في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الفصل الثامن

الغيب



الغيب هو ما غاب عن الحواس.. والإيمان بالغيب أول واجبات العقول.. ذلك بأننا نعلم خداع الحواس.. ونعلم أن واجب العقول هو أن تتخلص من هذا الخداع.. فإذا نظرت في النجوم فإنك تراها صغيرة كالعنب، وقد أدركت العقول، وفي غير كبير مشقة، وبفضل التجربة المعاشة في اليوم والليلة، أن هناك خداعا للنظر، سببه بعد المسافة بيننا وبين النجوم.. هذا الخداع هو الذي أظهر للنظر النجوم صغيرة.. واكتشفت العقول، من ثم، ومنذ زمن بعيد، أن النجوم أكبر، بكثير جدا، مما تظهر للعين.. هذا الكشف هو صورة من كشف الغيب.. والغيب يتمادى، من هذه الصورة، إلى أن يبلغ قمته عند الله.. فالله هو غيب الغيوب.. وهو قمة الغيب.. ولما كان الإيمان بالغيب فيه تعريف للعقل بحقيقة نفسه، كان أهم أركان الإيمان.. وكل السلوك، في معارج المراقي إلى الله، يتركز في تعريف العقل بحقيقة نفسه.. فإن العقل الذي يصعب عليه أن يؤمن بما لا يقع تحت إدراكه، فينكره من ثم، إنما هو عقل جاهل بحقيقة نفسه.. وهو لا يرجى له أن يعرف ما يجهل إلا إذا تواضع، وأدرك حقيقة قصوره.. وإلى هذا إشارة المعصوم في قوله: (من عرف نفسه فقد عرف ربه).. يعني: من عرف نفسه بالقصور عرف ربه بالطول.. يعني: من عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم.. من عرف نفسه بالكره عرف ربه بالإرادة.. من عرف نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة.. (من عرف نفسه فقد عرف ربه) فالغيب، إذن، ليس طلاسم، وإنما هو عنصر الوجود حولنا، لأن حواسنا لا تكاد تدرك منه شيئا.. فمن الغيب، الأجساد الدقيقة، كالمكروب.. ومن الغيب، المعاني الدقيقة، كالأسرار الإلهية.. ومن الغيب، حوادث الدقيقة المقبلة.. ولإستجلاء كل غيب وسيلته.. فحين استخدم العلم المادي المجاهر لرؤية الجسيمات الدقيقة، وهي غيب، استعمل الدين الإيمان، والمنهاج التعبدي، لرؤية حوادث المستقبل، ولرؤية الأسرار الإلهية، وهي غيب أيضا.. والإيمان، أو قل عدم إنكار ما لا يقع تحت إدراك عقولنا، من دلائل الفهم، ومن أوليات العلم.. سواء في ذلك: العلم التجريبي، أو العلم الروحي – الدين..
وأنت تقول عن (الذين يؤمنون بالغيب) من صفحة 161: (المقصود هم المؤمنون بالقلب الذين لا يطلبون القرائن ولا يلحون في براهين ولا يدخلون في مجادلات.. ولا يقولون.. أرنا الله لنؤمن به.. وإنما يؤمنون غيبا وقلبا).. فمن أنبأك هذا؟؟ وما ظنك بقول إبراهيم: "وإذ قال إبراهيم: ربي!! أرني كيف تحيي الموتى!! قال: أولم تؤمن؟ قال بلى!! ولكن ليطمئن قلبي.. قال: فخذ أربعة من الطير، فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم ادعهن يأتينك سعيا!! واعلم أن الله عزيز حكيم.."؟؟..
إن المؤمنين (بالقلب)، الذين لا (يطلبون القرائن، ولا يلحون في البراهين)، كما تصفهم أنت، إنما هم جهلة، لا يشرفون الإيمان.. ذلك بأن الإيمان إنما هو عكاز (العقل) يتوكأ عليه في منطقة الغيب، ريثما يصبح الغيب شهادة، وذلك عن طريق الفكر الملحاح في طلب البراهين، بعد أن يتخذ الوسائل الصحائح للسير في أودية الغيوب.. وأما قولك، من صفحة 162: (فالدين إحساس قبل أن يكون نظرية تؤخذ بالبرهان. وهو حالة قلبية أولا قبل أن يكون حالة عقلية)، فهو قول سليم في معنى أن القلب بيت الله.. وهو بيت قديم.. هو أول بيت وضع للناس.. وأما العقل فهو حادث، وهو يسعى أن ينفتح على القلب، على بيت الرب، حتى يطلع على مكنونه.. وهذه هي وظيفة الدين.. ومن أجل ذلك فإن الدين خطاب موجه للعقل، وترويض له، وتسليك.. وهذا هو الذي جعل الفكر المسدد هو قمة العبادة. وهو الغرض المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتشريع التشاريع.. قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.. ولعلهم يتفكرون"
