في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

ليس للشعراوي فهم جديد:


ان الذين يظنون ان الشيخ محمد متولّي الشعراوي صاحب فهم جديد، به يقدم الإسلام لإنسانية القرن العشرين، انما هم واهمون.. ذلك بأن قاعدة الفهم الصحيح، الجديد، للإسلام تقوم على ان القرآن ذو مستويين، مستوى صلح لإنسانية القرن السابع، وهو مستوى الفروع، ومستوى الأصول الذي عاشه النبي وحده، وهو الذي يصلح لإنسانية القرن العشرين..
ولكي نبعث الإسلام اليوم فان ذلك انما يعني ان ننتقل من النص الفرعي الى النص الأصلي – ننتقل الى سنة النبي – وبصورة أكثر تجديدا، ان نجتهد فيما فيه نص، فتطور التشريع الإسلامي في مجال نشر الدعوة، وفي مجال الاقتصاد، والسياسة، والمرأة.. وبذلك يمكن ان يحل الإسلام مشاكل الإنسان المعاصر الذي اختلفت مشاكله عن مشاكل إنسان القرن السابع، بصورة تنقطع معها المقارنة..
فما هو موقف الشيخ شعراوي من هذا الفهم الواعي؟ انه على النقيض من هذا الفهم، يقف بكليته مع الفهم السلفي التقليدي، يكرر ما قاله السابقون، فلا يضيف جديدا، بل انه لينزل، في غالب حديثه كما رأينا آنفا، حتى عن مستوى الشريعة، ومستوى ما كان عليه الأقدمون من الفقهاء..

الاجتهاد فيما فيه نص:


انه من أجل ان يحل الإسلام مشاكل العصر، لا بد من الاجتهاد فيما فيه نص، لننتقل من آيات الفروع، الى آيات الأصول، على خلاف ما كان في الماضي، حيث احكمت آيات الفروع ونسخت آيات الأصول لعدم مناسبتها لمجتمع القرن السابع..
ولكن الشيخ الشعراوي لا يسير في هذا الاتجاه فهو يقول في كتاب (الشورى والتشريع الإسلامي) ص ١٩ ما يلي: (ما دمت اعترفت بأن التشريع تشريع إسلامي يفهم اذن ان هذا التشريع من إله يعلم المصلحة جيدا فلا يقال المصلحة والنص لأن النص لا يدور الاّ على مصلحة حتى لو استعصى فهم المصلحة على ادراكي البشري فكل نص اذن مصلحة امّا متى نبحث عن المصلحة؟ حين لا يوجد نص وحين لا يوجد نص يكون الاجتهاد)
ان هذا الفهم انما كان يصلح في الماضي، حيث اقتضت حكمة الشارع الحكيم ان يحكّم من الآيات ما يخدم مصلحة الناس في ذلك الحين.. ولكن مصلحة الناس اليوم، في مجال السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، هي غير مصلحة اسلافهم الذين عاشوا قبل اربعة عشر قرنا من الزمان.. والله سبحانه وتعالى لا يشرّع لكماله هو، وإنما يشرّع لنقصنا نحن، لينقلنا كل حين من النقص الى الكمال.. وما دام الأمر كذلك يصبح من المحتم ان ننظر في النص المحكم، لنرى ان كان قد خدم غرضه واستنفده، فننتقل، من ثم، الى نص جديد، داخل القرآن يخدم المصلحة الحاضرة..
ولنأخذ مثالا لذلك، شكل الحكم، فقد كان في الماضي (حكم الشورى)، حكم الوصي الرشيد على المجتمع القاصر، وهو قد ناسب ذلك الوقت تماما، وامّا اليوم فان البشرية قد تطلّعت الى الديمقراطية، وسارت في مجالها خطوات واسعات، لن تتراجع عنها، ومن الخير الاّ تتراجع.. فما هو موقف الشعراوي من قضية الحكم في الإسلام مثلا؟ انه يقف، كما يفعل السلفيون، ضد التطور، فيرفض الشكل الجديد، ويرجع بنا الى صور من الحكم حتى الشريعة ترفضها، كما رأينا فيما سبق من صفحات هذا الكتاب.. قال الشيخ شعراوي في المصدر السابق ض ١٧: (لا تصح الشورى فيما ورد فيه نص محكم، وإنما تصح فيما لم يرد فيه مثل هذا النص).. ان قول الشيخ هذا لا يدل على فهم لحقيقة الإسلام، وهو من ثمّ، لا يصلح كداعية لبعث الإسلام في هذا العصر.. ذلك بأن الشورى كما قلنا، هي حكم الوصي الرشيد على مجتمع قاصر، وقد اقتضتها حكمة الإسلام لمجتمع القرن السابع القاصر، الخارج من جاهلية غليظة، كانت تقطع الرحم، وتدفن البنت حية، وقانونها من غلب سلب.. وهذه الوصايا في الحكم انما هي امتداد للوصاية العامة التي جعلها الإسلام للنبي على الكفار، وذلك عندما جاء الأمر في المدينة بالجهاد حيث قال الله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد، فان تابوا، واقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلّوا سبيلهم).. ومن هنا قال النبي (أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا الاّ إله الاّ الله، وان محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا الشهر، ويحجوا البيت لمن استطاع اليه سبيلا، فان فعلوا عصموا منّي اموالهم ودماؤهم الاّ بحقها وامرهم الى الله).
هذا هو مستوى الفروع، وقد تنزّل من مستوى الأصل الذي عرض على الناس في مكة لمدة ثلاثة عشر عاما، فظهر عمليا انهم دونه.. والأصل انما هو الإسماح، وتحكيه آيات منها: (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر!!)، و(فذكّر انما انت مذّكر* لست عليهم بمسيطر).. فنحن امام مستويين – امام نصين -: نص محكم، ونص منسوخ.. النص المحكم هو نص الجهاد: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).. والذي تنزّل منه ايضا، في مستوى الحكم، نص الشورى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فأعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فاذا عزمت فتوّكل على الله) كما تنّزل من هذا المستوى وصاية الرجل على المرأة: (الرجال قوّامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم).. والشورى غير ملزمة للحاكم، ان شاء أخذ بها وان شاء رفضها – هي ليست ديمقراطية لأن الكلمة الأخيرة فيها انما هي للوصي.

الإسماح.. والديمقراطية لإنسانية اليوم:


فإذا ذهبنا اليوم مذهب الفهم السلفي الجامد، فإنّا يجب ان نقف مع النص المحكم فلا نجتهد فيه، وهذا هو نفسه مذهب الشيخ شعراوي حسب قوله السابق. ففي مجال الدعوة للإسلام يجب أن نشهر السيف: فأما الإسلام وامّا القتال، وفي مجال الحكم فالأمر هو حكم الفرد الوصي.. وقد توّرط الشيخ شعراوي في خطأ بيّن حين اتجه ليقول ان الإسلام لم يحدد شكل الحكم، فقد قال في الكتاب المذكور آنفا ص ١٩: (لم يرد نص محكم في القرآن بشأن قضية الحكم كذلك لم يرد رأي بشأنها على لسان النبي صلّى الله عليه وسلّم).. ومما سقناه آنفا من الآيات ومن الحديث يتبيّن ان هناك نصا محكما يحسم قضية الحكم، وقضية الدعوة حيث يقرّر القرآن، ويقرّر الحديث وصاية النبي على الناس جميعا، مؤمنين وغير مؤمنين... هذه هي معالجة الإسلام الحكيمة لقضية الدعوة والحكم في القرن السابع وهي قطعا لا تصلح لإنسانية القرن العشرين، وإنما الذي يصلح لهذه الإنسانية هو آيات الأصول – الآيات المكية - حيث الدعوة بالإسماح، وحيث الديمقراطية.