات.. الحكمة؟ الحكمة أن الله أن جسدته فقد جهلته، وإن نزهته فقد جهلته.. دي الصورة.. طبعا المجسد لي الله دا جاهل جهل غليظ.. لكن المنزِّه يقوم في بالنا، أول الأمر، انو بيعرف الله.. الله ما هو منزَّه ولا هو مجسَّد.. لأنو أنت لما تجسده طبعا تصورته صورة غليظة.. ودي مرفوضة من الأول.. ولما تنزهو تصورت نقائص بعينها، وكمالات بعينها.. فنزهته عن النقائص، وأوجبت ليه الكمالات اللي في ذهنك.. لكنه غيرها.. (سبحان ربك رب العزة عما يصفون).. ربنا قال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين).. (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) دا تنزيه مما تدركه العقول.. وبعدين قال: (وسلام على المرسلين).. لأن أحسن من وصف الله المرسلون، لأنهم يوحى إليهم من عند الله.. فكأنه وصف نفسه تعالى على ألسنتهم.. ولكن بعد دا قال: (والحمد لله رب العالمين) هنا انقطعت حتى الأسماء التي جاء بها الأنبياء ليهو.. لما تنقطع العبارات دي تجي أنت في مقام شهود الذات.. (لا إله إلا الله) تسوقك من الدرجات الصغيرة إلى درجة شهود الذات.. عند شهود الذات ما في عبارة.. العبارة تنقطع.. هنا يجيء القرآن في ترقيه الكبير.. نحن قبيل قلنا انو (لا إله إلا الله) هي المركز البلف حولها القرآن.. وقيمتها السلوكية هي التي تجعلها في هذه المرتبة من الأهمية، لأن السلوك هو المهم.. الله من حيث هو في ذاته موحَّد، ولكن أرسل رسله لنوحِّده نحن.. لننتفع بتوحيده.. تجيكم قيمة السلوك هنا.. والا فكلمة الله أرفع من عبارة (لا إله إلا الله).. والا فعبارة (الحمد لله) أرفع من عبارة (لا إله إلا الله) والناس القالوا في مناقشات زي دي، قالوا (الحمد لله) مواجهة.. ما فيها نفي واثبات.. ما فيها مرجحة بين النفي والإثبات.. لكن القيمة السلوكية في (لا إله إلا الله) ترفعها فوق كل شيء.. ومن هنا حديث المعصوم (خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله) نحن ما ممكن نقول (لا إله إلا الله) على حقيقتها إلا إذا قلنا معها (محمد رسول الله) وعبدنا زي ما أمرنا.. لأنو زي ما قلنا قبيل: (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه). أنت لما تسير في تحقيق (لا إله إلا الله) من تقليد نبينا، بتدخل في درجات كبيرة، تقطع فيها مراحلها بعبارة (لا إله إلا الله).. و(لا إله إلا الله) تخلُّق.. التوحيد موش كلام.. التوحيد صفة الموحِّد.. لأنو ربنا لما قال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) ربنا ما قالها بلسان.. ما قالها بجارحة.. قالها بذاته.. ربنا يعلم بذاته، ويتكلم بذاته.. ويسمع بذاته.. ما بيسمع بجارحة.. ولا بيتكلم بجارحة زينا نحن.. هو ذات.. من هنا جاءت عبارة التوحيد صفة الموحد.. الموحد مننا السالك آفته أن يقول: (لا إله إلا الله) بلسانه فقط.. لذلك جاء الحديث.. قال: (لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله، ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم.. فإذا فعلوا، ثم قالوها، قال الله: كذبتم لستم بها صادقين.. ).. كل المسألة التي تمنعنا من تحقيق (لا إله إلا الله) هي دنيانا.. ولذلك نبينا زهد فيها بصورة منقطعة النظير، فكان كل شيء يقطعه عن (لا إله إلا الله) يصرفه عنه.. وانتو طبعا عرفتوا الصفة المشهورة عنه انه ما سئل شيئا قط قال لا.. أبو شريعة قال عنه (ما سئل شيئا قط قال لا لا).. لما يسأل شيء بيرى انو السائل الله أرسله له ليمتحنه.. هل هو يرى لنفسه ملكية لشيء مع الله أم هو مرتفق فقط بما عنده.. جلابيته اللابسها هل هي ملكه، فيما يشعر، أم هو منتفع بيها فقط.. والسائل قد يكون أحوج ليها منه فيأخذها هو.. دا معنى التوحيد صفة الموحِّد..