في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الفصل التاسع

الســـاعة



الساعة هي نقطة لقاء الماضي والمستقبل.. وهي أصل الزمن.. وتدق حتى لتكاد أن تخرج عن الزمن.. هي في ملتقى الزمن مع الإطلاق.. هي، من وجهها الذي يلينا، زمن، ومن وجهها الآخر، إطلاق.. وعلمها، لذلك، مبذول لنا، بشرط واحد، هو أن نتوسل إلى منازله بالوسائل الصحائح، وفي قمتها التوحيد.. والتوحيد هو صفة الموحد.. وهذا يعني توحيد القوى المودعة في البنية البشرية – العقل والقلب – وسبيل ذلك العبادة، في إتقان، لتقليد المعصوم، في سنته - عبادة ومعاملة – وآية توحيد القوى المودعة في البنية البشرية أن يفكر الرجل كما يريد، وأن يقول كما يفكر، وأن يعمل كما يقول. ثم لا تكون عاقبة قوله، ولا عمله إلا خيرا، وبرا، بالأحياء، والأشياء.. وإلى المدخل على هذا المقام الإشارة بقوله تعالى "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".. وقمة هذا المقام قد بلغها المعصوم في معراجه، بعد أن تخلف عنه جبريل، وبعد أن جاوز سدرة المنتهى، وواجه أنوار التجلي الذاتي، الذي استغرقه من جميع أقطاره.. ولقد جاءت الحكاية عنه في القرآن: (إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى).. فعندما توحد النبي، وحدة، ذاتية، مطلقة، خرج عن الزمان والمكان، أو كاد، فرأى المطلق، الذي لا يحويه الزمان، ولا المكان – رأى الله – ولقد كان في تلك اللحظة هو الساعة.. ثم تغشته غواشي الجبلة، وهو في الأرض، فشمر يطلب ذلك المقام بنهج العبادة الذي رسمه الله له في سنته المطهرة..

الساعة ساعتان


ومن ثم، فإن قولك: (الساعة ذروة الغيب وعلمها محجوب عن الكل، اختص الله به نفسه دون العالمين) هذا القول، الذي به افتتحت أنت هذا الفصل قول خاطئ.. ولقد قررنا، في الفصل السالف، أن ذروة الغيب هي الغيب المطلق – هي ذات الله.. والساعة ساعتان: ساعة التعمير، وساعة التخريب.. فأما ساعة التعمير فهي لحظة مجيء المسيح ليرد الأشياء إلى ربها، حسا ومعنى، وليملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا.. ويومئذ يظهر الإسلام على جميع الأديان.. ويتحقق موعود الله: "هو الذي أرسل رسوله، بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله.. وكفى بالله شهيدا".. ويتأذن الله بالتطبيق، كما تاذن بالإنزال.. وذلك فيما يتعلق بقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا.." وهذه هي ساعة التجلي الكمالي.. وأما ساعة التخريب فهي لحظة مجيء المسيح، للمرة الثانية، ليرد الأشياء إلى الله حسا، وقد أبطا المعنى.. وذلك: "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب.. كما بدانا أول خلق نعيده.. وعدا علينا.. إنا كنا فاعلين"..
والساعتان منضويتان، في بعضهما، في سياق القرآن.. فهو عندما يقول: (الساعة) إنما يعني: المعنى القريب للساعة، وهي ساعة التعمير، والمعنى البعيد للساعة، وهي ساعة التخريب.. وإنما يقع التمييز بينهما، عند القادرين عليه، بفضل الله، ثم بفضل التفريد في التوحيد.. وتلك هي المقدرة على إدراك مثاني القرآن وقد أشار إليها تبارك، وتعالى، في قوله: "الله نزل أحسن الحديث كتابا، متشابها، مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.. ثم تلين جلودهم، وقلوبهم، إلى ذكر الله.. ذلك هدى الله، يهدي به من يشاء.. ومن يضلل الله فما له من هاد".. "مثاني" يعني: ذو معنيين، معنيين: معنى قريب، ومعنى بعيد.. ولعجز الناس عن المقدرة على تفريد التوحيد لم يقع في خلد المتحدثين عن الدين إلا معنى واحد للساعة، وتلك هي ساعة التخريب.. وعندما يجئ المسيح بساعة التخريب يكون الوقت وقت التجلي الجلالي، حيث تنصهر الأحياء، والأشياء تحت سطوة الجبروت، وحيث تسير جميعها إلى الله كرها، بعد أن سارت إليه طوعا في وقت التجلي الكمالي، في ساعة التعمير.. وساعة التعمير هي المقصودة من قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها، بإذن ربهم، من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر".. قوله "خير من ألف شهر" يعني خير من ألف سنة.. قوله: "تنزل الملائكة"، يعني أعوان المسيح.. قوله "والروح" إشارة إلى المسيح.. قوله "سلام هي حتى مطلع الفجر" يعني يعم الأرض السلام، وذلك لملئها عدلا، كما ملئت جورا.. وهذه الألف سنة هي يوم الله المشار إليه في قوله تعالى: "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون" وهو، نفسه، اليوم الآخر الوارد في عديد الآيات، ومنها، على سبيل المثال: "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قومي!! اعبدوا الله، وارجوا اليوم الآخر، ولا تعثوا في الأرض مفسدين..".. وإنما سمي: "اليوم الآخر" لأنه آخر أيام الدنيا، وأول أيام الآخرة، وفيه تتحقق جنة الأرض، وهي نموذج من الجنة الموعودة.. وبعد انقضاء هذا اليوم، ذي الألف سنة، تتراجع المعارف، والعلوم، والفهوم.. ويأخذ الخط البياني للحياة الإنسانية في الإنحدار ويوالي ذلك، حتى يبلغ الكتاب أجله، وحتى تحل ساعة الخراب، التي أشرنا إليها آنفا.. فإذا انتهت دورة الوجود الأولى، بعودة السموات والأرض إلى الرتق بعد الفتق، وبدأت الدورة الجديدة، للوجود الجديد، ببروز أهل النار للنار، وأهل الجنة للجنة، فقد بدأ اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة، والمشار إليه في قوله تعالى: "تعرج الملائكة، والروح، إليه، في يوم كلن مقداره خمسين ألف سنة".. وفي هذا المقام يطيب لي أن أردك إلى صفحة 78 لتراجع قولك عن هذين اليومين: (ومعنى هذا أن أيام الله هي كما يشاء الله، فإذا شاء يكون اليوم بألف سنة وإذا شاء يكون بخمسين ألف سنة.. فهو ليس خاضعا لزمنه مثلما نحن خاضعون وإنما هو يخلق زمنه. وهذا شرح فلسفي رفيع لمعنى الأبدية.. أو زمن من لا زمن له).. هذا قولك الذي أحب لك أن تعيد النظر فيه، فإنه في أشد الحاجة إلى المراجعة..