وفي هذا الباب أنت تتحدث كثيرا عن الملائكة، والجن.. فتقول، مثلا: (وأمثال هذه الطلاسم.. الملائكة.. والجن.. والساعة.. والعرش.. والكرسي.. والصراط.. والجنة.. والميزان.. واللوح.. والقلم.. والبرزخ.. وأكبر طلسم، ولا شك، هو الشيطان نفسه) هذا قولك!! ولكن، كل هذه هي مسائل مادية، ومحسوسة، وكل ما هناك أنها تحتاج لإدراكها، إلى الحاسة السادسة، والحاسة السابعة.. وهاتان الحاستان تقعان في خط تطور النشأة البشرية التي بدأت، في سحيق الآماد، بحاسة واحدة، هي الحس.. ثم اكتسبت بقية الحواس الخمس التي نعرفها، نحن، اليوم، والتي كثيرا ما تورطنا في الخطأ فظنناها نهاية المطاف بالنسبة لتطور الإنسان.. ألم تقل أنت، في الفصل السابق، في صفحة 149: (وقد علم الله أنه لن يحدث تطور روحي بعد ذلك.. وأن الإنسان لن يتطور إلا في أدواته إلخ.. إلخ)؟؟ بلى !! قد قلت!! وهو قول قد أعظمت به على الله الفرية.. وفي صفحة 176 يرد قولك: (إن البرزخ.. والحجر المحجور.. والمنع الممنوع.. كلها إشارات إلى القوانين الفيزيقية التي تمنع وتضبط وتحفظ لكل شيء حدوده ومكانه. وهذا يفسر لنا ما قاله القرآن عن الموتى: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" فليس معنى البرزخ هنا فاصل مكاني يفصل أرواح الموتى عن دنيا الأحياء.. وإنما معناه القوانين المانعة.. فالأرواح بعد الموت تبدأ حياة ذات قوانين مختلفة. ولهذا يستحيل عليها أن تخاطبنا ويستحيل علينا أن نخاطبها لأن بيننا برزخا.. هو اختلاف القوانين بين عالمنا وعالم الأرواح.. مع أنها قد تكون حولنا في اللحظة والمكان، ولكن الإتصال يظل مستحيلا ومعدوما لاختلاف قوانين وجودها عن قوانين وجودنا وهذا هو البرزخ).. هذا ما تقرره أنت، بكل ثقة.. وهو كله خطأ.. ثم إنك، حين تتحدث عن الموت، تتحدث عن: (القوانين الفيزيقية)، مما يدل على صدق اتهامنا إياك، في غير هذا الموضع، من هذا الكتاب، من أنك إنما تعني بالموت الظاهرة البيولوجية.. وإلا، فقد كان أولى أن تتحدث عن القوانين (الميتافيزيقية).. ثم من الذي قال: (فليس معنى البرزخ هنا فاصل مكاني يفصل أرواح الموتى عن دنيا الأحياء)؟؟ أليس (اللحد) فاصلا مكانيا؟؟ أم هل تظن أن الأرواح لا تستقر مع الأجساد في (اللحد)؟؟ وما ظنك بقول المعصوم: (القبر إما روضة، من رياض الجنة، أو حفرة، من حفر النار)؟؟ وأنت تقول من السياق الذي اقتبسناه آنفا: (فالأرواح بعد الموت تبدأ حياة ذات قوانين مختلفة).. فما هو نوع هذا الإختلاف؟؟ أهو اختلاف نوع؟؟ أم هل هو اختلاف مقدار؟؟.. أنت، لا شك، تظنه اختلاف نوع.. وآية ذلك قولك: (ولهذا يستحيل عليها أن تخاطبنا ويستحيل علينا أن نخاطبها لأن بيننا برزخا).. فما ظنك بخطاب النبي لأهل القليب، غداة بدر، إذ ظل يخاطبهم، ويذكرهم، بأسمائهم، ويقول لهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا).. فلما قال له أصحابه: (يا رسول الله!! ما تخاطب من جيف أنتنت؟؟).. قال: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون)؟؟ ما ظنك بهذا؟؟ وأنت، في نهاية هذا الفصل، تقول (ونأتي إلى ذروة الغيب.. وهي الساعة.
والساعة هي ذروة الغيب المغيب التي لم يكشفها الله لأحد ولا حتى لأنبيائه "يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟؟ قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله"..
إنه لعلم اختص الله به نفسه دون الخلق جميعا وإنه لعلم رهيب كما سوف نرى) هذا ما قررته أنت في صفحة 180.. وأحب أن أقول: ان الساعة ليست ذروة الغيب، إلا عندما تصبح هي الذات الإلهية.. فإن الذات الإلهية، وحدها، هي ذروة الغيب.. قال تعالى، في حقها: "قل لا يعلم من في السموات، والأرض، الغيب، إلا الله" فالغيب هنا هو ذات الله.. وكل علم عداها، هو غيب، دونه غيب – هو غيب نسبي – ومعرفته مبذولة للعارفين، وكل ما هناك، أن المعرفة تتكشف لأهلها في وقتها.. قال تعالى، في ذلك: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء".. وهو تبارك، وتعالى، يشاء لنا كل يوم أن نحيط بشيء من علمه.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: "كل يوم هو في شأن". وما شأنه، تبارك، وتعالى، إلا إبداء ذاته لعباده ليعرفوه.. وليس يومه أربعا وعشرين ساعة، وإنما يومه (زمنية) تجلي ذاته لعباده.. وهي (زمنية) تتناهى في الصغر، حتى لتكاد أن تخرج عن الزمن.. وأحب أن أقرر هنا أن الله لم يختص نفسه بعلم، كما هو شائع عند الناس، وكما قررته أنت في آخر العبارات التي اقتبسناها لك آنفا.. إن علم الله هو ميراثنا نحن، نباشر، كل حين، القدر الذي يؤهلنا لمباشرته رشدنا، وذلك رشد يزيد، كل حين، بفضل الله، ثم بفضل تعرضنا لرحمته: "واتقوا الله ويعلمكم الله".. أو كما قال تعالى: "فتعالى الله، الملك، الحق.. ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه.. وقل ربي!! زدني علما..".. أو كما قال تعالى لنبيه عن القرآن: "لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم ان علينا بيانه".. وما يكون بيانه على الله لا يقع الفراغ منه، وإنما هو بيان سرمدي، يسير إلى الذات، حيث لا حيث.. وحين لا حين..