ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




لا إله إلا الله

محك الصدق المال

محك الصدق المال


عند نبينا العبارة المشهورة في أمر زكاته – بالمناسبة زكاته – ركنه التعبدي – هو الركن التعبدي الحقيقي في أمر الزكاة – والعبارة المشهورة قالوا عندما تقدم يوما يؤم أصحابه في الصلاة ورفع يديه ، يريد تكبيرة الإحرام ، انصرف مهرولا الى الحجرة ، ثم عاد فوجد الأصحاب كأنما على وجوههم دهشة ، قال ليهم: (لعلكم راعكم ما فعلت ؟؟ قالوا نعم ! يا رسول الله ، قال: فإني تذكرت أن في بيت آل محمد درهما فخشيت أن ألقى الله وأنا كانز) .. لقاء الله في الصلاة .. لما هو خازن حاجة كأن جزء من قلبه مع ما خزن .. ولما يجي يقول الله أكبر في مقدار من الكذب هنا .. نفس العبارة في الحديث السالف (كذبتم لستم بها صادقين) .. نحن لما تكون قلوبنا مشغولة بما نخزن .. بما نعمر به خزائننا ، ووفرنا وبعدين نقبل على الله ، ونقول في الصلاة (الله أكبر) الكذب موجود .. ولكن الكذب في هذا المستوى ربنا تجاوز عنه للأمة ، إذا كان الإنسان قلبه فيه مجال بسيط لي الله .. لضعف الناس ربنا تجاوز عن كذبهم الكبير .. الفرق بين الناس وبين النبي المعرفة .. لأنو ، في الحقيقة ، العارف شريعته معرفته .. نبينا عارف بي الله على اعتبار قوله: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) ولذلك فهو ما بتجاوز ليه عن كذب بالقدر دا فيما يخص المال .. قال: (خشيت أن ألقى الله وأنا كانز) .. فيما يخص الأمة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .. وربنا لذلك قال له: (خذ من أموالهم صدقة ، تطهرهم ، وتزكيهم بها ، وصل عليهم ، أن صلاتك سكن لهم) يعني زيدهم في الدعاء بطلب المغفرة من الله لهم .. وزيدهم في الحرص عليهم ، وفي الشفقة بهم ، والرحمة لهم .. لعلهم يرتفعوا ، لكن إذا كان في حق الأمة أخذوا منها العشر ، أو نصف العشر ، أو ربع العشر ، زي ما يكون في الحالات ، والأعيان ، البتجب فيها الزكاة ، وأصبح في القلب مكان صغير لله ليكون فيه ، دا بيدخل بيه التوحيد .. الشاهد في المسألة إننا نحن ما ينقص مننا (لا اله إلا الله) إلا حب الدنيا .. وفي الحقيقة تسوقنا لعبارة هامة ، هي وحدة الفاعل .. وهذه منطقة خطيرة جدا .. نحن بنعتقد اننا بنفعل شيء ، والله بيفعل شيء .. لكن الإنسان إذا كان بيرى انو عنده تصرف ، في ذرة من ذراري حركاته ، أو سكونه ، فهو بهذا القدر مشرك .. و (لا اله إلا الله) عنده ناقصة .. وفي حقيقة الأمر ، التوحيد كله في مسألة وحدة الفاعل القلناها .. الخلائق كلها ، الناس ، ما جحدوا (الله) ولكن جحدوا (الإله) .. ولقد قال تعالى في ذلك: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم * ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ، ليقولن الله ، فأنى يؤفكون ؟ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ، إن الله بكل شيء عليم) .. كل الناس ينسبوا الأفعال الكبيرة لي الله ، جائز ما يقولوا الكلمة العربية العندنا في القرآن – (الله) لكن يعرفوا انو في خالق أعلى منهم ، خلق الأشياء الكبيرة ، زي الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والأرض .. لأنهم لا يستطيعوا ادعاء خلقها ، أو نسبة خلقها لقوة تشبه قوتهم .. أنت لو قلت لواحد مين عمل التربيزة دي ، الحاجة البنصرف ذهنه بداهة انو النجار .. ما يمكن تقول ليه مين خلق الشمس يتردد ، لأنو الأشياء الكبيرة البتنقطع فيها حيلتنا نحن دي منسوبة لي الله بصورة بديهية .. دي ما هي مرحلة التوحيد في الحقيقة .. مرحلة التوحيد في الأشياء الصغيرة .. قال تعالى: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه الخلق عليهم ؟؟ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) .. (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه) ديل في المراتب الصغيرة .. (فتشابه الخلق عليهم) الخلق بتشابه .. خلق الإنسان مع خلق الله لأن الله خلق الإنسان على صورته .. الله ما عنده صورة محسوسة مخلوق عليها الإنسان .. تنزه الله عن ذلك .. ولكن الله حي ، وعالم ، ومريد ، وقادر ، وسميع ، وبصير ، ومتكلم .. وخلق الإنسان حيا ، وعالما ، ومريدا ، وقادرا ، وسميعا ، وبصيرا ، ومتكلما .. ونحن في مراحل صنعتنا نخلق بدرجات ثلاث .. زي ما يخلق ربنا .. ربنا يخلق بالعلم ، والإرادة ، والقدرة .. بالعلم يحيط بالمخلوق وبالإرادة يخصص صورته ، وبالقدرة يبرزه في الواقع الملموس ، على وفق إحاطة العلم ، وتخصيص الإرادة .. ونحن لما نجي ننجر التربيزة دي ، النجار بيكون عنده علم بصورتها في ذهنه .. اتصور صورة التربيزة .. دا علم .. بعدين يمسك قلم فيخطط صورة التربيزة ، ومقاساتها وأحجام الخشب البيعملها منه: دي إرادة .. ثم يمسك النجار المنشار والفأرة ويحرك عضلاته في العمل .. دي قدرة .. تبرز التربيزة بالحركات الثلاث دي .. يبقى هنا الخلق تشابه .. ودا أصله مجال التوحيد .. كأنه هنا لما قال: (لئن سألتهم من خلق السموات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) .. قال (فأنى يؤفكون) ؟؟ قال: (لئن سألنهم من خلق السموات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ؟ ليقولن الله .. فأنى يؤفكون ؟ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، ويقدر له ، أن الله بكل شيء عليم) كأن الإشارة في ذلك أن ربنا يريد أن يقول لينا انتو الأشياء الكبيرة تنسبوها لي الله في توحيدكم ، لكن دا ما التوحيد .. دي حكاية بديهية ما بتقدروا تدعوها .. ولكن لو سُئلتم مين يرزقكم تقولوا اجتهادنا .. كدّنا .. تجارتنا .. زراعتنا .. وهو في الحقيقة في المجال دا بدا بتذكيرنا في أمر الرزق فقال: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم) هو قدم الآية دي ، ثم جاء وقال: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ؟ ليقولن الله فأنى يؤفكون ؟) ثم أعقبها بتذكير آخر بأمر الرزق فقال: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، ويقدر له أن الله بكل شيء عليم) هنا جاء المحك الحقيقي .. التوحيد أصله مجاله إياه دا .. أن رأيت ناس بيدعو التوحيد .. أن بقى الواحد منهم بيعمل عدد السبعين ألف في الليلة .. شوفو في رزقه كيفنو .. أن بقى حريص على رزقه توحيده دا من الحنجرة ولي فوق .. وان بقى عنده توكل على الله في رزقه يبقى دا التوحيد .. الحقيقة العارفين قالوا الرزق والأجل حاجة واحدة .. نحن نجري من الأجل ، ونجري وراء الرزق .. الأجل ما بنفوته .. والرزق الماهو رزقنا ما بنحصله ..
الحقيقة انو العارف تمام المعرفة أن انتظر في بيته رزقه بجيه ، لكن المعرفة دي ما بحصلها إلا بالمجاهدة في الأول .. في مرتبة المجاهدة يجب أن تجتهد في تحصيل رزقك ولكن بغير حرص .. واعلم باستمرار انك بقدر ما تحرص على الرزق (لا اله إلا الله) عندك ناقصة وقيمة هذا العلم أن يرشدك الى السماحة في السعي وراء الرزق..