لقاء الإنسان ربه


هذا التخليط ، بين الساعتين، أراك قد تورطت فيه، كما تورط فيه أغلب المتحدثين باسم الدين.. وفي صفحتي 192 و193 أنت تتحدث عن لقاء الإنسان لربه، وتذكر الآيات التي تسوق ذلك اللقاء من أمثال: "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا".. وأمثال: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة".. وأمثال: "يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".. ثم تقول: (وهو لقاء لا يمكن أن يتم والإنسان في صورته البشرية)، وهو قول لن تجد له من الصحة سندا.. والحق، أن الصورة البشرية هي أكمل الصور، وأصلحها لملاقاة الله.. وذلك لأن ملاقاته إنما تكون بتقريب صفات الإنسان من صفات الرب.. وقد أسلفنا القول إلى أن فعل التوحيد في البنية البشرية إنما هو بعث القوى المودعة فيها، وشحذها، وتوحيدها.. فإذا كان الإنسان يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم هو، في جميع أولئك، إنما يسوق الخير، ويهب البر، لجميع الأحياء، والأشياء، فقد توحد توحيدا به يتم لقاؤه لربه.. ولقد كنت أظن أن (الفردية) الواردة في قوله تعالى: "وكلهم آتيه، يوم القيامة، فردا"، وفي قوله تعالى: "ولقد جئتمونا، فرادى كما خلقناكم، أول مرة" تستأثر بفكرك، وتزيد في تعلقك بأمر الدين، وبمنهاج الدين، حيث جعل وكده، في التربية، إبراز فردية الفرد، من قطيع الجماعة.. فإننا لا نلقى الله بقطع مسافات السموات، ولا بقطع مسافات الأرض، وإنما نلقاه في أنفسنا.. وفي هذا المضمار– مضمار المقدرة على التوفيق بين حاجة الفرد، وحاجة الجماعة، تلك المقدرة النابعة من وضوح الرؤية للعلاقة بين الفرد والجماعة – تبرز ميزة الإسلام بروزا يقصر عنه تطاول كل متطاول من أصحاب مختلف الفلسفات والأديان..